من السهل التلاعب بالحقائق وبالأخص حينما يتعلق الأمر بالتاريخ، هؤلاء يزعمون وأولئك يردون وتختفي الحقيقة بين هذا وذاك ويتم تغييرها لتناسب أهواء شخصية وانتماءات.
جوان لابورتا، رئيس برشلونة، انفجر صباح اليوم ودافع عن فريقه ضد الاتهامات في قضية نيجريرا، ولكن يبدو أنّ أكثر ما أغضبه هو تحالف ريال مدريد مع الأندية التي تطالب بمعاقبة برشلونة.
لابورتا لم يهاجم فقط موقف ريال مدريد، بل عاد بالتاريخ إلى الوراء ليؤكد أنّه: “لمدة سبعة عقود، كان رئيس لجنة الحكام شريكًا سابقًا لمدريد أو لاعبًا سابقًا أو مديرًا سابقًا، لمدة 70 عامًا، أولئك الذين عينوا الحكام الذين اضطروا إلى تحقيق العدالة".
ولم يترك ريال مدريد الأمر يمر هباءً، بل قرر الرد بفيديو عن "متى كان ريال مدريد فريق الدولة؟" لمدة أربع دقائق يؤكد أنّ برشلونة استفاد بصورة مباشرة من الدولة في أوقات سابقة.
ما هو رد ريال مدريد على برشلونة؟
ريال مدريد أكد أنّ فرانكو ذاته كان عضوًا شرفيًا في النادي عام 1965 وأنّ فرانكو سبق وسدد ديون برشلونة، كما أنّ خلال فترة حكمه حقق النادي الكتالوني عدة بطولات، بل واستمر الملكي لمدة 15 عامًا دون تحقيق اللقب، فمن هو نادي النظام إذًا.
لكن هذا الرد ليس مفحمًا كما تتصور، بل رد ساذج يتبع مغالطة منطقية معروفة بانتقاء الكرز، أي أنّه يذكر فقط الأحداث التي تدعم موقفه ويتجاهل حوادث أخرى.
فأولًا فرانكو ظهر في الصورة مع بداية الحرب الأهلية عام 1936 وحكم إسبانيا في 1938 وذلك حتى 1973، لكن ريال مدريد قرر تجاهل كل هذه السنوات منذ بداية الحرب الأهلية ليتحدث عن فترة فرانكو الأخيرة.
هنا تم تجاهل ما حدث من غلق مستمر لملعب برشلونة دون سبب، وحرمان النادي من كثير من مصادر دخله، والعديد من الحملات التي شناها نظام فرانكو على كتالونيا.
الأمر هنا يشبه حينما يتحدث أحد عن دعم الولايات المتحدة الأمريكية لليابان بعد الحرب العالمية الثانية متجاهلين أن أمريكا نفسها هي من ضربت اليابان بالقنبلة الذرية ودمرتها، ألم أقل لكم انتقاء الكرز.
أيضًا كون فرانكو عضوًا شرفيًا، فلا يدل على أي شيء، هكذا أجبر الزعيم العديد من الأندية على فعل ذلك، لكن أعضاء برشلونة وحتى وقت قريب أعلنوا رفضهم التام لهذه العضوية وكذلك الميداليات التي منحها له النادي قبل نهاية حكمه بأعوام، لأنّها لم تكن معبرة أبدًا عما حدث خلال فترة حكمه.
أما بالنسبة للألقاب، فهذا ليس دليلًا كافيًا على شيء، ولا أعتقد أنّ لابورتا يتحدث عن دعم مباشر من فرانكو للريال، ولكن الملكي استفاد كثيرًا من كونه الفتى المدلل عند فرانكو.
كيف استفاد ريال مدريد من فرانكو؟
ذكرت في مقال سابق عن التأثيرات السلبية التي تسبب فيها فرانكو في ريال مدريد، وأنّ مع بداية الحرب حاول إخضاع النادي الأبرز في العاصمة، ريال مدريد، له، إلا أنّ رئيس الميرينجي وقتها، رفاييل سانشيز جيرا، رفض ذلك خاصة أنه من أشد أعداء فرانكو لكونه عضوا بارزاً في الحزب الجمهوري المحارب للكاوديو ، واعتقله وعذّبه حتى هرب إلى باريس.
حكاية من الكلاسيكو - ما حقيقة اضطهاد فرانكو لبرشلونة وتأييده لريال مدريد؟
وبعد رحيل سانشيز، استطاع فرانكو إخضاع النادي له بتعيين خوان خوسيه فاييخو وأنطونيو أورتيجا لرئاسة الملكي، حتى أصبح النادي مركزًا للدعاية لحكم فرانكو حتى قال أحد أذرع نظامه لإدارة ريال مدريد: "الإسبان كانوا يكرهوننا في السابق، صاروا الآن يفهموننا بفضلكم".
ومن هنا أصبح نادي النظام، تسهيلات مرتبطة بتأسيس الجيل الذهبي في الخمسينيات، ورفض تسجيل دي ستيفانو مع برشلونة بجانب مشاكل مالية أدت في الأخير إلى تنازل النادي الكتالوني عن اللاعب لصالح ريال مدريد.
الدولة لعبت أدورًا هامة فيما يتعلق بالتسويق لريال مدريد أوروبيًا، لأن نجاح الريال كان بمثابة نجاح للنظام وصورة إيجابية له في القارة العجوز.
ربما لا يكون هناك تدخل مباشر، فلا توجد أدلة موثقة على كل الاتهامات، لكن أصابع فرانكو ظهرت كثيرًا في محاولته لعرقلة تطور برشلونة مقابل تسهيل الأمور لريال مدريد.
أما عن التحكيم، فعلى عكس برشلونة الذي من السهل إيجاد أدلة لبطولات خسرها النادي الكتالوني خلال هذه الفترة بسبب أخطاء تحكيمية، فيمكن ببساطة مشاهدة الأخطاء الكارثية لريال مدريد في مباريات هامة وبالأخص في دوري أبطال أوروبا، سواء في الخمسينيات أو حتى بعدها لتعرف جيدًا من المستفيد الأكبر من الأخطاء التحكيمية!
في النهاية، برشلونة لم يستفد أبدًا من نظام فرانكو بل كان عدوًا له خلال سنوات طويلة، بينما لم يكن النظام الحاكم في إسبانيا بهذه الصرامة مع ريال مدريد وتركه يفعل ما يحلو له.
رد غير موفق يا ريال مدريد، فلا يمكن أن يتساوى مقاوم لسنوات مع فريق اعتبره فرانكو بوقه الإعلامي في أوروبا!




