”السماء تتلألأ فيها النجوم، وتبلغ من الصفاء أن المرء يتساءل على الرغم منه حين ينظر إليها.. هل يمكن تحت مثل هذه السماء أن يعيش أناس يملأ قلوبهم البغض، وتعبث بنفوسهم النزوات“.
هكذا وصف الكاتب الروسي العظيم فيودور دوستويفسكي ظاهرة الليالي البيضاء في سماء مدينة سان بطرسبورج الروسية، ويشهد النصف الشمالي من الكرة الأرضية هذه الظاهرة المدهشة في شهر يونيو حيث لا يعد للظلام وجود، تكاد الشمس ألا تغرب تماماً، وتظل السماء مضيئة طوال الليل.
دوستويفسكي ترك للعالم من ضمن إرثه الأدبي الغزير قصة قصيرة تحمل إسم ”الليالي البيضاء“، تُخلد تلك الظاهرة في وجدان الأعمال الإبداعية، ويصعب ذكر المدينة الجميلة دون الإشارة إلى بياض لياليها، وهو ما لاحظه جمهور المونديال الروسي في شهر يونيو الماضي عند زيارتهم لسان بطرسبورج.
ليالي سباليتي المضيئة في روسيا
Gettyبعد أن دوّن إسمه في سجلات المدربين من بوابة إيمبولي في عام ١٩٩٥، انطلق لوتشيانو سباليتي في مسيرته متنقلاً بين مقاعد الإدارة الفنية في إيطاليا، وقاد أودينيزي وسامبدوريا في محطات متقطعة، قبل أن يصل إلى العاصمة روما.
ولايته الأولى في روما وإن شهدت التتويج بلقب الكأس، إلا إن عجزه في الظفر بلقب سكوديتو ظل هاجسه الأول، أقام علاقة وثيقة مع المركز الثاني لم ينجح في الفكاك منها، حتى قرر الرحيل والهجرة صوب الشمال الروسي.
مدرب إيطالي ينتسب إلى مدرسة مرغوبة عالمياً، يتخلى عن تواجده في بلاده، وعندما يقرر الهجرة لم يتجه نحو البريميرليج مثل ما فعل بعض مواطنيه، ليطرح التساؤل حول أسباب تخليه عن دفء الدوريات الأوروبية الكبرى وبداية مغامرة محفوفة بالمخاطر في ملاعب يعضها الجليد بأنيابه.
لم يهدر لوتشيانو الكثير من الوقت، وجاء الجواب سريعاً بإقتناصه أول ألقاب الدوري في تاريخه ومن أول مواسمه الجليدية، بعد أن استهل مشواره ببداية مدوية محققاً ٤٠ نقطة خلال أول ١٦جولة في رقم قياسي بتاريخ الدوري الروسي.
وبعد أن جمع لقبين في بطولة الدوري خلال مواسمه الأربعة، وكان ترتيبه في مواسم الخسارة هو المركز الثاني، غادر سباليتي عاصمة الليالي البيضاء ممنّيا نفسه بلقب سكوديتو الذي استعصى عليه، حتى في حقبة الفراغ الفني في الكالتشيو بعد قضية كالتشوبولي.
متاعب العاصمة
Gettyعندما تولى سباليتي قيادة روما لأول مرة في عام ٢٠٠٥، جاء ذلك بعد تحقيق الرجل طفرة كبيرة بقيادة أودينيزي لإحراز المركز الرابع في الدوري الإيطالي وهو ما جعله المدرب الأفضل في إيطاليا خلال هذا الموسم في حين كان فريق العاصمة يعاني في جحيم المركز الثامن، وعند عودته في الولاية الثانية جاء خلفاً للفرنسي رودي جارسيا بعد سلسلة من النتائج السيئة، لترتفع طموحات جماهير الذئاب مدفوعة بذكريات الأداء المتوازن الذي حققه الرجل في الولاية الأولى، والذي لم ينتقص منه سوى غياب التتويج بلقب الدوري.
ومثلما عكر غياب التتويج صفو ولايته الأولى، لازمه بعد العودة، كما أُضيف إليه الحرب الجماهيرية التي خاضها بسبب خلافه مع ملك روما فرانشيسكو توتي، ليخسر مساحة المحبة في قلوب الرومانيستا المؤمنين بوجود رجل واحد في العاصمة غير مسموح بالمساس به مطلقاً، وهو ما لم يعجب سباليتي ودفعه للسخرية من تدخل الجمهور في اختياراته قائلاً: سنقيم جمعية تعاونية، سنجري تصويتا جماعيا وسيلعب من يحصل على أعلى الأصوات.
رحلة استعادة مجد ميلانو
Getty Imagesفي مدينة ميلانو ترتفع الأصوات في بداية كل موسم لتشق عنان السماء تنادي على تاريخ عريق لم يعد له وجود، سؤال سرمدي عن أوان العودة المنتظرة، ليس إلى منصة التتويج، وإنما إلى مجرد مقارعة الكبار والصغار من أجل مركز أوروبي.
مُلّاك انتر كانت لديهم الإجابة، الإستعانة بخبرات سباليتي بعد موسم ونصف من المتاعب والاشتباكات قضاهم في معكسر روما، ربما سيكون الاختيار الجيد لإعادة الفريق إلى الواجهة المفقودة.
وبالفعل، بعد موسم شابه التأرجح نجح سباليتي في إنقاذ الفريق من على حافة الفشل، وقلب النتيجة في وجه لاتسيو فريق العاصمة الآخر، ليقتنص بطاقة التأهل إلى دوري الأبطال في لحظات الموسم الأخيرة.
هذا التأهل بعث الأمل في نفوس عشاق النيراتزوري وإدارتهم، ووضع سباليتي في مركز الواثق ليُملي شروطه في الميركاتو، ولم تُخيّب الإدارة آماله حتى خرج بنفسه قبل البداية الموسم ليُثني على أدائها في سوق الإنتقالات.
بطل تحرير سكوديتو الوهمي
Gettyنشاط انتر في سوق الإنتقالات قبل بداية الموسم وتعزيز صفوفه بلاعبين من شأنهم جبر كسر تشكيلته دفع الصحافة الإيطالية إلى وصفه بأنه المنافس الأبرز ليوفنتوس على عرش الكالتشو، وربما سيكون البطل الذي طال انتظاره ليحرر سكوديتو من قبضة السيدة العجوز المُحكمة، مبالغات الإعلام في وصف قوة انتر جاءت مستحبة لجماهير الدوري الإيطالي، وآمن بها جماهير جوزيبي مياتزا لتماماً.
ولكن جاءت رياح البداية بما لا تشتهي سفينة النيراتزوري، الفريق جمع نقطة واحدة من أصل ٦ نقاط بعد سقوطه أمام ساسولو بهدف نظيف في الإفتتاح، وتعادله أمام تورينو بعد أن خسر تقدمه بهدفين نظيفين في الشوط الأول، ليدفع الأداء الصحافة هذه المرة لتتسائل عن أصول المشكلة، وإن كان الوقت هو الدواء من أجل الإنسجام أم أن المعضلة تكمن في عقلية سباليتي.
تغييرات سباليتي في مباراة تورينو تحديدا طرحت علامات الإستفهام، وكيف لرجل يبحث عن الإنجاز أن يقف ومتفرجاً وفريقه يخسر تقدمه وينهار مردوده تماماً في أقل من ٢٠ دقيقة، حتى أنه احتفظ بتبديل أخير أجراه في الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع!.
وبعد المباراة واصل الرجل هوايته المفضلة بمهاجمة الإعلام، متهماً إياه بوضع الضغط على فريقه بترشيحه للمنافسة هذا الموسم، ولكنه حاول بعث بعض الأمل بحديثه عن موسم جني الثمار الذي لم يأتِ أوانه بعد.
الرجل الذي أدمن الحروب الخاسرة وجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، وفي توقيت مبكر للغاية، وربما ستحدد اختياراته لمعاركه المقبلة مصير البقاء على مقعده، المناوشات المستمرة مع الإعلام والتعامل الفظ مع بعض اللاعبين قد يكون الخيار الأسوأ في حالته هذه.
ضغوط متتالية من المتوقع أن يتعرض لها سباليتي في الأيام المقبلة، خاصة بعد نفاذ صبر الجماهير سريعاً وبعد مرور جولتين فقط من عمر الموسم، حيث رفعت جماهير سان سيرو لافتات مطالبة الفريق بتقديم أداء يتناسب مع ما وفرته الإدارة في الميركاتو، كما أطلقت صافرات الإستهجان بعد نهاية المباراة بالتعادل المر.




