الكل يهرب من البرازيل
بعد رحيل تيتي عن منتخب السيليساو عقب الخروج من ربع النهائي أمام كرواتيا وخسارة أخرى ضد منتخب أوروبي في نسخة وصلت إلى الغريم التقليدي الأرجنتين، أصبحت الأمور في حالة فوضى.
تيتي لن يستمر، ويبدو أنّ هذه خطته قبل البطولة سواء كانت ابتسمت للبرازيل أو حدث ما حدث في الواقع، لكن يبدو أن الجميع في بلاد راقصي السامبا لم يكونوا على استعداد لذلك.
رحل تيتي عن البرازيل ليتم فتح الباب لمدرب جديد، واتجه الاتحاد للتفكير في أسماء مثل بيب جوارديولا ثم زين الدين زيدان وأخيرًا جوزيه مورينيو، وحتى لحظة كتابة هذه السطور رفض الجميع الموافقة على عرض السيليساو.
لماذا يرفض الجميع تدريب البرازيل؟ هل هناك أسباب تدفع للخوف من قيادة المنتخب الأكثر تتويجًا بكأس العالم؟
من هو منتخب البرازيل؟
كرة القدم مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ المجتمع البرازيلي، فخسارة كأس العالم في 1950 غيّر الكثير في البلد، وأصبح بمثابة يوم عام للحزن والاستياء، وبداية انطلاقة جديدة لمنتخب يمتلك صفات مميزة لا يمتلكها غيره.
الكرة البرازيلية تختلف عن نظيرتها، فهي الكرة المؤمنة بأنّ الشوارع تصنع لاعبين أمتع وأجمل من الأكاديميات، وأنّ المهارات والمراوغات والرقصات داخل الميدان تمثل اللون الأعظم للعبة جميلة.
لا مجال للبرجماتية، الهدف هو الاستمتاع أولًا ثم حصد الألقاب، ونحن هنا لا نتحدث عن متعة مرتبطة بأسلوب لعب محدد مثلما فعلت برشلونة مع بيب جوارديولا، ولكن متعة لعب الشوارع!
Gettyهذه الفلسفة أتت أكلها في كأس العالم، وحصد البرازيل البطولة مرتين على التوالي ثم خسر واحدة وعاد ليفوز بالثالثة ليصبح المنتخب الوحيد في التاريخ الذي يحقق المونديال 3 مرات في أربع نسخ.
ومع كل نسخة مبهرة للبرازيل نجد أنّ هذه الفلسفة موجودة، فريق من مواهب فردية بديعة ترقص داخل الميدان وتحقق الانتصارات وتستمتع بالإنجازات.
ولذلك كان هناك أساطير من نوعية رونالدو وروماريو ورونالدينيو وغيرهم، من هؤلاء الذي أمتعوا العالم بلمساتهم الفنية الفردية المتفردة، وسحرهم الذي لا يحمل صفة أكاديمية ولكن صفة كرة الشوارع المحببة إلى النفس.
وحتى الجيل الحالي أظهر مثل هذه الصفات، فهناك نيمار وفينيسيوس ورافينيا وأنتوني وغيرهم من اللاعبين الذين ينثرون السحر في الميدان ويبدعون على مستوى المهارات الفردية.
كل هذا شكّل هوية البرازيل، تلك الهوية التي يبدو أنّ الاتحاد المحلي لا يفهمها ويبدو متخبطًا في رحلة البحث عن المدرب الجديد.
الكل يقول لا
من البديهي أن يرفض جوارديولا ومورينيو تدريب البرازيل، فالأول يفضل دون شك تدريب الأندية، حيث قدرته على التحكم في التفاصيل وفرض فلسفته أسهل مع كثرة التدريبات وضغط المباريات.
من الصعب أصلًا أن يتجه جوارديولا لتدريب أي منتخب عقب الرحيل عن مانشستر سيتي، وإن فكّر في ذلك، فربما يكون الوجهة المقبلة هي منتخب إسبانيا؛ فاللاروخا يمتلك من العناصر الفردية ما يجعل مهمته أسهل نوعًا ما.
أمّا مورينيو، فهو نقيض البرازيل، فنحن نتحدث عن مدرب براجماتي لا يهتم بالأداء بقدر النتيجة، وربما يفكر في قيادة المنتخبات بعد انتهاء مشروعه مع روما، لكن من الصعب أن يتجه لنادٍ لا يفضل شعبه التموقع الدفاعي واللعب على التحولات.
من الطبيعي أن يتردد مورينيو في قبول عرض كذلك، خاصة وأنّ مشروعه مع روما يسير بصورة جيدة.
ورغم أنّ زيدان هو الشخص الأنسب بين الثلاثي، إلا أنّه رفض. أنسب لأنّه ذكي في التعامل مع العناصر الفردية، ولا يمتلك أسلوب لعب محدد بل يمنح الحرية للأفراد للانفجار والابتكار.
لكن يبدو أنّ زيزو لا يزال يمتلك طموحات مع الأندية، أو ربما يرغب في قيادة فرنسا في يوم من الأيام، الأهم أنّ رفضه يدل فقط على وجود مشروعات غير منتهية في ذهنه.
الكل يرفض البرازيل، والاتحاد يجب عليه البحث عن مدرب يفهم العقلية البرازيلية ويتحدث اللغة البرتغالية ويعرف جيدًا قيمة هوية بلاد السيليساو التي اعتبرت الرقص جزءً لا يتجزأ من الإبداع الفني!
