ديربي شمال لندن كما اعتدنا منذ ظهوره، عبارة عن مواجهة بين جارين لدودين لا يطيق أحدهما الآخر مهما كانت الظروف والمسميات، ولكن الديربي الآن يحمل تحديات من نوع آخر.
التحدي الحالي يشهد مبارزة أنطونيو كونتي ومدرسته التي يغلب عليها الطابع الدفاعي والبراجماتية، بمعنى أنك لست بحاجة لتؤدي حتى تفوز، في مواجهة مدرسة آرسنال وميكيل أرتيتا وهي الانتصار بأفضل صورة ممكنة والسعي نحو المثالية.
براجماتية كونتي 1 وسعي آرسنال نحو المثالية 3، كانت هذه نتيجة الديربي الذي شهد تفوق الفريق الذي فعل ما يلزم من أجل الفوز، على نظيره الذي دخل المباراة بشكل باهت واعتمد فقط على أخطاء المنافس.
هدف وحيد كلاسيكي من هاري كين مقابل ثلاثية أحرزها جابرييل جيسوس، توماس بارتي وجرانيت جاكا، ليواصل آرسنال انطلاقته المميزة، وسط العديد من التساؤلات والتفاصيل خلف هذه النتيجة.
واقعية مزيفة




Getty Imagesلو لم يرتكب هوجو لوريس الخطأ الكارثي الذي قام به في الشوط الثاني، ومرت المباراة بالتعادل الإيجابي 1/1 مثلما كانت النتيجة وقتها، أو سجل توتنهام مرة أخرى من مرتدة لكين أو سون هيونج مين، كنا سنرى الجميع يشيد بـ"واقعية" كونتي.
وكنا سنشاهد أبيات من الشعر لمدح ذكاء الإيطالي في "ترك الكرة" "عمدًا" لآرسنال، وكأنه كان يملك رفاهية الحصول عليها واكتساح الخصم لكنه رفض، وذلك لتنفيذ خطته العبقرية بضرب الخصم في المرتدات واستغلال سرعات عناصر توتنهام.
صحيح أن كونتي اعتمد على المرتدات ونجح في التسجيل منها، لكنه دفع ثمن عدم شجاعته بالشكل الكافي لمبادلة الفريق الخصم في الهجوم ومحاولة الضغط ولو لبعض الفترات القصيرة بدلًا من التراجع الكامل في انتظار الأخطاء.
ما فعله كونتي لم يكن واقعية، بل هي مجازفة وضعف ابتكار وإبداع، لذلك التفوق كان لآرسنال الذي اجتهد مدربه في إيجاد كل الطرق المتاحة من أجل الوصول إلى مرمى هوجو لوريس.
تسديدة بعيدة من توماس بارتي وسط حراسة مشددة من لاعبي توتنهام الذي وصل عددهم إلى 9 أحيانًا داخل منطقة جزائهم خلال هجمات آرسنال، لتكون الطريقة الأولى للتسجيل، ثم هدف آخر من جابرييل جيسوس من متابعة، وتسديدة أخرى قريبة المدى من جاكا.
تنوع وسيطرة وعرض دسم وتناقل سريع للكرة فشل كونتي في التعامل معه وعجز عن إنقاذ فريقه الذي لعب مباراته الأسوأ هذا الموسم، لتفوز الكرة الجميلة على حساب السعي وراء الفوز القبيح.
سطور لمدح جرانيت جاكا
Gettyلاعب الوسط السويسري كان من أسوأ العناصر وأهم نقاط ضعف آرسنال منذ قدومه للفريق وحتى وقت قريب، قبل أن يشهد مستواه نقطة تحول ملحوظة هذا الموسم تحت قيادة أرتيتا.
رغم تسببه في الهدف الأول، إلا أنه تمكن باقتدار من مساعدة توماس بارتي على إرهاق توتنهام تمامًا والاستحواذ على الكرة وقتل معظم الهجمات الخطيرة والمرتدات.
المركز الجديد الذي يلعب به جاكا بمكان متقدم في الملعب بأدوار هجومية أكبر، جعله يتخلص تمامًا من المهام الثقيلة في مركز الوسط المدافع الذي تكفل به بارتي.
مستوى اليوم لم يكن صدفة من جاكا، ولكنه استمرارًا لكل ما قدمه أمام كريستال بالاس، فولهام، بورنموث وأستون فيلا وليستر سيتي، بتسجيله هدفين وصناعة 3 ليتحول إلى عنصر رئيسي بالفريق بعدما كان من أوائل المطلوب رحيلهم عن النادي.
سطور أخرى عن ساليبا
Gettyآفة بعض جماهير آرسنال والفرق الإنجليزية عمومًا على مدار السنوات الماضية، هي تضخيم اللاعبين، لاعب واعد يطلقون عليه لقب نجم، وآخر جيد يعاملونه مثل الأساطير وعظماء اللعبة.
حالة ارتباط وعشق لوضع اسم كل لاعب ومن بعده "هنري الجديد"، "فييرا الجديد" وحتى دينيس بيركامب لم ينجو من هؤلاء، والآن نرى ويليام ساليبا يتم معاملته نفس المعاملة.
ربما تكون المرة الأولى من سنوات طويلة، التي تأتي فيها اللحظة ليكون لهم الحق بوضع اسم ساليبا ومن بعده أي لاعب آخر، فيرجيل فان دايك الجديد، أو حتى خليفة ريو فيرديناند مثلما أطلق عليه جاري نيفيل.
في عمر 21 سنة فقط يلعب الفرنسي بدرجة نضج غير مسبوقة لمدافع في سنه، حالة من الثبات وعدم الرهبة أمام أي لاعب حتى ولو كان هاري كين أو سون هيونج مين.
الفرنسي جاء وسط تساؤلات حول لعبه بشكل أساسي، ليجبر أرتيتا على جعله ثابتًا وغير قابل للمس والبقية يمكن تبديلهم، وعلى رأسهم زميله البرازيلي جابرييل الذي يجب أن يتعلم منه في التعامل مع المواقف المختلفة وعدم الارتباك في أي لحظة مفاجئة أو غير متوقعة.
ساليبا أصبح نموذجًا لكل من حوله وتفوق على كل مدافعي الفريق، بل أصبح من أهم اللاعبين بمركزه في أوروبا بوقت سريع جدًا، لتصدق كل التوقعات التي ظهرت في سانت إتيان خلال بداياته بأنه "كيليان مبابي المدافعين بفرنسا".
من الأقرب للفوز بالبطولات؟
Gettyلو قمنا بتكوين نظرة شاملة عن أحوال آرسنال وتوتنهام بعد 9 جولات من الدوري الإنجليزي، سنجد في الحقيقة أن المدفعجية هم الأقرب، لكن ينقصهم المزيد من الجودة بالفريق.
جابرييل جيسوس مهاجم رائع، لكنه لا يمتلك الحس التهديفي الفطري الذي يجعله يسجل من أنصاف الفرص، بل هو يفعل كل شيء ويهدر الكثير من الكرات السهلة للتسجيل، وكذلك جابرييل مارتينيلي وبوكايو ساكا لا يزال أمامهما الكثير للتطور.
مارتين أوديجارد علامة استفهام أخرى، ونفس الأمر للمدافع البرازيلي جابرييل، ولكن بغض النظر عن كل هذه التحفظات، يظل العمل الجماعي هو كلمة السر التي يمكنها إصلاح أي أخطاء أو سد أي ثغرات لتحقيق الهدف المبدئي وهو التأهل لدوري أبطال أوروبا وربما الفوز بالدوري الأوروبي، لأن الفريق ليس جاهزًا لمنافسة مانشستر سيتي على الدوري الإنجليزي حتى الآن.
شخصية مختلفة لآرسنال هذا الموسم، الفريق كان ينهار عندما لا يسير السيناريو كما خطط له أرتيتا، ولكنه الآن أصبح يتعامل مع متغيرات أي مباراة، يعود بعد التعادل ويتقدم ويقتل المباراة، أشياء لم نراها الموسم الماضي.
وأما توتنهام فلا يمكنه الوصول بعيدًا بالفريق الحالي بسبب العقلية التي يسير بها كونتي، هجوم مميز من هاري كين وسون هيونج مين وريتشارليسون وديان كولوشيفسكي ولكنه لا يوجد الإبداع الكافي بخط الوسط لمساعدتهم وأسلوب واحد لا يتم تغييره إلا نادرًا، كما أن خط الدفاع في حالة متهالكة.
طريقة كونتي منحته انتصارات وتعادلات مع مانشستر سيتي وليفربول وتشيلسي وغيرهم، ولكنها لا تستطيع النجاح بشكل مستمر لتقود الفريق لتحقيق بطولة أو أهداف أكبر.
الفريق الحالي يمكنه التأهل لدوري الأبطال مرة أخرى، ولكن لو نظرنا إلى آخر النفق لا يمكننا مشاهدة كونتي يرفع لقب الدوري الإنجليزي، بل سنراه جالسًا في مؤتمر صحفي يعترض على إدارة توتنهام بسبب التعاقدات وقلة الإمكانيات ويطلب الرحيل مثلما حدث معه في إنتر وتشيلسي.
مظاهر الديربي التي لا تتغير
Getty Imagesرغم قوة ديربي شمال لندن واعتباره أحد أقوى المباريات في الدوري الإنجليزي منذ سنوات طويلة، إلا أن هناك بعض المشاهد المتوقعة التي نراها باستمرار.
سيطرة من آرسنال على ملعبه والتسجيل أولًا، ثم منح توتنهام هدية من لا شيء، من استفاد من الهدية؟ نعم هو هاري كين الذي سجل 14 هدفًا في شباك المدفعجية منهم 8 من ركلات جزاء!
دعونا نتحدث أيضًا عن السذاجة الدفاعية التي نراها في آرسنال كثيرًا وبالتحديد في أي ديربي أو مباراة من العيار الثقيل، والأبطال معروفين دائمًا وعلى رأسهم جرانيت جاكا حتى ولو كان في أفضل مستوياته وقام بالتسجيل.
السويسري منح الهدف الأول لتوتنهام بالمشاركة مع جابرييل وتوماس بارتي، حيث خسر الكرة كالعادة في منطقة خطيرة، قبل أن تعود الأمور لنصابها وتصل الكرة له داخل منطقة الجزاء ليفقدها مرة أخرى ويقوم زميله جابرييل بعرقلة ريتشارليسون.
هدايا معتادة من الفريق اللندني لجاره ولمعظم فرق الدوري للتسجيل وهم في أسوأ حالاتهم، كما أصبح مشهد هاري كين وهو يحتفل بالتسجيل في آرسنال من أهم علامات الحقبة التي نعيشها في الديربي.
وبالحديث عن الأخطاء لا يجب أن ننسى إيمرسون رويال وطرده الساذج الذي قتل حظوظ توتنهام في العودة، وكذلك هوجو لوريس الذي قام بتوريط زميله كريستيان روميرو بالهدف الثاني لآرسنال، في لقطة متكررة للحارس الذي ربما نراه يحرس عرين فرنسا في كأس العالم.
