ذلك التحول الذي صاحب توماس مولر منذ نهاية العام الماضي وحتى الآن لا يمكن تصنيفه سوى بالعودة الأسطورية، وفي سبيل تحقيق هذه الاستفاقة، يدين الدولي الألماني كثيرًا لمدربه هانزي فليك، الذي لا يُنعت سوى بالساحر قياسًا بما فعله.
منذ أشهر قليلة، أعلن كارل هاينز رومينيجه، الرئيس التنفيذي لبايرن ميونخ، أن ناديه لا يمانع بيع مولر ولكنه لا يمكنه القيام بذلك نظرًا للنقص العددي في القائمة، لا لإمكاناته الضخمة مثلًا، وبعد أشهر بات صاحب الـ31 عامًا أحد أهم اللاعبين في العالم.
لم يتعلق الأمر فقط بالأداء على أرض الملعب، بل إن مولر صار أحد القادة في ميدان البافاري شكلًا وموضوعًا، الجميع في ملعب ينصاع إلى أوامره، وهو لا يتوقف عن النصح والتفكير، لتكون إضافته مكتملة تمامًا لكتيبة فليك.
إذًا، فما هذا الذي حدث لمولر، من وصفه الناس منذ أقل من سنة بالضبط بـ"المهاجم المنتهي"؟ قيل أن الدبور توقف سحره منذ أن أضاع ركلة الجزاء الشهيرة لبايرن ميونخ أمام أتلتيكو مدريد في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2016، والآن يمكن القول بمنتهى الوضوح والصراحة أن السحر قد عاد له، والفضل للساحر الأكبر.. هانزي فليك.
العامل النفسي
ربما أبرز ما عانى منه مولر في السنوات الأخيرة هو فقدانه الشعور بقيمته كلاعب من أهم اللاعبين في تاريخ ألمانيا ومن أهم لاعبي قائمة بايرن ميونخ، بمجرد تراجع مستواه تراجعت أسهمه ولم تتوقف الصحافة ولا الجماهير عن الهجوم عليه، واكتمل الأمر باستبعاده من منتخب ألمانيا كجزء من الرد على فضيحة الخروج من دور المجموعات من كأس العالم 2018.
محفزات مولر للتألق تراجعت إن لم تنته من الأساس، ولسوء حظه تصادف ذلك مع قدوم نيكو كوفاتش لتدريب العملاق البافاري، مدرب لم يكن من أولئك المؤمنون بقدرات مولر على الإطلاق، وكان جزءًا أصيلًا من عملية تراجع مستوى اللاعب بإخراجه دائمًا من حساباته ثم الهجوم عليه في وضح النهار أمام الصحافة في كل مناسبة ممكنة.
بعد صدمة الهزيمة من فرانكفورت بخماسية لهدف في البوندسليجا، رحل كوفاتش، وعادت الحياة لمولر بفضل المدرب المؤقت حينها، هانزي فليك، ولكن كيف؟ الأمر ببساطة أنه منح مولر الحرية والثقة، أمران افتقدهما كثيرًا في آخر سنتين.
لقد تعامل فليك مع مولر بحنكة، هو يفهم أنه لاعب يحتاج إلى شحن معنوي من نوع خاص، ومن جهة أخرى عمد على زيادة إمكاناته الفنية، فكانت النتيجة انفجار ما بعده انفجار للدولي الألماني.
العامل النفسي كان من هدم مولر في آخر سنتين، ولكنه بسحر فليك، كان من أعاد بنائه مرة أخرى وأعاده إلى الحياة.
الجوانب التكتيكية
لم يتوقف سحر هانزي فليك عند إعادة شحن العوامل النفسية، بل إنه مرّ بأحد أهم الجوانب في عالم كرة القدم وهو الجانب الفني والتكتيكي.
من رأى مولر في سنوات المجد مع هاينكس وقبلها مع فان خال سيرسم له صورة في خياله أنه مهاجم هداف يعتمد على المساحات ومفاجأة الخصم داخل منطقة الجزاء، ذكي في تحركاته ولا يُهدر الفرص أبدًا، هذه هي حقيقة مطلقة بدأت تنطفئ مع انطفاء اللاعب، وأعاد فليك إحيائها بصورة جديدة.
بات مولر صانعًا للألعاب لا هدافًا، قام فليك بتغيير أوضاعه المحفوظة في أرض الملعب، بات نشاطه الأساسي هو التحرك بين الخطوط وتوفير مساحات تمرير، والنقطة الأهم هي تلك الزيادة الغريبة والغير مفهومة في قدرته على التمرير بإبداع وكأنه وُلِد كيفن دي بروينه وليس توماس مولر الذي نعرفه منذ سنوات!
في الختام، يجب على مولر أن يكون ممتنًا كثيرًا لفليك، أحياه نفسيًا ومنحه مهارة جديدة فنيًا، على الأرجح من دون ذلك لكان الدبور حاليًا في تجربة جديدة خارج ألمانيا وتراجعت مسيرته أكثر وأكثر.


