في عالم موازي .. سون هو صلاح الكوري والأفضل بالعالم

Son Getty/PressBox

في عالمنا الحالي هناك بعض الأشياء التي قد لا تبدو منطقية، البعض يحصل على أكبر من حجمه والآخر لا يحصل على ربع ما يستحقه من إشادة وإنجازات.

كلمة "لو" إذا وضعناها في العديد من السيناريوهات في كرة القدم لتغيرت خريطتها بشكل كامل، وربما كانت ستنصف العديد من النجوم والأسماء المظلومة، أو تخسف الأرض بكل من يحصل على أكثر من حقه.

هذه الكلمة لو وضعناها بمشوار الكوري الجنوبي سون هيونج مين، لتغيرت مسيرته وانقلبت الأمور رأسًا على عقب، وتحول من مجرد أسطورة في توتنهام فقط إلى أحد أهم أساطير اللعبة.

من الواضح للجميع أن سون هو الأفضل بتاريخ آسيا كسر القاعدة لجميع أبناء قارته، بالتواجد ضمن عمالقة اللعب وأفضلهم، ولكن الأمور كان يمكن أن تصل لما هو أبعد من ذلك.

ولذلك دعونا نخرج من عالمنا هذا ونذهب إلى العالم الموازي والسيناريو المثالي لنجم توتنهام..

صلاح الكوري

손흥민 살라 salah son heung mingetty

هناك بعض التشابهات بين صلاح وسون فيما يخص البداية الصعبة والشعبية الهائلة التي يتمتع كل منهما في كوريا الجنوبية ومصر، حيث يعتقد البعض أن أي منهما لو كان بجنسية أوروبية لتحسنت أوضاعه خاصة بالجوائز الفردية.

ولكن مشكلة سون هنا ليست في جنسيته، لأنه بطل شعبي في بلاده مثل صلاح ويحظى بمكانة تتخطى مجرد وظيفته كلاعب كرة قدم، بل الاختلاف هو أن الكوري يلعب في توتنهام والمصري يُمثل ليفربول.

كلاهما حصل على لقب الهداف بالدوري الإنجليزي الموسم الماضي بعد تسجيل كل منهما 23 هدفًا، ولكن الضجة كلها ذهبت نحو صلاح ولم ينتبه أحد سوى جماهير توتنهام لما حققه سون.

صلاح مثل سون عندما يتعلق الأمر بالكرة الذهبية لعدم لعبهما في ريال مدريد وبرشلونة، ولكن النجم المصري يحصل على الكثير من الإشادة ويمتلك مكانة مميزة بسبب لعبه لليفربول.

سون الذي كانت مسيرته على وشك الانهيار بالذهاب لقضاء الخدمة العسكرية في بلاده لولا حصوله على الميدالية الذهبية مع كوريا بدورة الألعاب الآسيوية في 2019، يعتبر حالة خاصة وفريدة تختلف عن العديد من اللاعبين وبداياتهم في ممارسة اللعبة، حيث كان والده الذي كان لاعبًا كرة قدم قبل اعتزاله يحرص على تحفيزه من خلال ألعاب الكمبيوتر.

تسجيل الأهداف بالنسبة لسون كان يعني شراء والده أفضل الألعاب الممكنة، لذلك استمد قوته من هذا الحافز، وبسبب حبه لهذه الألعاب أصبح هز الشباك من أهم العلامات المميزة لمسيرته كلاعب.

رحل إلى ألمانيا عندما كان عمره 16 سنة متجهًا إلى نادي هامبورج، المكان الذي تعرض فيه للكثير من العنصرية، لكنه تحملها وتحداها حتى بعد رحيل والده إلى العاصمة الكورية سيول بعدما شاهد ابنه يلعب بالدوري الألماني للمرة الأولى.

سون تحدى الوحدة وتطور كثيرًا من مجرد فتى خجول نحيف لا يمثل أي خطر على المنافسين، إلى خصم مرعب وسريع وقوي وتهديد قوي وفعال على المرمى.

تطور بشكل تدريجي مع هامبورج حيث ظهر في 14 مباراة فقط في موسم 2010/2011 وسجل 3 أهداف، وسجل 5 من أصل 29 مباراة في الموسم التالي، وشارك في 34 مباراة وسجل 12 وصنع هدفين في الموسم الثالث.

الظاهرة التي ضلت الطريق

Son Heung-Min & NeymarLucas Figueiredo/ CBF

السيناريو الطبيعي لأي لاعب متألق في الدوري الألماني هو الانتقال إلى بايرن ميونخ وبدرجة أقل بوروسيا دورتموند أو ليفركوزن، وسون اختار الطريق الثالث الأصعب ولم ينتظر قدوم بايرن لخطفه مثلما يفعل بكل موهبة بارزة في البوندسليجا.

بعد تألقه مع هامبورج ارتبط بالانضمام لبايرن ميونخ وكذلك مانشستر يونايتد، النادي الذي تواجد به مواطنه بارك جي سونج، لكنه انتقل إلى ليفركوزن مقابل 8.7 مليون جنيه استرليني.

الكوري الجنوبي كان يفعل كل شيء ممكن في كرة القدم من تسجيل الأهداف وصناعتها، ليتم تشبيهه بالظاهرة رونالدو ويتوقع الجميع في ألمانيا بأن يصبح أحد أفضل اللاعبين في العالم، وهو ما نراه الآن ولكن بصورة أقل بكثير من التي يستحقها.

شارك في 43 مباراة في موسمه الأول مع ليفركوزن وسجل 12 هدفًا وصنع 7، وانفجر في الموسم التالي بتسجيل 17 هدفًا وصناعة 4 ليكون على موعد مع خطوة جديدة في مسيرته.

son QuotesGetty/PressBox

جون لي الصحفي الكوري أحد أوائل من تابعوا مسيرة سون في بدايتها قال في تصريحات سابقة:"شعبيته ارتفعت بعد مغادرته ليفركوزن، في هذه الفترة كان من الطبيعي أن نشاهد العديد من الكوريين يسافرون من سيول إلى ألمانيا من أجل مشاهدته فقط".

وأضاف:"كان جيدًا لدرجة أن ريال مدريد وبرشلونة حاولا التعاقد معه، ولكن والده كان العنصر الحاسم في مسيرته وكان هو من يقرر خطوته القادمة وأراد له أن يلعب في الدوري الإنجليزي".

وتابع:"ربما الأمر يبدو غريبًا للبعض ولكنها ثقافتنا في كوريا الجنوبية، بأن نترك آبائنا يتخذون القرارات الحاسمة الخاصة بحياتنا".

ربما يكون هذا المشهد الوحيد الذي تعرض فيه سون للظلم بسبب جنسيته، وربما لو لم يكن ملتزمًا بثقافة شعبه بترك والده يتخذ هذا القرار الحاسم بمستقبله لكان ذهب إلى ريال مدريد وبرشلونة وحصل على ما يستحقه.

سيناريو بديل

Son Heung-min(C)Getty Images

والد سون أضاع الفرصة على ابنه لتمثيل ريال وبرشلونة، وفضل انتقاله إلى توتنهام مقابل 30 مليون يورو في أغسطس 2015، ربما لم تكن الخطوة الأفضل ولكنها أثرت بشكل إيجابي على مسيرته.

المدرب ماوريسيو بوتشيتينو حاول ضمه عندما كان في ساوثامبتون، ولكنه تمكن من العمل معه أخيرًا بعد انتقاله لتوتنهام ليساهم في تطويره وصقل موهبته بشكل أكبر.

ربما كانت وجهة نظر والده هي الصبر على سون حتى ينتقل إلى مستوى ريال مدريد وبرشلونة، خاصة في ظل سيطرة ليونيل ميسي ولويس سواريز ونيمار على الأجواء في سانتياجو برنابيو، واكتساح كريستيانو رونالدو للأضواء.

ولكن دعونا نتخيل أن سون استخدم توتنهام كمحطة مؤقتة بمسيرته عندما كان عمره 23 سنة، وقرر الانتقال بعدها لأي من العملاقين خاصة في 2017 عندما رحل نيمار عن برشلونة.

الكوري يمتلك كل المقومات الكافية للنجاح بأي فريق في العالم .. استمرارية وثبات في المستوى، سرعة، دقة وقوة تسديدة بالقدمين ومهارة فردية في المراوغات وقدرة على إنهاء الهجمات بتسجيل الأهداف وصناعتها.

سون لديه مهارة مشابهة لما يفعله ميسي وإصرار وقوة تقترب من رونالدو والانضباط الذي افتقده نيمار من أجل التفوق على الثنائي.

وبغض النظر عن المهارة فهو من الناحية الرقمية من أكثر اللاعبين استمرارية على مدار آخر 7 مواسم من خلال ما يقدمه مع توتنهام.

Son StatsGetty/PressBox

انضمامه لبرشلونة في 2017 خلال فترة انهيار الـMSN ولعبه بجوار ميسي كان سيفيده أكثر من الاكتفاء بالكفاح مع فريق محدود الإمكانيات.

برشلونة جلب عثمان ديمبيلي وفيليب كوتينيو وغيرهما لتعويض نيمار، بينما كان سون هو الأنسب لو راهن النادي الكتالوني عليه ولم يفضل الأسماء الأكثر سطوعًا بتلك الفترة.

سون ليس محظوظًا كذلك لأن توتنهام اشتهر على مدار السنوات الماضية بحفاظه على أفضل لاعبيه بأقصى صورة ممكنة رغم كل عوامل الإغراء الفنية والرياضية، لذلك يبدو أن كل الأبواب مغلقة أمامه للتتويج بالألقاب الفردية والجماعية الممكنة.

رفض التغيير

Son Heung-min 2015Matthew Ashton/Getty Images

سجل سون 20 هدفًا في موسم 2018/2019 مع توتنهام، وظهر بدور البطل في العديد من الأوقات الحاسمة للفريق الإنجليزي وقاد الفريق للتأهل لنهائي دوري أبطال أوروبا بجوار شريكه هاري كين.

سون خسر هذا النهائي بثنائية نظيفة ورغم موسمه المميز إلا أنه لم يتواجد ضمن الترشيحات للكرة الذهبية، لتكون أمامه كل العلامات اللازمة التي تؤكد له أنه يسلك الطريق الخطأ وعليه التغيير.

صاحب الـ30 سنة ظهر بالفعل في حفل الكرة الذهبية في 2019، ليس من أجل تسلم الجائزة ولكن بعد تسجيله هدف العام "المارادوني" في شباك بيرنلي.

في العالم الموازي كان سيرفض سون فرصة التجديد لتوتنهام في يوليو 2021 عندما كان عمره 29 سنة ليخوض تجربة مختلفة في أي مكان آخر وكانت الأندية ستتهافت عليه، ولكنه مع والده قررا أن النادي اللندني ليس مجرد محطة بل نقطة النهاية والعلامة الأهم بمسيرته المنقوصة.

طبيعة سون وشخصيته تؤحي بأنه شخص هادىء الطباع لا يقبل على المجازفة بالشكل المطلوب، لذلك وافق على البقاء في توتنهام حتى 2024 ليستكمل رحلته بعيدًا عن الأضواء، طمحًا في حدوث معجزة مع المدرب أنطونيو كونتي.

لو قرر اللاعب الرحيل عن توتنهام وجعل الأمر واضحًا للجميع، ستكون مهمة خروجه من سبيرز أسهل في حالة دفع المبلغ المناسب، وستحقق الأحلام التي رسمناها له في العالم الموازي، ليكون اللاعب الأفضل في العالم في حقبة بدأ يبهت فيها بريق ميسي ورونالدو في انتظار نجوم عدد لاعتلاء عرش اللعبة، ولكنه قرر البقاء في لندن وعدم خوض التحدي.

وبعد خروجنا من هذا العالم الموازي نعود للواقع المرير الذي يفرض حقيقة أن سون لن يحصل لما هو أبعد مما قدمه مع توتنهام وضاعت عليه كل الفرص الممكنة لتغيير مسار حياته.