Zinedine Zidane & Pemain/Pelatih Pemenang Liga ChampionsGetty Images

وجهة نظر | زيدان .. الرجل الذي حول "المقعد الساخن" إلى وظيفة اعتيادية !


بقلم | محمد العمصي | تويتر


لا ندعي أن جوزيه مورينيو لم يعد مدرباً كبيراً بعد مغادرته لريال مدريد صيف عام 2013 بعد مسيرة امتدت لثلاثة مواسم كاملة مع الفريق الملكي حقق فيها ما حقق من إنجازات قد لا تكون هائلة على مستوى البطولات بقدر ما هي هامة وكبيرة على المستوى النفسي بوضع ريال مدريد على الطريق الصحيح مجدداً وكسر العقدة النفسية في بيئة النادي تجاه علو كعب الغريم الأزلي برشلونة في تلك السنوات.

 نؤكد على كلمة "ثلاثة مواسم كاملة" بين ظفرين، ففي فريق مر عليه تسع وعشرون مدرباً في السنوات الثلاثين الأخيرة بمعدل مدرب واحد لكل موسم تقريباً، لم يعادل رقم مورينيو بالاستمرار في هذه الوظيفة الساخنة سوى الهولندي القدير ليو بينهاكر في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، ولم يتفوق عليه سوى المايسترو فيسينتي ديل بوسكي لثلاثة مواسم ونصف انتهت صيف 2003! إنها الوظيفة التي عرفت بـ "مقصلة المدربين" أو بكلمات أخرى "أسخن مقعد تدريبي في العالم" !!

ولكن هل مازال جوزيه مورينيو ذات "السبيشال وان" الذي ملأ الدنيا صيتاً وضجيجاً؟ لا نعتقد ذلك، بل نعتقد أنه فقد الكثير من بريقه وربما قدراته النفسية والذهنية قبل التكتيكية، تماماً كما نعتقد أن شيئاً ما يخسره كل من يمر على هذا المقعد الساخن، شيء يتغير ويكسر، فريال مدريد هو نقطة وصول، ولم يكن أبداً نقطة انطلاق لأي مدرب أي كان.

Jose Mourinho Manchester UnitedGetty

في نادي القرن لا يكفي أن تكون اسماً تدريبياً لامعاً، ولن تشفع لك مسيرة نجومية كلاعب سابق، أو أن تكون صاحب شخصية فولاذية، ولا حتى تحقيق البطولات وتقديم كرة جميلة. لا يتسع المقام لذكر جميع المدربين الذين مروا على ريال مدريد في السنوات الأخيرة والذين تمتعوا ببعض هذه المميزات أو بها كلها، فمن الجنرال الحديدي فابيو كابيلو صاحب البطولات المستحيلة، إلى مانويل بيليجريني وكارلو أنشيلوتي أصحاب الكرة الجميلة والشخصية الدبلوماسية الهادئة، وديل بوسكي الذي لامس الكمال تقريباً، إلى مورينيو شاغل الدنيا والناس، ينتهي المطاف بالجميع نهاية واحدة، وغالباً ما تكون نهاية بشعة. كثيرون غيرهم لم يصمدوا سوى لأشهر معدودة أو لموسم واحد في أفضل الأحوال، ومنهم أسماء كبيرة كالألماني يوب هاينكس والهولندي جوس هيدينك والبرازيلي فانديرلي لوكسمبورجو، ولكل منهم قصة مختلفة في طريق خروجهم من الباب الخلفي.

في يناير 2016 لم يكن هناك جديد في مدريد، مدرب آخر يقال، وفي منتصف الموسم، تم إعفاء رافاييل بينيتيز من مهامه بعد بداية كارثية لموسم آخر من الآمال والطموحات الكبيرة المعتادة في ريال مدريد. لم يتردد فلورنتينو بيريز في تعيين زين الدين زيدان خليفة لبينيتيز رغم أنه لم يسبق له أن خاض تجربة تدريبية على مستوى الفريق الأول، الحقيقة أن بيريز كان قد اتخذ قراره بتعيين زيدان مدرب ريال مدريد كاستيا قبل إقالة بينيتيز بأسابيع. حتى كتابة هذه الكلمات وبعد ليلة من قيادته ريال مدريد للفوز على برشلونة في ذهاب كأس السوبر بنتيجة 3-1 في الكامب نو، لا يزال زيدان يثير جدل الجماهير والنقاد حول نجاحه المبهر في مسيرته القصيرة حتى الآن في ريال مدريد، بل الجدل حول تميزه حتى كمدرب.

حبر كثير أسيل ونظريات أكثر أثيرت حول هذا النجاح، البعض ادعى أن الحظ كان حليفه على طول الطريق، والبعض الآخر نسب الفضل إلى ترسانة ريال مدريد المتكاملة من اللاعبين المتمزين في جميع الخطوط، ويؤمن الكثيرون بتميز الفرنسي كمدرب تماماً كما كان ذلك اللاعب الأسطوري الذي يعرفه الجميع. تمضي الأيام لتميل الكفة كثيراً لصالح النظرية الأخيرة والتي باتت حقيقة واضحة للعيان، من الذي لا يمكنه رؤية ما يصنعه زيدان من دكة الميرينجي؟

ربما لن نضيف جديداً في محاولتنا استقراء هذه التجربة الناجحة بل والفريدة لمدرب ريال مدريد الحالي، فقد اعتدنا أن نرى شهور العسل بين مدربي ريال مدريد المتعاقبين وبين جمهور النادي العريض تنتهي فجلاً وبصلاً بسرعة البرق!
هي تجربة فريدة فعلاً حيث وأنه للمرة الأولى منذ زمن بعيد نرى فيها مدرب ريال مدريد على توافق تام مع جميع عناصر الضغط المدريدية التي تحيل حتى أكثر أيامه نجاحاً إلى أرق وجحيم إلى أن تدفع به إلى مقصلة مبكرة، أو متأخرة إن طال صموده! يكمن السر الحقيقي لنجاح زيدان إلى أنه جير بنجاح باهر عناصر الضغط المدريدية المعروفة: جمهور لا يرحم متعطش للبطولات والكرة الجميلة، صحافة نارية ناقدة ومتغلغلة في البيت المدريدي، نجوم لهم نفوذهم، إدارة مزاجية لا يؤمن جانبها، جيرها جميعاً إلى قوة دافعة أضافت الكثيرة لبيئة عرف عنها عدم الاستقرار رغم توافر جميع الموارد لتحقيق نجاح مستدام.2017-06-20-zidane-perez(C)Getty Images

بشخصية سحرية كاريزمية لم يحتج زيدان لمحاولة كسب قبول الجمهور والإعلام المدريدي، فهو أسطورة عالمية وأسطورة سابقة للفريق، وبفطرته القيادية التي لطالما امتلكها في يوفنتوس وريال مدريد والمنتخب الفرنسي كلاعب، قام باستلهامها كمدرب لتوحيد جميع نجوم الفريق في غرف الملابس وعلى رأسهم أفضل لاعبي العالم كريستيانو رونالدو، وهل هناك من سيطغى بسحره على سحر وحضور ونجومية زيزو؟ ولا ننسى أن هذه العلاقة الطيبة باللاعبين كانت قد نشأت سابقاً عندما كان زيدان مساعداً لأنشيلوتي في موسميه مدرباً لريال مدريد.

لم يكن التميز على المستوى التكتيكي والتقني سمة بارزة في نصف الموسم الأول لزيدان مع ريال مدريد، واتفق جميع النقاد تقريباً على أن على الرجل أن يثبت ما قدمه في الموسم التالي. يستحق زيدان الكثير والكثير من الثناء على التنبه لأخطائه وإصلاحها، طبق نظرية التجربة والخطأ كثيراً في الموسم الماضي من دون أن يسمح للشك أن يتسرب لتلك البيئة الهشة، ولا لأي فوضى أن تعم غرف الملابس، إلى أن وصل بريال مدريد في الأسابيع العشرة الأخيرة من الموسم الماضي إلى نوع من الكمال التكتيكي والتناغم بين جميع الخطوط، بل أبدع في استخراج قدرات لاعبي الاحتياط لديه وجعلهم أسلحة فتاكة حتى صار لديه فريقان متوازيان نجحا بانتزاع لقبي اللاليجا ودوري الأبطال بكل جدارة واستحقاق.

سنوات الخبرة والكرة التكتيكية والواقعية في إيطاليا ساعدته في ترميم دفاع ريال مدريد وجعل الفريق أكثر عدوانية وجماعية في العمل الدفاعي، بينما طبيعة مركزه كصانع ألعاب هجومي مبدع أكملت الشق الآخر في توازن توليفة 4-3-3 التي استقر عليها بخط وسط حديدي وخلاق في آن واحد، وثلاثي هجومي فتاك تتغير الأسماء فيه ولا تقل كفاءته! رأى نفسه في المهمش إيسكو فمنحه الفرصة تدريجياً، والتوجيه المناسب حتى أضحى رقماً صعباً في تشكيلة الفريق، ومنح شبان الفريق الموهوبين كأسينسيو ولوكاس فازكيس فرصاً لم يمنحها مدرب قبله للاعبين شبان، ليثبتوا كفاءتهم وقدرتهم على انتزاع أماكنهم بكل جدارة في تشكيلة الفريق ويلعبوا أدوار البطولة غير مكتفين بدور كومبارس الدقائق المعدودة التي تنتهي ببدء ضياع المسيرة في الإعارات المتعددة، وكم من الشبان الموهوبين أضاعهم ريال مدريد في العقدين الأخيرين لغياب هذا النوع من الثقة والتمكين! 

 يتزامن هذا كله مع تغير ملحوظ في أسلوب تسيير النادي تحديداً على مستوى سوق الانتقالات بقيادة فلورنتينو بيريز والذي يبدو أنه تعلم أخيراً من الكثير من التجارب السيئة وبات أكثر نضجاً في معالجته للبيع والشراء على حد سواء، لم يعد ريال مدريد ذلك النادي الذي ينفق أمواله بتهور على صفقات غير مدروسة جيداً، أو الذي يتخلى عن نجومه بسعر بخس! وجود زيدان على رأس الإدارة الفنية يضيف إلى هذا التناغم الإداري الشيء الكثير بالثقة المطلقة التي منحها له بيريز، والمتابع لسوق ريال مدريد الحالي والأسماء التي يرصدها الفريق يعي أن أيام الفوضى قد ولت، وأن عهداً جديداً من النجاح المستدام قد حل في مدريد، ويبدو أنه سيستمر لمدة ليست بالقصيرة!

نراهن أن زين الدين زيدان لا يفقد دقيقة نوم واحدة في الليل بسبب المنصب الذي يشغله، بل ينام قرير العين ويتجه إلى عمله كل يوم مطمئناً وسعيداً، فهو الرجل الذي حول أسخن مقعد تدريبي في العالم إلى وظيفة اعتيادية!

علامات الموسم الجديد مبشرة للغاية للفرنسي وفريقه الإسباني، وتبقى الكثير من الأسئلة المثيرة: كم سيستمر شهر العسل بين زيزو والميرينجي؟ وإلى أي مدى سيذهب زيزو بنجاحاته الحالية؟ وهل ستستمر تجربته بتفردها الحالي؟ وكم سيصمد على هذا المقعد الساخن؟ الأكيد أن أحداث القصة ستكون مثيرة جداً، والأيام بيننا.
إعلان
0