"العالم تغير، المدينة الأكثر صخبًا وزحمة وفوضى في العالم كأنها تمت هجرتها"، كانت تلك هي الكلمات العاطفية لعالمة الأنثروبولوجي (علم الإنسان) الإيطالية الشهيرة أماليا سينوريلي والتي وصفت بها مدينة نابولي بعد ظهر يوم العاشر من مايو عام 1987.
في ظلال بركان جبل فيزوف الخامد هناك مدينة كاملة تستعد للثوران حيث كان نابولي يتوج بلقب الدوري الأول لهم في61 عامًا هي عمر ناديهم المحبوب.
الاحتفالات كانت صاخبة ومليئة بالسعادة لدرجة أنها اخذت أحد الجماهير لما هو أبعد من العقل ليكتب "أنتم لا تعرفوا ما الذي يفوتكم" على جدران أحد المقابر.
لم تكن مجرد لحظة عظيمة بالنسبة لنابولي بل لكل الجنوب في إيطاليا، الجميع استمتع بتلك اللحظة التي حصول فيها الجنوب على حق التبجح في جيران الشمال القساة.
اقرأ أيضاً .. ميسي وإنييستا وصلاح.. بطاقات صفراء يفخر بها حاملوها
يوفنتوس ميلان وإنتر سيطروا على لقب الدوري في إيطاليا لسنوات ولينتقل صراع الطبقات والتوتر بين الجنوب والشمال ويتفاقم داخل ملاعب كرة القدم.
لكن في ليلة مبهجة في نابولي انقلبت الأدوار بوجود الأسطورة الأرجنتينية دييجو أرماندو مارادونا الذي سيطر على موسم لن ينساه الجميع لسنوات طويلة، ما قدمه في ذلك الموسم جعله أكثر من مجرد إنسان هناك.
عند وصول مارادونا من برشلونة لسان باولو في صيف 1984 نظر له الجميع كالحافز الذي جاء من أجل التغيير والوصول لقمة النجاح في نابولي.
Gettyالأمر احتاج من نابولي ثلاث سنوات حتى يحصلوا على لقب الدوري الأول لهم بعد وصول مارادونا، وهو ما يؤكد أن أحجية الفريق الجنوبي كانت لا تزال تنقصها الكثير من القطع.
انتهى الموسم الأول لمارادونا في إيطاليا بشكل محبط لنابولي حيث احتل الفريق المركز الثامن في جدول ترتيب الدوري بعشر نقاط خلف البطل المفاجئ هيلاس فيرونا، لكن في الموسم الثاني تحسنت الأمور بشكل ملحوظ حيث أنهى البارتينوبي البطولة في المركز الثالث.
وبينما كان الفريق يبحث عن طرق للتأقلم والتطور كان الأرجنتيني قد اخذ على عاتقه الكثير وتأقلم فورًا وجعل من نفسه رمزًا لحظة وصوله للنادي.
اقرأ أيضاً .. ضوء يسطع في نابولي والأرجنتين وتكريم خاص في المكسيك .. ملاعب العالم تكرم مارادونا
في الموسم الأول وجد مارادونا نفسه يملك 14 هدفًا في الدوري الإيطالي بفارق أربعة أهداف فقط عن هداف ذلك الموسم ميشيل بلاتيني وفي الموسم التالي سجل 11 مرة وبدأ نابولي يظهر ملامح فريق قادر على المنافسة على الاسكوديتو.
الأمور أصبحت أفضل في الموسم التالي 1986-1987 حيث تناغم الفريق وأظهر مستويات مذهلة، وأصبح قادرًا على التتويج بلقب الدوري بصورة رأيناها درامية وساحرة.
بوجود المدرب البرجماتي الشهير أوتافيو بيانكي والذي فاز بلقب دوري الدرجة الثالثة قبل خمس سنوات فقط من ذلك التاريخ بنت إدارة نابولي فريقًا رائعًا حول مارادونا ونجحت في جعلهم يتأقلموا سويًا.
وبقدوم قلب الدفاع تشيرو فيرارا من فريق الشباب وبصفقات الصيف التي جاءت بفيرناندو دي نابولي و أندريا كارنيفالي أصبح فريق نابولي قويًا ونجاحًا.
N/Aفدي نابولي بجوار وسط الملعب المميز سالفاتوري باجني علما معًا في ملاعب إيطاليا دون كلل أو ملل ومحنا مارادونا الفرصة حيث حراره بشكل كامل من واجبات الدفاع فأصبح كل تركيزه على الثلث الأخير من الملعب.
وأمام المرمى سجل مارادونا عشرة أهداف في ذلك الموسم لكنه لم يكن النجم الأوحد هناك في الهجوم بوجود الثنائي كارنيفالي الذي سجل ثمانية أهداف وبرونو جوردانو الذي سجل ستة.
جماهير نابولي المخلصين أيضًا لعبوا دورهم في ذلك اللقب الهام، فلم يخسر الفريق مباراة واحدة على ملعبه هذا الموسم وأصبح ساو باولو قلعة لا يمكن اختراقها، وخسر الثنائي يوفنتوس وميلان في زياراتهم للجنوب بذلك العام بنفس النتيجة بهدفين لهدف.
اقرأ أيضاً .. بكاء ورسم وسط حطام سوريا .. مشاهد حزينة حول العالم في وداع مارادونا
الاحتفالات في يوم تحقيق اللقب كانت صاخبة بقدر ما تصور مارادونا وأكثر بكثير، ومن صخبها وقوتها قرر كل سكان المدينة بشكل جماعي ألا يعملوا في اليوم التالي ويأخذوه كإجازة.
وصلت الاحتفالات لتنظيم جنازات للأندية الخصوم وعلى رأسهم يوفنتوس وخرجت النعوش والأكفان عليها ألوان البيانكونيري ورفعت الجماهير لافتات الموت لفرق الشمال في إشارة لمدة قوة المنافسة المحتدمة بين الفريقين.
مدينة نابولي بأكملها سخرت من يوفنتوس وبقية الفرق، بينما كان فريق المدينة يتحضر للحصول على المزيد من الألقاب في السنوات التالية.
بكل تأكيد لعب مارادونا دورًا هائلًا في ذلك الفوز العظيم بالدوري الإيطالي وفي نهضة نابولي بعالم كرة القدم، لكن تتويج الفريق بالبطولة هذا العام لخص مفهومًا هامًا في كيفية وقوف مدينة واحدة أمام دولة بأكملها ومشاركتها في تحقيق لقب هام مثل الدوري الإيطالي.


