Buffon Oliver Real Madrid Juventus Champions LeagueGetty Images

ماسيميليانو أليجري.. حامل مشعل الرجعية وأمل المتزمّتين


محمود طه     فيسبوك تويتر


تُعرف الرجعية بأنها البقاء على القديم في الأَفكار والعادات، دون مسايرة التطوّر، والتمسك بالأسس والأساليب العتيقة، ومعارضة كل ماهو حديث.

والرجعية لا تسير وحدها أبداً، فعلى نفس الطريق يرافقها التَزَمُّت، وهو التشدد في الرأي والتسمك به وعدم العدول عنه، وعندما يوصف الشخص بأنه ”رجعي متزمت“ فهذا يعني أن الحديد قابل للإلتواء وإعادة التشكيل تحت تأثير درجات حرارة معينة، أما هذا الشخص فلن تتغير أفكاره ومعتقداته تحت أي ظرف.

ولكن وصف أفكار شخص ما بالرجعية مسألة نسبية، تعود للواصف ولا تعبر بالضرورة عن حقيقة الموصوف، وما يراه البعض رجعية قد يكون في واقع الحال قمة الحكمة واستقراء المستقبل.


الرجعية المستديرة


يوفيSocial Media

عندما وضع المدرب الايطالي نيريو روكو حجر الأساس لطريقته الدفاعية الشهيرة التي عُرفت بإسم "الكاتيناتشو" كان هدفه في المقام الأول تأمين مناطقه الدفاعية والإنتقال بحذر شديد من الدفاع إلى الهجوم عن طريق لمسات سريعة خاطفة يقوم بها أقل عدد ممكن من اللاعبين، مع بقاء السواد الأعظم من تشكيلة الفريق أمام منطقة الجزاء.

طريقة رائعة تعتمد على نظرية "أفضل الطرق للهجوم هو الدفاع“، ونجح روكو في تقديم نتائج خرافية بها، ويكفي أنه قاد ميلان إلى لقب دوري أبطال أوروبا ناهيك عن انجازاته مع الأندية الصغيرة في الدوري الايطالي مثل تيريستينا وبادوفا ووصوله إلى مراكز متقدمة في جدول الترتيب.

ومع تقدم الزمن شاخت الطريقة، وأعمل فيها وحش التطور أنيابه، وتدخل فريق من المسعفين الإيطاليين لإنقاذها من الهلاك، ونجحوا في خلق نسخة معدلة منها تواكب التطور في عالم التكتيك الكروي.

فرقة الإنقاذ هذه أتمت المهمة بنجاح كبير، وحقق رجالها عديد الإنجازات وحصدوا الألقاب، حتى ندرت المواهب، وغابت المهارة والسرعة، وتضاءلت الحيلة، وأصبحت نسخة الكاتيناتشو المتوافرة في الأسواق نسخة مقلدة ومشوهة أساءت إلى المنتج الأصلي وزعزعت ثقة المستهلكين في خط الإنتاج الدفاعي بالكامل، حتى صارت الرجعية هي المرادف الوحيد لتلك الطريقة في معاجم اللعبة ودستور المتابعين.

ربما لم يعد لهذه الطريقة أي وجود في كرة القدم الحديثة، واعتقد الجميع بإنقراضها واستسلام العالم لفيضان كرة الإستحواذ وسباق الألف تمريرة في الدقيقة، لكن في الأعوام الأخيرة عادت طريقة روكو لتطفو على السطح العالمي، وحاول بعض المارقين المتمردين على مدرسة التمريرات المتتالية استنساخها، وكان الفشل في الإقناع حليفهم جميعاً، والحقيقة أن فشلهم لم يكن بسبب عقم الطريقة، ولكن غياب الإبداع قادهم إلى محاولة تطبيق أسلوب روكو متجاهلين حجم التنقيح والتعديل عليها، والذي أنفقه أساتذة التدريب الإيطالي على مدار عقود متتالية.

وفي المونديال الأخير، بات واضحاً للجميع صعود أسهم التأمين الدفاعي والوصول إلى المرمى بأقصر الطرق آمام مفهوم ”كرة الاستحواذ والتمرير“، وربح أنصار روكو الجدد في النهاية.


عصر التخبط الوسطي


Massimiliano Allegri Juventus coachGetty Images

عندما تشاهد نسخة مقلدة من منتج منقرض، عادة ما تحاول العودة إلى أصل النشأة من أجل معرفة الإمتداد الطبيعي لصاحب الإمتياز في صناعته الأولى، ويلح عليك التساؤل: أين ورثة هذا المبتكر؟.

وفي حقبة ما، بدأت في عام ٢٠٠٧، لم يوجد أي وريث قادر على إعادة هيبة المنتج، وصُدِمَ الباحث في واقع المدرسة الإيطالية بالنتائج التي توصل إليها.

أحوال ورثة روكو لا تسر؛ فقد بدأ أنشيلوتي مسيرة التخبط، وعلى رغم تتويجاته المتنوعة في مختلف الملاعب الأوروبية، ربما لا يستسيغ البعض أن يُشار اليه كوريث شرعي لمملكة الكاتيناتشو، ولكنه كان أفضل حالا من جميع رفاقه.

أما مارتشيللو ليبي صانع آخر الأمجاد الإيطالية الدولية، فقد تآكل فكره تماما تحت عوامل التعرية الزمنية، وارتمى بين أحضان التنين ليمارس التقاعد المُقنّع بهدوء.

وبالإشارة إلى فابيو كابيللو، فقد فشل مشروعه الإنجليزي، ثم تم اختياره لبناء روسيا القوية، وكان الإخفاق حليفه مرة أخرى ولم يستطع الصمود في موقعه حتى يشاهد نتاج عمله في مونديال ٢٠١٨.

وبدأ الجيل الإيطالي الجديد في الظهور، بزغ نجم أليجري في ميلان، وانطلق سهم كونتي بسرعة قياسية وأعاد هيبة يوفنتوس المحلية، ونجح دي ماتيو في مهمة مؤقتة لم تتكرر، وسار مانشيني على خطى أنشيلوتي وسلك طريق التصدير، كما صنع رانييري معجزة تحدث مرة واحدة في العمر التدريبي، في حين تمرد ساري كليًا على التقاليد ورسم لنفسه طريقاً مغايراً للجميع بحثاً عن المتعة حتى ولو عاندته النتائج.

وفي مسار آخر قضى برانديللي على كل ما تبقى من آثار فكر روكو حتى أجهز على كل آمال النجاة، وظهرت أسماء لم تنجح في صناعة أي ذكرى تبقى في الأذهان ولو لفترة مؤقتة، مثل مونتيلا وفيليبو إنزاجي وستراماتشوني.


معضلة البرهان الأوروبي


Buffon Oliver Real Madrid Juventus Champions LeagueGetty Images

من أجل إثبات نجاح مدرسة ما، لابد وأن يتخطى أساتذتها حاجز المحلية، وتحقيق الإنجاز القاري والريادة الدولية.

وبالنظر إلى جميع الأوراق المبعثرة على طاولة المدرسة الإيطالية تبرز ورقة أليجري، الرجل الوحيد الذي يمتلك عناصر تحقيق الإنجاز في الوقت الحالي على صعيد الأندية.

سمات الرجل الشخصية تؤهله في المقام الأول لإعادة الهيبة المفقودة لبلاد كانت جنة لكرة القدم يوما ما، ثورة جماهير يوفنتوس لحظة الإعلان عن خلافته لكونتي على رأس الإدارة الفنية في تورينو رغم فشله في أيامه الأخيرة مع ميلان لم تزعزع ثقته بقدراته، وفي أول مواسمه نجح في التأهل إلى نهائي دوري الأبطال الذي لم يقترب منه يوفنتوس على مدار ١٢ عاما.

تطوره الفكري وقدرته على المرونة في مواجهة أعتى الخصوم في أوروبا، إضافة إلى ممارسته للعبته المفضلة في الدوري والكأس، والتتويجات المتكررة، عوامل ضاعفت من ثقله وزادت من ثقة المتابعين به في كل موسم بتغير العناصر والمنافسين.

ولكن هل تمسك أليجري حقاً بتقاليد مدرسة روكو؟ الواقع الفعلي يقول لا، إجمالا لا ينزع إلى التأمين المبالغ فيه إلا تحت ظروف مشددة، وعادة ما يحمل التحفظ الشديد ذكريات سيئة للرجل، فجميع الإخفاقات الأوروبية التي تعرض لها منذ قدومه إلى تورينو كان سببها الأساسي هو الخوف والرغبة في الحفاظ على سلامة الشباك وغياب المحاولات الهجومية الجادة، وعندما يستفيق ويأخذ زمام المبادرة الهجومية والإندفاع البدني تأتي النتيجة إيجابية.

آثر السلامة أمام برشلونة في نهائي دوري الأبطال ٢٠١٥، فتلقى العقاب وخسر، انتهج نفس الطريقة أمام بايرن ميونخ في مواجهة ٢٠١٦ فتأخر بهدفين في شوط واحد حتى عاد إلى رشده وكشر عن أنيابه في الشوط الثاني وأدرك التعادل، وفي العودة تم تبادل الأدوار على مدار أشواط المباراة، فربح هجوماً وسقط عندما حاول الإنكماش.

وبمراجعة تقلبه بين الإنكماش والخوف والجرأة في موسمي ٢٠١٧ و٢٠١٨ أوروبياً، يتبين أن السقطة عادة ما تأتي بمجرد ظهور الخوف والتردد وترك الكرة للخصم ليلهو بها.

واقع الحال والنتائج والاستمرارية، جميعها عوامل تؤكد نبوغ أليجري وتفوقه على جميع أقرانه في الجيل الإيطالي الحالي، ولكن يظل التتويج الأوروبي هو الخط الفاصل بينه وبين الصف الأول، تصنيف وإن كان ظالماً نوعياً لما حققه الرجل، لكن تكرار المحاولة والإخفاق لا يوازي تحقيق الإنجاز بأي حال.

عودة الكرة الإيطالية تتطلب عوامل كثيرة لا يمكن إلقاء مسؤولية تحقيقها على عاتق أليجري وحده، ولكن يبقى هو الأقرب لإتخاذ خطوة التتويج الأوروبي الغائب ودفع عجلة الإنجازات الإيطالية للدوران مرة أخرى بعد أن تعطلت تحت تأثير أجيال إدارية غاب عنها التخطيط، وأسماء فنية تجردت من الإبداع. 

إعلان
0