الليجا و"هوَس البريميرليج".. أكثر من مجرد عبث

التعليقات()
Getty Images
ما وراء أزمة نقل المباريات إلى الولايات المتحدة الأمريكية..

أحمد أباظة    فيسبوك      تويتر

عادةً ما يكون للأمور مقدمات، ولكن مسألتنا هنا تصاعدت بقوة مفاجئة ومن العدم. خرج خافيير تيباس رئيس رابطة الليجا، معلناً عن اتفاق مع شركة "ريليفنت" الأمريكية لنقل عدد من مباريات المسابقة إلى الولايات المتحدة وكندا لمدة 15 عاماً.

 

من هي "ريليفنت"؟ واحدة من رواد تصدير الكرة الأوروبية إلى خارج حدود القارة العجوز، فهي من تدير كأس الأبطال الدولية الودية التي تستهدف الولايات المتحدة والصين بشكل رئيسي خلال الفترات التحضيرية، بعدد من كبار أندية أوروبا وبشكل سنوي ثابت.

في ضوء ذلك ليس غريباً أن يكون هدفها المعلن من هذا الاتفاق هو "تطوير ثقاقة كرة القدم وزيادة شعبية اللعبة في الولايات المتحدة"، كما قال ستيفن روس مالك الشركة. ولكن هل هناك ما يفيد الليجا حقاً من تلك الخطوة، لدرجة تستحق العناء؟

صحيح أن تيباس هنا حاول لعب دور رجل الأعمال، مقدماً المصالح المادية والمكاسب التسويقية المتوقعة على عدة عوامل أخرى شديدة الصلة بكرة القدم، إلا أن كل ما في الأمر حقيقةً هو أنه مهووس بالبريميرليج!

نعم ومعه كل الحق في ذلك، تخيل أن الفارق بين بطل الليجا ووصيفه كان أصغر بمراحل في آخر 4 سنوات من الفارق بين بطل البريميرليج ووصيفه، ثم يقولون عنه أنه "الدوري الأكثر تنافسية في العالم" فقط لمجرد أنه يملك الآلة التسويقية الأقوى، بينما تُنعت بطولتك بـ"دوري توم وجيري".

من الأحدث للأقدم.. 19 نقطة بين مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد مقابل 14 بين برشلونة وأتلتيكو. 7 نقاط بين تشيلسي وتوتنهام مقابل 3 بين ريال مدريد وبرشلونة. 10 نقاط بين ليستر سيتي وآرسنال مقابل نقطة واحدة بين برشلونة وريال مدريد. 8 نقاط بين تشيلسي ومانشستر سيتي مقابل نقطتين بين برشلونة وريال مدريد. ولكن ما تكرر قد تقرر.

اقتراب تطبيق حكم الفيديو بالدوري الإنجليزي الممتاز

الأمر بدأ بالفعل بتغيير نظام الجدول ليصبح محاكياً لنمط البريميرليج باختلاف ترتيب المواجهات بين الدورين الأول والثاني، وكأنهم قد وضعوا يدهم للتو على مكمن إثارة البريميرليج! أفكار تيباس لم تتوقف هنا، حيث كان قد تحدث العام الماضي عن احتمالية لعب إحدى مباريات الليجا في الصين أيضاً، كما قذف كلاسيكو سانتياجو بيرنابيو الأخير إلى الظهيرة حرصاً على جحافل المشاهدات الآسيوية.

بشكل مجرد، الرجل محق في أهدافه ومساعيه، فأحد أهم أسباب قوة البريميرليج الضخمة تكمن في التسويق الذي رفع سعر حقوق البث وبالتالي زادت مداخيل الأندية وازدادت معها قدرتها على اجتذاب أفضل اللاعبين والمدربين، كل تلك العناصر تجعل الدوري الإنجليزي في تقدم مستمر، المشكلة هي أن رابطة البريميرليج لم تكن بحاجة لمثل تلك الترهات كي تحقق ما بلغته..

بطبيعة الحال لم يلقَ هذا القرار الأحادي رداً طيباً من اللاعبين على جانب، ومن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" على الجانب الآخر، حيث تُشترط موافقة الكيان الحاكم للعبة ليتم بشكل رسمي، ووفقاً للتقارير الصحفية فإن جياني إنفانتينو رئيس الفيفا لا ينوي منحهم تلك الموافقة ولو كان الثمن صداماً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالأمر له جانبه السياسي مثلما له الرياضي.

قادة الفرق تجتمع لرفض هذا القرار، 14 من أصل 20 يسجلون اعتراضهم على الملأ، "الإضراب" بات كلمة دارجة في قاموس الأزمة بل صار الخيار المباشر حال عدم تراجع رابطة الليجا عن تلك الخطوة. فمهما كانت المكاسب الاقتصادية المستقبلية، وقع تيباس في المحظور حين تجاهل العامل الأهم لنجاح مسابقة قبل تسويقها: كرة القدم نفسها.

الليجا والتوقف الدولي: من المستفيد الأكبر؟ الطعنة الأولى لبرشلونة..

الجماهير في الولايات المتحدة تريد مشاهدة ريال مدريد وبرشلونة، وهذا يعني أن المباريات المنقولة هناك ستضم أحدهما على الأقل، إذ أنه لا يوجد مواطن أمريكي يحترم نفسه سيتكبد عناء حضور مباراة بين خيتافي ورايو فاليكانو. ولكن ماذا عن جماهير المدن الإسبانية التي لا تستطيع الذهاب لمشاهدتهما في البيرنابيو أو الكامب، وتنتظر مباريات الفريق المحلي ضدهما داخل الديار لتشاهد هؤلاء النجوم؟ هل الأمريكان أولَى؟ أم أغنى؟

كان هذا أول عنصر بشري يتعرض للتجاهل، ولكنه لم يكن الوحيد.. فما دمنا نعرف أن الطرف المسافر هو برشلونة أو ريال مدريد (أو كلاهما)، متى يُفترض أن تُقام المباراة؟ علماً بأن السفر من أوروبا إلى الولايات المتحدة يستغرق وقتاً طويلاً، ما يعني بالتالي زيادة الإرهاق، مع الوضع في الاعتبار أن طرفي الكلاسيكو عادةً يخوضان الأدوار المتقدمة لدوري الأبطال وكأس الملك.

الجدول ليس بحاجة للمزيد من الزحام، واللاعبين ليسوا بحاجة للمزيد من الإرهاق، فضلاً عن أن هؤلاء اللاعبين بشر في نهاية المطاف، والبشر لا يجب أن يتم معاملتهم بهذا التسليع فقط لأنهم يتقاضون رواتباً كبيرة، فهم في النهاية ثروات أنديتهم، وإن سقط أحدهم نتيجة الإرهاق أو تعرض للإصابة، فلن يعوضهم السيد تيباس من جيبه.

حتى الأندية لم تسلم من شرور تلك الفكرة، إذ كيف لك أن تحرم فريقاً يُفترض أن يلعب على أرضه من تلك الميزة المكفولة له بكل قوانين وأعراف اللعبة، ما دام الملعب صالحاً وجماهير النادي لم ترتكب مخالفة تستوجب العقوبة؟

ماذا لو كان الفريق يصارع على الهبوط في هذا الوقت؟ ماذا لو كان بلد الوليد مثلاً؟ سيفقد هذا الأخير سلاحه الأقوى، الكامن في حقيقة كون ملعبه غير صالح للاستهلاك الآدمي. أليس اختفاء مشهد مثل هذا من الليجا ونحن في عام 2018، أهم -للصورة التسويقية- من نقل مباراة إلى الولايات المتحدة؟ فإن كنا نتحدث عن التسويق لا يوجد دعاية سلبية أسوأ من تلك.

 

إغلاق