حسنًا، لنروي القصة كما ينبغي لنا أن نرويها يجب أن نبدأ من تلك الهزيمة بستة أهداف لهدف أمام ستوك سيتي في الرابع والعشرين من مايو في عام 2015 عندما وصل ليفربول للقاع.
الشيء الوحيد المتبقي في الذاكرة من ذلك اليوم المؤلم ليس ذكرى خوض ستيفين جيرارد لآخر مباراة له بقميص ليفربول من أصل 710 مواجهة، ولا حتى ذكرى تلقي خمسة أهداف في غضون 23 دقيقة من أول نصف ساعة في اللقاء بشباك الحارس المشوش سيمون مينيوليه.
ليست حتى قائمة الفريق التي جعلت ليفربول يبدأ المواجهة بوجود إيمري تشان في مركز الظهير الأيمن والثنائي آدم لالانا وفيليبي كوتينيو في المقدمة، ولا حتى ذكرى أن النادي لم يجد سوى جوردان آبي صاحب الـ 19 عامًا ليتحدث لوسائل الإعلام الخاصة به بعد تلك المواجهة والذي كان قد شارك في المباراة بين الشوطين والنتيجة تشير لتأخر ليفربول بخماسية نظيفة.
كيتا: كلوب هو أفضل صديق للاعبين ودائم الدفاع عنهم
الذكرى الوحيدة المتبقية من ذلك اليوم هو كم الغضب الذي بقى في عقول جمهور ليفربول، وصورة تلك الجماهير وهي تنتظر المدير الفني بجوار الممر لتوبخه هو واللاعبين، والعديد منهم الذي غادر ملعب المباراة بين الشوطين، والمؤلم أكثر هؤلاء الذين أجبروا أنفسهم على الانتظار لنهاية المباراة والاستماع لصافرة الحكم.
"جريمة تستحق الإقالة" كان هو عنوان صحيفة "ليفربول إيكو" المحلية ضد المدرب بريندان رودجرز الذي كان قبل عام واحد فقط أن يأتي بالدوري لنفس الفريق للمرة الأولى على الإطلاق.
بطريقة ما لا يعلمها إلا الله وإدارة نادي ليفربول نجى رودجرز من الإقالة في ذلك اليوم، لكن أثر ما حدث ضد ستوك سيتي كان بداية النهاية له في ليفربول، وربما كانت الهزيمة في ملعب بريطانيا ستاديوم بداية الطريق المجد الذي وصل له ليفربول حاليًا.
إقالة متأخرة
Getty Imagesمساء الخميس الثامن من أكتوبر بعام 2015 تلقى بريندان رودجرز استدعاء في مكتب إيان آير الرئيس التنفيذي للنادي آنذاك، وكان المدرب على علم بما ينتظره في مقر ميلوود بعدما كان قد تعادل في نفس اليوم أمام إيفرتون في الدوري الإنجليزي واستقر في المركز العاشر واكتفى بفوز وحيد منذ بداية الموسم.
أصدر ليفربول البيان الرسمي برحيل رودجرز وأعلنوا أن النادي سيعلن خلال ساعات عن المدير الفني الجديد الجاري البحث عنه، في حين أن إدارة الريدز كانت قد استقرت على اسم المدرب الجديد بالفعل.
قبل ثلاثة أيام فقط من تلك الإقالة كان يورجن كلوب في مكاتب شركة شيرمان وسترلينج للمحاماة في مدينة نيويورك يجتمع مع ممثلي شركة فينواي سبورتس المالكة لليفربول.
كان ممثلي الشركة قد حضروا ملف كامل من 60 صفحة عن يورجن كلوب عرفوا من خلاله كل شيء عن المدرب الألماني وبعدها بـ 24 ساعة فقط توصل الطرفين لاتفاق في اجتماع آخر عقد بفندق بلازا في الشارع الخامس.
وبينما كان المحامي الخاص بكلوب يناقش بنود التعاقد مع شركة المحاماة الخاصة بليفربول ترك كلوب الاجتماع وتوجه نحو الحديقة المركزية لمدينة نيويورك "سنترال بارك" وأخذ يسير وحده يفكر في الأيام المقبلة والتحدي الذي ينتظره في ملاعب مخترعي كرة القدم.
PROSHOTSبخطوط عريضة وكبيرة بما فيه الكفاية ليراها الجميع كتب كلوب كلمة "مريع" على جدران غرفة الصحافة في ميلوود فتساءل نجوم ليفربول ما الذي يقصده ذلك المدرب؟ هل ينتقد تراث نادينا أم هو فقط غير سعيد بما شاهد من مستويات يقدمها الفريق في الأسابيع الأخيرة؟أوضح كلوب قصده بعد ذلك أن تلك الكلمة يريد أن يشعر بها كل منافس بعد أن ينهي مباراته في ملعب أنفيلد، كلوب أراد أن يستنزف الخصوم بدنيًا وعقليًا وأن يجعلهم غير قادرين على مواجهة عدوانية نجوم فريقه وطاقتهم وعملهم الجماعي، كما أراد أن يجعل من أنفيلد الملعب الأكثر خشية بين كل الملاعب.
"عندما جئت لهنا لم يكن هناك من يحب هذا الفريق، لم يكن هذا حتى يستحق أن يطلق عليه فريق، لقد كانت تلك هي الحقيقة، لقد شعروا أنهم لا يمتلكون ما يكفي ليتواجدوا في ليفربول أن الجميع دفع ذلك الشعور نحوهم"، هكذا كانت كلمات كلوب لجول.كوم في العام الماضي.
في مقابلته الصحفية الأولى عقب توليه للقيادة كان حديثه الأساسي حول تحويل أصحاب الشكوك لمؤمنين، وركز كلامه حول رغبته في عودة الجماهير لاستثمار مشاعرهم من جديد في ذلك الفريق.
وبشكل خاص للغاية أعاد كلوب ذلك الحديث على لاعبي فريقه لاعب لاعب، وأخبرهم أن أي نقد يأتي من أي شخص غيره لا يجب أن يهتموا له.
بسبب محمد صلاح .. أصبحت لا أخجل من تشجيع ليفربول
"لقد تحدث كثيرًا عن ثقة الفريق في نفسه وعدم الخوف من أي منافس، وطلب مننا أن نعمل بكل ما لدينا من قوة وأن ذلك هو كل ما يريده"، هكذا كانت ذكرى آدم لالانا عن أول أسابيع كلوب في صفوف ليفربول.
واحد من أهم وأول الأشياء التي فعلها كلوب في ليفربول هو جمعه لكل الموظفين الذين لديهم تعامل مع فريق كرة القدم من المطبخ لمحللي الأداء لغيرهم، وجاء بالفريق وسأل النجوم: "هل تعرفون أسمائهم؟ تعلموها لأنهم هنا من أجل مساعدتكم على تقديم أفضل ما لديكم، الجميع هنا مسؤول عن شيء ما".
وداخل الملعب التطور كان متذبذبًا فبعد الفوز على تشيلسي ومانشستر سيتي خسر الفريق في ملعبه من كريستال بالاس في الدقيقة الـ 82 من عمر اللقاء فشاهد كلوب الجماهير تغادر المدرجات وملئته الحسرة، وخرج بعدها وقال: "شعرت أنني وحدي في تلك اللحظة، نحن من نقرر متى تنتهي المباراة".
بعد ذلك بشهر تعادل ليفربول أمام وست بروميتش في ملعبه فخرج المدرب لقلب الملعب وأخذ لاعبيه وذهبوا لتحية الجماهير التي واجهت بعضها المدرب الألماني بسخرية، فأي تحية تلك التي يقدمها لنا وهو في المركز التاسع وأداء الفريق في ذلك اليوم كان في غاية السوء، لكن الأهم بالنسبة لكلوب في ذلك اليوم لم يكن الأداء أو النتيجة أو ترتيب الفريق في الجدول، بينما كان استمرار الجماهير حتى آخر لحظة.
طوبة بطوبة
Getty Imagesعندما وصل كلوب لليفربول توقع الجميع أن يقوم الألماني بتعديل الكثير في تشكيلة ليفربول وفي المؤتمر الصحفي الأول له سألوه عن الصفقات الجديدة وكان رده: "أنا مؤمن بالتدريبات، في بعض الأحيان أشعر أنني الوحيد الذي أقوم بذلك في حين الجميع يؤمن بالصفقات".
كلوب أبقى على كلمته خلال أول سوق انتقالات فضم لاعب واحد فقط من صفوف كوينز بارك رينجرز كان ستيفن كولكر ليحل أزمة دفاعية طارئة، بالرغم من أن صفقات جويل ماتيب وماركو جروجيتش كانت قد حُسمت من أجل الصيف.
استعاد الألماني كذلك عدد من اللاعبين الشباب المعارين ومنح سبعة منهم فرصة الظهور مع الفريق الأول خلال أول أشهر له، وأشرك 14 لاعبًا تحت سن الـ 22 أو أصغر.
ليفربول أنهى الموسم الأول ليورجن كلوب في المركز الثامن بجدول ترتيب الدوري الإنجليزي وخسر نهائي كأس الرابطة والدوري الأوروبي، وكانت خسارة البطولة الأخيرة هي الأسوأ حيث كان يخطط كلوب للوصول لدوري أبطال أوروبا في الموسم التالي عن طريقها.
جاء كلوب بماتيب ليضيف بعض الجودة لدفاع ليفربول بشكل مجاني من شالكه، وضم ساديو ماني من ساوثامبتون مقابل 34 مليون يورو (30 مليون استرليني) ليمنح فريقه السرعة والخطورة في الهجوم، كما ضم جورجينيو فينالدوم من صفوف نيوكاسل مقابل 28 مليون يورو (25 مليون استرليني) وأصبح الهولندي سريعًا أساسيًا في خطة المدرب الألماني.
أراد المدير الفني الأسبق لبوروسيا دورتموند أن يضم ماريو جوتزه لصفوف فريقه لكن بعد مكالمة طويلة مع الدولي الألماني رأى كلوب أن اللاعب لن يكون الخيار الأفضل لمشروعه في ظل عدم قناعة الأخير بالفكرة، وقال كلوب وقتها: "الأمر يتعلق بالرغبة في دفع القطار، ليس القفز في قطار يجري بسرعة بالفعل".
على جانب آخر كان كلوب يبني علاقة مميزة مع كل شخص داخل جدران ليفربول على عكس من سبقه في منصب المدير الفني بريندان رودجرز.
Getty"واحد من أهم مزايا يورجن كلوب هي قدرته ورغبته الدائمة في أن يثق بكل من حوله، سواء كان ذلك من الطاقم الطبي أو الإحصائي أو إخصائي التغذية أو فريق التوظيف، هو شخص يؤمن بفكرة الخبرة"، كانت تلك كلمات أحد العاملين في ملعب أنفيلد والذي لم يكشف عن اسمه.
وأضاف: "كلوب سيقوم بمنحهم الدافع اللازم لو وجد أهمية لذلك، لكن تعامله الطبيعي يميل لترك حرية التصرف لهم لأنه يعلم أن كل شخص متواجد في مكانه لأنه لديه الخبرة فيه ويحب أن يستمع للجميع".
على سبيل المثال في 2017 وباعتراف يورجن كلوب نفسه ضعط مايكل إدواردز المدير الرياضي في ذلك الوقت من أجل التوقيع مع محمد صلاح من صفوف روما في حين كان كلوب يفضل جوليان براندت من باير ليفركوزن فقال له إدواردز: "هو يسجل الأهداف ثق في"، وقال كلوب لاحقًا: "كلماته عن صلاح لا تفارق مسامعي حتى الآن"، ليسجل صلاح 91 هدفًا في 144 مباراة لصالح ليفربول حتى الآن.
كلوب لم يحصل دائمًا على الخيارات الأولى بالنسبة له في سوق الانتقالات ففشل في ضم ماريو جوتزه وبين تشيويل وكريستيان بوليسيتش وجوليان دراكسلر وأليكس تيكشيرا وغيرهم، لكنه دائمًا ما يجد غايته بالتنسيق مع إدواردز.
صلاح وميسي وحكيمي .. نجوم تفننوا في إهانة الخصوم هذا الموسم
وقال كلوب عن علاقته بإدواردز: "كل شيء يسير على ما يرام والعلاقة مذهلة وقسمه كاملًا يقوم بعمل رائع"، ذلك التناغم نجح أن يبدأ طوبه بطوبة في بناء شكل لفريق ليفربول الذي نراه الآن.
في العام الأول جاء ماتيب وماني وفينالدوم، وفي الصيف التالي جاء ماني وروبرتسون وتشامبرلين وتم بيع العديد من الأسماء بمقابل مادي ساعد على ضم البدلاء في عدة مراكز، لكن بالرغم من كل ذلك كان النادي ينقصه بعض الأمور، فكان عليه أن يبيع فيليبي كوتينيو برقم قياسي ويستخدم تلك الأموال في أهم صفقتين له في التاريخ الحديث.
بالرغم من الأزمة التي صنعها طلب كوتينيو الرحيل لصفوف برشلونة في 2017 نجح ليفربول في التعامل مع الموقف بشكل رائع حيث أبقى على اللاعب لخمسة أشهر إضافية وحصل على مقابل مادي مذهل ليضم الفريق أولًا المدافع الهولندي فيرجيل فان دايك من ساوثامبتون مقابل 85 مليون يورو (75 مليون استرليني).
وفي الصيف التالي وضع كلوب اللمسة الأخيرة على فريقه بثلاث صفقات حيث جاء بفابينيو ونابي كيتا، وبالصفقة الأهم أليسون بيكر.
المدرب الألماني اعتذر عن خسارة نهائي دوري أبطال أوروبا وقال: "قمت بأفضل ما لدي لكنه لم يكن كافيًا، لكن الموسم المقبل سنحاول من جديد".
"عمالقة على المستوى الذهني"
(C)Getty imagesطريقة لعب ليفربول لا تعرف الهوادة منذ الخسارة في كييف لعب الريدز 67 مباراة في الدوري وخسر لقاءين فقط، وحققوا الفوز في 57 مواجهة وحققوا 182 نقطة من آخر 204 متاحة.
لم يؤجل تتويج الريدز بالدوري سوى جائحة كورونا التي يشهدها العالم في الوقت الحالي حيث يتربع الفريق على قمة ترتيب الدوري الإنجليزي بفارق 25 نقطة عن مانشستر سيتي.
"عمالقة على المستوى الذهني" كان ذلك هو وصف المدرب الألماني يورجن كلوب لفريقه بعد المستويات الرائعة التي يقدمها مؤخرًا، في ظل وجود الرغبة المستمرة بالفوز والإصرار والوحدة والقدرة البدنية والتكتيكية، بالإضافة لصعوبة اللعب أمامهم، الفريق أصبح يملك كل شيء أراده كلوب عندما دخل من باب أنفيلد في 2015.
الجودة تتواجد في كل أرجاء ليفربول بداية من صلاح الذي قدم موسمين ناجحين في الدوري الإنجليزي وحقق لقب الهداف مرتين مرورًا فان دايك الذي فاز بجائزة أفضل لاعب في العام، وهناك الثلاثي جوردان هندرسون وساديو ماني وترينت ألكسندر أرنولد الذين كانوا يملكون فرصة حقيقية في التنافس على لقب الأفضل لهذا العام لو لم يقاطع فيروس كورونا الموسم.
الأمر الأكثر روعة من كل ذلك أن نجاح ليفربول لا يمكن أن ننسبه لشخص واحد، فالجميع ساهم في ذلك، يمكننا أن نرى هذا جليًا في قائمة المرشحين للكرة الذهبية الأخيرة التي ظهرت في شهر أكتوبر الماضي حيث شهدت تواجد سبعة من نجوم الريدز من أصل 30 مرشح.
شاكيري: رونالدو قدوتي، قلدت تسريحته وبكيت بسببه
كلوب قال في أغسطس الماضي: "أنا أحب الصورة التي نرسمها من أجل العالم، لدينا مجموعة مثيرة للضجة بقلب كبير للغاية متلاحمين سويًا بجنون والجميع يجر الفريق للطريق الصحيح".
لم تمر خمس سنوات بعد على قدوم كلوب لكن فكروا في كل الذكريات التي مرت والانتصارات الكبيرة واللحظات البطولية، كلحظة لوفرين ضد دورتموند وماني وأوريجي ضد إيفرتون وتلك الانتصارات على مانشستر سيتي وروما، وصاروخية تشامبرلين وكرة أرنولد الركنية ضد برشلونة، ومأساة صلاح ضد ريال مدريد.
فكروا في تطور كل هؤلاء النجوم مثل روبرتسون وهندرسون وفينالدوم وبوبي فيرمينو والمعايير التي لا يتهاون فيها جيمس ميلنر ونمو جو جوميز وقدوم الجيل الصاعد مثل كرتيس جونز وهيرفي إليوت.
خارج الملعب أيضًا الصعود يستمر سواء بمقر التدريبات الجديد الذي سيتم افتتاحه قريبًا ومدرج الأنفيلد الجديد، والإيرادات المرتفعة والاتفاق الجديد على القمصان مع نايكي الذي سيأخذ الفريق لمراحل جديدة على المستوى التجاري.
كل هذا بجانب ضمان بقاء الشخصية الأهم لفترة طويلة، فكلوب وقع بالفعل حتى 2024 وقال: "لا يمكنني أن أتصور الرحيل عن هنا".
كيف يمكنه أن يتصور ذلك؟ هو في نادي يمر بأفضل لحظاته بالفعل وهو بنفسه قادهم لتلك المرحلة من الشك للإيمان للإنجازات.
ذلك المدرب الذي يدعى يورجن نوربرت كلوب ليس سيئًا في النهاية ويقوم بعمل جيد نوعًا ما، أليس كذلك؟


