KSA 1 Legacy GFXGOAL

إرث الأخضر.. من هدف العويران المارادوني إلى ليلة سقوط ميسي

تخيل معي... باب غرفة الملابس يُقفل، والأنفاس ثقيلة، والوجوه مشدودة، وكل العيون معلقة على رجل واقف في المنتصف... هيرفي رينارد.

الفرنسي صاحب القميص الأبيض الشهير، الذي يجلب له الحظ، أو هكذا يعتقد.. يقف أمام لاعبيه في كأس العالم 2022 بقطر، وصوته يهز الجدران: "ماذا نفعل هنا؟ هل هذا ضغط؟ الضغط يعني ألا تخاف.. آخر مرة كان ميسي في المنتصف ومعه الكرة، وأنت تقف أمام الدفاع تريد علي البليهي أن يخرج ويضغط عليه؟".

"خذ هاتفك واتلقط صورة معه إذا أردت!.. هو معه الكرة يجب أن تضغط عليه وتلحق به.. بالكرة نحن جيدون.. هل رأيتم ماذا فعلتم؟.. هيا يا شباب هذا كأس العالم!! أعطي كل شيء لديك..".

انتهى الشوط الأول، وميسي سجل هدف التقدم للأرجنتين، لكن ما بعده؟ ما بعده كانت القصة... قصة المجد الأخضر. صالح الشهري بدأ الحكاية بهدف أول ولا أروع، ثم كتب بعدها سالم الدوسري التاريخ بهدف ثانٍ صاروخي!

الملعب اهتز، والعالم وقف مذهولًا... بينما وقف ميسي في حالة من الصدمة، لا يدرك ما هذا الجنون الذي حدث. فازت المملكة العربية السعودية على الأرجنتين بهدفين مقابل هدف، هذا ليس حلمًا، إنها الحقيقة التي هزت قطر والعالم بأكمله.. فوز السعودية على الأرجنتين لم يكن مجرد مفاجأة... كان إعلانًا عن ولادة جيلٍ جديدٍ لا يخاف الكبار، جيلٍ يثق بنفسه وبأرضه وبعلمه.

  • FBL-WC-2022-MATCH08-ARG-KSAAFP

    وأي خوفٍ يمكن أن يتملك من يهتف بهذا النداء: ميسي وينه.. كسرنا عينه

    ميسي وينو.. أشهر هتاف عرفه العالم في مونديال قطر، ربما يكون "البرغوث" قد أجاب عليه بالذهاب إلى نهائي، وحمل الكأس، وارتداء البشت، غير أن هذا الهتاف حفر في التاريخ ذكرى فوز سعودي لا يُنسى في تاريخ المونديال.

    ورغم عدم التأهل إلى الأدوار المتقدمة، بقيت تلك المباراة عنوانًا للفخر الوطني، وواحدة من أعظم لحظات العرب في تاريخ المونديال.

    هذه المرة كانت البداية هي الأجمل، أجمل بداية في تاريخ السعودية المونديالي، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، أفسدت النهايات حلاوة البدايات.

    بعد فوز ماراثوني على الأرجنتين، كان العالم ينتظر أن يشاهد منتخبًا يلتهم الأخضر واليابس، لكنه اكتفى بتلك الحلقة في هذا المسلسل، فخسر أمام بولندا بثنائية نظيفة، ثم أمام المسكيك بهدفين لهدف، ولكنه ودع المونديال من الباب الكبير.

    لم تكن هذه بداية القصة.. دعنا نعود إلى الوراء قليلا.. فالحكاية بدأت منذ سنين، من أرض الصحراء، يوم كان الحلم مجرد فكرة.

  • إعلان
  • Saeed Al-Oraiwan Saudi Arabia 1994Getty Images

    بداية الحلم... وهدف لا يُنسى

    في قلب الجزيرة، بين الرمال والنجوم، وُلد حلم. جيل كامل يركض خلف فكرة واحدة: "نريد أن نصل إلى كأس العالم". لم تكن هناك شهرة، ولا احتراف، بل عشق خالص وإصرار لا يلين.

    وفي عام 1994... تحقّق الحلم. من أرض الدوحة انطلقت المسيرة، ومحمد الخراشي يقود الصقور الخضر نحو أرضٍ لم تطأها أقدامهم من قبل — أمريكا.

    أربعة أهداف خضراء ضد إيران في 28 أكتوبر كانت النداء الأول..

    كانت تلك لحظة ميلاد المجد. في الولايات المتحدة، لم يتوقع أحد أن منتخبًا قادمًا من الشرق الأوسط سيشعل البطولة.. لكن ما فعله الأخضر تجاوز التوقعات.

    مجموعةٌ ناريةٌ تضم: هولندا، وبلجيكا، والمغرب.

    كانت البداية صعبة أمام الطواحين الهولندية، لكن مع أول لمسة أمل، دوّى صوت المعلق العربي: هدفٌ أول في تاريخ السعودية بالمونديال، سجله فؤاد أنور، فارتفع العلم واهتزت القلوب.

    لكن الحلم لم يكتمل… تعادلٌ هولندي، ثم خطأ قاتل أنهى المباراة بوجع.

    أفاق السعوديون على كابوسٍ صغير، لكن من صنع الهدف الأول قادر على صناعة التاريخ. جاءت موقعة المغرب، وكان لا بد من ردٍ عربيٍ عربيّ.

    سامي الجابر افتتح التسجيل، والمغرب تعادل، لكن فؤاد أنور عاد ليكتب من جديد أول انتصارٍ سعودي في كأس العالم. ثم... جاءت اللحظة التي لا تُنسى.البلجيكيون ينتظرون فوزًا سهلًا، لكن سعيد العويران كان له رأي آخر.

    في الدقيقة الخامسة من الشوط الأول، استلم الكرة من منتصف الملعب، انطلق كالسهم، راوغ واحدًا، واثنين، وثلاثة... حتى واجه المرمى.

    صرخ السعوديون من الرياض إلى جدة إلى الدمام... ذلك لم يكن هدفًا عاديًا، بل لحظة وعيٍ جماعي بأن الحلم أصبح حقيقة. أطلقوا عليه “الهدف المارادوني”، لكنه كان سعودي الملامح، عربي الروح، آسيوي الكبرياء.

    تأهلت السعودية إلى دور الـ16، ووقف العالم احترامًا لها. من الحارس البطل، إلى الدفاع الصلب بقيادة أحمد جميل، إلى القائد فؤاد أنور، حمل الأخضر راية العرب ورفعها عاليًا.

    ثم توقف القطار أمام السويد. ثلاثة أهداف لهدفٍ واحد، ووداعٌ مشرفٌ لأبطالٍ كتبوا أول سطور المجد.

    لم يكن ذلك الوداع نهاية، بل كان بداية حكاية... حكاية وطنٍ رأى في كرةٍ صغيرة حلمًا كبيرًا، وسار خلفه حتى صار واقعًا. وهكذا، من رمال الجزيرة إلى مدرجات أمريكا، وُلد مجدٌ لا يُنسى.

  • Youssef Al Tunian Saudi Arabia 1998Getty Images

    فرنسا 1998.. حين تغيّر الجيل وبقي الأمل

    أربع سنوات مرّت منذ مجد أمريكا...تغيّرت الوجوه، اعتزل بعض الأبطال، وظهر جيل جديد يحمل الحلم نفسه.

    لكن الطريق إلى فرنسا لم يكن طريقًا مفروشًا بالنصر. دخل المنتخب السعودي مونديال 1998 بطموحاتٍ كبيرة، وبآمالٍ لا تقل عن تلك التي حملها في أول ظهورٍ عالمي.

    غير أن الرياح، هذه المرة، لم تجرِ كما اشتهت السفن الخضراء. أمام الدنمارك كانت البداية... محاولات كثيرة، فرصٌ ضائعة، وهدفٌ يتيم في الشباك أنهى الحلم مبكرًا.

    ثم جاءت فرنسا، أصحاب الأرض والجمهور، فكانت الليلة الأقسى... رباعيةٌ قاسية، وصدمةٌ كبرى، أخرجت الأخضر من الحسابات قبل أن يكتمل الدور الأول.

    ومع ذلك، لم يكن في قلوب اللاعبين استسلام. في مباراة الوداع أمام جنوب أفريقيا، حاولوا أن يجعلوا النهاية مختلفة.

    وقّع سامي الجابر على أول أهداف السعودية في المونديال، وأضاف يوسف الثنيان — القائد والرمز —  الثاني، فابتسم الأمل من جديد، لكن القدر كان عنيدًا... ركلة جزاء في الثواني الأخيرة سرقت الفوز، وجعلت النهاية مرةً بطعم التعادل.

    رحل الأخضر بين خسائر وخيبات... لكن وسط كل ذلك، كانت هناك دروس. تعلم اللاعبون أن كأس العالم لا يرحم الخطأ، وأن التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق بين المجد والانكسار.

    وفي كل هزيمةٍ، كانت السعودية تزرع بذرة جديدة... بذرة خبرةٍ، ونضجٍ، وعزمٍ على العودة أقوى.

    في فرنسا تغيّر الجيل...لكن الأمل لم يتغيّر. ظلّ باللون الأخضر... كما كان دائمًا.

  • (From L-R, background) Saudi Arabia's midfielder MAFP

    كوريا واليابان 2002... الألم الكبير

    الآن وصلنا إلى كوريا واليابان... والآن آسيا تحتضن كأس العالم لأول مرة. وكأنها رسالة تقول: القارة التي أنجبت المجد السعودي ستشهد عودته. لكن الواقع كان أقسى مما تخيّل الجميع.

    في الأول من يونيو/ حزيران عام 2002، خاض الأخضر أولى مبارياته أمام ألمانيا... كانت ليلة لا تُنسى، بل لعلّها كانت ليلة يتمنّى الجميع نسيانها.

    أمطارٌ من الكرات تساقطت على المرمى السعودي، كراتٌ عرضيةٌ من كل اتجاه، ووجوهٌ مذهولةٌ لا تصدّق ما يحدث.

    ثمانية أهدافٍ تركت جرحًا عميقًا في ذاكرة كرة القدم السعودية، ووجعًا على وجه محمد الدعيع لا يُمحى بسهولة. كانت تلك المباراة نقطةً سوداء في تاريخٍ أبيض، لكن كما يُقال... كل مرٍّ سيمر.

    أكمل الصقور مشوارهم الجريح، فسقطوا أمام الكاميرون بهدفٍ وحيدٍ لأسدٍ إفريقي اسمه صامويل إيتو، ثم جاءت إيرلندا لتُكمل الحكاية المؤلمة بثلاثيةٍ جديدة.

    ثلاث مباريات... ثلاث هزائم... لا نقاط، لا أهداف، لا فرح. فقط دموع، فقط صمت، فقط خيبة بحجم الطموح.

    لكن... من قلب الألم ووسط الرماد، كانت هناك بذرة جديدة تُزرع، ودرسٌ قاسٍ تعلمه الجميع مفاده أن كرة القدم لا ترحم من لا يستعد، وأن الاسم لا يصنع المجد، بل الروح هي التي تفعل.

    في كوريا سقط الأخضر... نعم. لكنه لم يمت. لأن من يعرف طعم الهزيمة، هو وحده القادر على تذوّق حلاوة العودة.

  • Spanish midfielder Joaquin (behind) viesAFP

    ألمانيا 2006... الأمل الأخير قبل الغياب

    في صيف ألمانيا عام 2006، عاد الأخضر إلى المسرح الكبير... عاد بتشكيلةٍ تمزج بين حكمة الخبرة واندفاع الشباب، يقودها المدرب البرازيلي ماركوس باكيتا، ويتقدّمها النجم الجديد ياسر القحطاني، يحلم الجميع بعودة الأمجاد القديمة، بذكرى سعيد العويران، وبفرحة فؤاد أنور.

    بدأت البطولة بموقعةٍ عربية خالصة، السعودية وتونس في مواجهةٍ لا يعرف فيها الفرح طريقًا لأحد. لقاء الإخوة... لكنه كان لقاء الخسارة المشتركة.

    قبل ست دقائق فقط من النهاية، أعاد سامي الجابر الأمل بلمسةٍ من ذهب، هدفٌ أشعل القلوب وأيقظ الذكريات، فقد ظن الجميع أن الحلم عاد للحياة.

    لكن كرة القدم، صاحبة ذلك السحر القاسي ابتسمت قليلًا... ثم غدرت كعادتها. في الوقت بدل الضائع، جاء الهدف التونسي القاتل، تمامًا كما حدث قبل ثماني سنوات أمام جنوب أفريقيا، ليتكرر المشهد ذاته: فرحة تتحول إلى صدمة، وأمل يذوب في آخر الأنفاس.

    ثم جاءت الجولة الثانية... هزيمة قاسية من أوكرانيا برباعية، أعقبتها خسارةٌ شرفيةٌ أمام إسبانيا بهدفٍ وحيد، وانتهت معها الرحلة.

    لكن وداع 2006 لم يكن كأي وداع... لقد كان آخر ظهورٍ للأخضر في كأس العالم لمدة اثنتي عشرة سنة.

    سنوات من الغياب، من إعادة البناء، سنواتٌ انتظرت فيها الجماهير لحظة العودة، كي تعلو الراية الخضراء من جديد بين رايات الكبار.

    من أمريكا إلى فرنسا، ومن كوريا واليابان إلى ألمانيا، سار قطار الأخضر أربعة مونديالات متتالية، حمل فيها كل التناقضات الممكنة: فرحًا ودموعًا، أملًا وخوفًا، انتصارًا وانكسارًا.

    هكذا هي كرة القدم... تُضحكنا وتبكينا في اللحظة نفسها، وتمنحنا الأمل ولو من بين الرماد.

    في ألمانيا أُسدل الستار على الجزء الأول من الحكاية... لكن القصة لم تنتهِ، فبعد اثنتي عشرة سنة من الصمت، كان القدر يخبّئ فجرًا جديدًا... وبداية فصلٍ آخر من ملحمة الأخضر.

  • Dejected Saudi player Nasser al-ShamraniAFP

    الغياب الأول... وجع البحرين 2010

    بعد أن أطفأت ألمانيا أنوار مونديال 2006، كان الجميع في السعودية يظن أن الطريق إلى جنوب أفريقيا 2010 سيكون استمرارًا طبيعيًا لحكاية الحضور الدائم، لكن كرة القدم، تلك التي لا تفي بوعودها إلا بشروطها، كان لها رأي آخر.

    بدأ الأخضر التصفيات بثقة، يمضي بخطواتٍ ثابتة نحو الحلم الخامس، حتى وجد نفسه وسط صراعٍ ناريٍّ مع أستراليا والبحرين. وفي ليلةٍ من ليالي الرياض، بدت السماء مهيّأة لفرحٍ جديد... فرحٍ يعيد كتابة التاريخ.

    انفجرت المدرجات... الفرحة ملأت القلوب، والصيحات علت في كل بيت. المنتخب السعودي في المونديال للمرة الخامسة تواليًا! هكذا ظنّ الجميع، لكن كرة القدم كانت تُخفي خنجرها خلف ظهرها.

    في ثانيةٍ واحدة فقط، انقلبت الدنيا رأسًا على عقب. الكرة البحرينية تتهادى نحو الشباك... والصمت يسقط على المدرجات كستارٍ ثقيل. الفرحة تحولت إلى دهشة، والدهشة إلى دموع.

    آلاف الوجوه تحدّق في العشب الأخضر بلا حراك، واللاعبون على الأرض لا يصدقون ما جرى. كان ذلك الهدف القاتل أشبه بصفعةٍ على وجه الحلم، كابوسًا لا إفاقة منه.

    لم يكن الأمر مجرد خسارة مباراة، بل خسارة لحظةٍ وطنيةٍ من الفرح. أربعة مشاركاتٍ متتالية توقفت عند تلك الليلة، ليُكتب الغياب الأول في تاريخ المونديال السعودي.

    من تذوّق حلاوة المجد، يصعب عليه أن يعتاد مرارة الفقد، لكن ربما كان لا بد من هذا الغياب... ففي كل وجعٍ، تولد بداية.

    منذ تلك الليلة، دخل الأخضر مرحلة بحثٍ عن الذات، عن المعنى الحقيقي للقميص، عن الروح التي لا تعرف الاستسلام. فالغياب لم يكن نهاية الحكاية... بل بداية فصلٍ جديد، كتب على جدار الذاكرة بمداد الألم، وعنوانه: “وجع البحرين.”

  • FBL-WC-2018-MATCH34-KSA-EGYAFP

    من الظل إلى روسيا

    الجرح لم يلتئم بعد... لكن الوقت لا ينتظر أحدًا. حين جاءت تصفيات كأس العالم 2014، كان الأمل يحاول أن ينهض من تحت الركام. غير أن الرياح — مرةً أخرى — لم تجرِ كما يشتهي العاشقون.

    تغيّر المدربون، وتبدّلت الخطط، وافتقد المنتخب الثبات، حتى وجد الأخضر نفسه خارج السباق مبكرًا، قبل أن يبلغ حتى المرحلة النهائية من التصفيات.

    كأنه أطلق رصاصة الرحمة على نفسه، ليتجنب ألم اللحظات القاتلة التي عاشها أمام البحرين.

    كان الغياب الثاني أشدّ وطأة. الجماهير شعرت وكأنها عادت عشرين عامًا إلى الوراء، حين كان التأهل إلى المونديال حلمًا بعيد المنال، وحين كان مجرد سماع النشيد الوطني السعودي في كأس العالم إنجازًا بحد ذاته.

    كانت تلك مرحلة صمت وتأمل، انسحبت فيها الكرة السعودية قليلًا إلى الظل... لتعيد ترتيب بيتها الداخلي، وتبحث عن روحها المفقودة.

    لكن، خلف الكواليس، كان شيء جديد يُبنى... جيلٌ شاب يشتدّ عوده بهدوء. سالم الدوسري، ياسر الشهراني، عبد الله المعيوف... أسماء لمعت في الأفق كأنها تبشّر بفجرٍ قادم، فجرٍ يليق بتاريخٍ لا يعرف الغياب طويلًا.

    ومع فجر 2018... أشرقت العودة. اثنا عشر عامًا من الغياب كانت كافية لتشعل الحنين، ولتعيد الأخضر إلى المسرح العالمي من جديد، هذه المرة في روسيا.

    المشهد الأول كان قاسيًا... خسارةٌ ثقيلة أمام البلد المضيف بخماسيةٍ موجعة، تلتها هزيمة من أوروجواي، لكن شيئًا في ملامح الأخضر تغيّر... لم يعد ذلك الفريق المستسلم.

    ثم جاءت اللحظة التي لا تُنسى. أمام مصر، في المباراة الختامية، وقف عصام الحضري شامخًا في المرمى، تصدى لركلة جزاء ودخل التاريخ، لكن في الوقت بدل الضائع، كان هناك من يكتب تاريخًا آخر.

    سالم الدوسري يسدد، والكرة تهز الشباك، والجماهير تهتف من جديد... كأنها تقول: عاد الأخضر!

    لم يكن ذلك الفوز مجرد ثلاث نقاط، بل كان عودة الروح، رسالةً للعالم أن الغياب قد انتهى، وأن السعودية لم تعد للحضور فقط، بل لتقول من جديد: نحن هنا... وسنبدأ من حيث توقف الحلم.

    من وجع البحرين إلى فرحة روسيا، تعلّم الأخضر أن كل سقوطٍ لا يعني النهاية... بل بداية فصلٍ جديد من المجد.

  • Argentina v Saudi Arabia: Group C - FIFA World Cup Qatar 2022Getty Images Sport

    الإرث الذي لا يموت

    من هدف سعيد العويران الذي سحر العالم، إلى تسديدة سالم التي أسقطت ميسي ورفاقه في قطر، يبقى الأخضر هو الحكاية التي لا تشيخ.

    حكاية وطنٍ لا يعرف المستحيل، كلما تعثر... نهض، وكلما غاب... عاد أقوى، يحمل معه إرث المجد، وملامح الطموح الذي لا يهدأ.

    لم تكن قصة السعودية في كأس العالم عن الأهداف والنتائج فقط، بل عن الحلم الذي لم يمت منذ 1994، عن جيلٍ كبر على أصوات المعلقين، وعن جماهيرٍ آمنت أن الأخضر خُلق ليحلم، ويحلم كثيرًا.

    واليوم... تتجه الأنظار إلى مونديال 2026، حيث يستعد الأخضر لكتابة فصلٍ جديدٍ من حكايته الخالدة. جيلٌ جديدٌ يحمل الحلم ذاته، ومدربٌ يؤمن أن المجد لا يأتي بالصدفة، بل يُصنع بالعزيمة والإصرار.

    إنه هيرفي رينارد، الثعلب الفرنسي الذي قاد السعودية لإسقاط بطل العالم، ويطمح إلى تكرار عبور الصقور إلى الدور الثاني من كأس العالم.

    لكن هذه المرة... الظروف مختلفة، والأرض ممهدة أكثر من أي وقتٍ مضى.

    فاليوم، لم تعد السعودية وحدها في رحلتها... دوريها أصبح مناراتٍ من النجوم، كريستيانو رونالدو، كريم بنزيما، رياض محرز، وجواو فيليكس وسيموني إنزاجي وخورخي جيسوس وكونسيساو... أسماء صنعت الزخم، ورفعت منسوب الطموح، وجعلت من ملاعب المملكة مختبرًا للمجد القادم.

0