للأسف .. لم يعد يفصلنا عن نهاية كأس العرب سوى 4 مباريات وأسبوع تقريبًا، تلك التجربة المثيرة الغريبة التي عشناها على مدار الأيام الماضية .. مثيرة في أجوائها ومبارياتها وأحداثها، وغريبة في شغفنا بها وتأثيرها الكبير علينا.
النسخة الأخيرة من كأس العرب أقيمت عام 2012، وهذا يعني أن هناك أجيالًا كاملة من الشباب تعيش تجربة كأس العرب للمرة الأولى، ومن حُسن حظهم أن تلك كانت مرتهم الأولى لأنها الأروع والأفضل على جميع الأصعدة.
أبدعت قطر في تنظيم كأس العرب 2021، بداية من حفل الافتتاح المهيب والسلام الوطني العربي المجمع ومرورًا بالفعاليات وتنظيم المباريات ونهاية بالملاعب الساحرة والجودة العالية جدًا في البث التلفزي .. الدولة الخليجية أبهرت العالم أجمع، وأقنعت كل من لديه شكوك حول قدرتها تنظيم كأس العالم بالصمت وابتلاع شكوكه وانتظار أفضل نسخة من المونديال كما كان المسؤولون القطريون يعدون دومًا.
أبدعت الجماهير العربية الحاضرة في المدرجات، سواء من حيث التشجيع أو الهتافات أو الألوان والقمصان، والأهم الالتزام التام والروح الرياضية الرائعة، التي أكدت أننا شعوبًا عربية واحدة يجمعها الكثير ويستحيل أن تُفرقنا كرة قدم.
أقيمت كأس العرب باللاعبين الناشطين في الدوريات العربية، لكن المباريات جاءت قمة في المتعة والإثارة والندية، وشهدت عددًا من الأهداف المذهلة واللقطات الفاتنة .. لم نشعر أبدًا أننا في مباريات ودية حسب تصنيف فيفا، بل كانت تنافسية للغاية وفاقت في جمالها وإثارتها الكثير من مباريات كأس أمم إفريقيا وكأس آسيا وحتى كأس العالم.
اختارت بعض المنتخبات العربية المشاركة بالفرق الرديفة أو الشابة وعلى رأسهم السعودية، وأنا واثق تمامًا أن الندم هو الشعور المؤكد لدى المسؤولين السعوديين على هذا القرار، وهذا نراه في الإعلام والشارع الكروي السعودي بوضوح شديد ... الجميع يُتابع ويتفاعل مع كأس العرب ومبارياتها وأحداثها، والجميع ينتقد القرار الغريب بإرسال بعض المراهقين لتمثيل السعودية ويتمنى لو تواجد المنتخب الأول أو على الأقل الأسماء البديلة في هذا التجمع العربي الرائع.
غاب النجوم الكبار عن كأس العرب لالتزامهم مع أنديتهم الأوروبية، لكني واثق تمامًا أن جميعهم يتمنون التواجد في قطر تلك الأيام، وأن جُلهم سيبذل جهده للتواجد مع منتخب بلاده في النسخة القادمة من كأس العرب.
كأس العرب 2021 تجربة فريدة جميلة ممتعة، جاءت في توقيت مناسب جدًا تعيش به المنطقة العربية أوضاع ومشاعر مختلفة، ما بين الفرحة والتطور هناك وبين التراجع والحُزن هنا، تلك التجربة جاءت لتُقرب بين من هو هنا ومن هو هناك .. الجميع أصبح في "مدرج" واحد يُتابع بشغف وحب، يحتفلون معًا بالفائز والخاسر لأن الشيء الواضح أنه لا يوجد خاسر في كأس العرب.
قطر صممت الكأس التي سيحملها المتوج بكأس العرب بحيث تتضمن خريطة للوطن العربي زينت بحروف كلمة موطني .. ذلك لم يكن أبدًا من باب الصدفة كما يبدو، قطر أرادت أن تكون كأس العرب موطن العرب وقد كانت حقًا خلال الأيام الماضية ومازالت.
لسان حال ملايين العرب الآن لا يُردد سوى كلمات واحدة: نرجوكم .. حافظوا على كأس العرب، حافظوا على هذا الشغف والحب، حافظوا على ذلك التجمع الرائع للعرب.
كأس العرب أثبتت أنها بطولة جديرة بالاستمرار، حتى لو أقيمت مرة كل 3 أو 4 سنوات، لكن من المهم أن تُستغل تلك النسخة لإقرار نظام واضح للبطولة وأن يكون التنظيم دومَا على هذا المستوى الرائع، وأن يحدث النقل التلفزي بتلك الجودة الساحرة، هي تستحق ونحن العرب نستحق، ونحن العرب نستطيع.
