في عالم كرة القدم الحديثة، لم يعد ما يدور في الغرف المغلقة مجرد تفاصيل هامشية، بل هو المحرك الأساسي لما نراه على العشب الأخضر.
ولعل التسريبات الأخيرة التي فجرتها صحيفة "إل كونفيدينسيال" الإسبانية جاءت لتزيح الستار عن واحدة من أغرب قصص الغرام والانتقام السياسي في تاريخ الليجا.
القصة التي تؤكد أن العداء التاريخي بين ريال مدريد وبرشلونة قد يتوقف مؤقتاً إذا كانت هناك مصلحة عليا، ولكنه يعود بشراسة أكبر بمجرد انتهاء الغرض.
القصة تبدأ من عام 2022، حين كان جوان لابورتا، العائد حديثاً لرئاسة برشلونة، يواجه كابوساً حقيقياً، فقانون الرياضة الإسباني القديم (لعام 1990) كان يضع سيفاً على رقبة رؤساء الأندية المملوكة للأعضاء، حيث يلزمهم بضمان 15% من ميزانية النادي من أموالهم الخاصة في حال وجود خسائر.
بالنسبة لبرشلونة المثقل بالديون، كان هذا يعني أن لابورتا ومجلسه مهددون بالحجز على ممتلكاتهم الشخصية.




هنا، وبدلاً من أن يستغل فلورنتينو بيريز، رئيس ريال مدريد، الفرصة للقضاء على غريمه التقليدي، حدث العكس؛ تدخل العراب بيريز، ودفع بكل ثقله السياسي، بل ونسق مع لابورتا للضغط على البرلمان الإسباني لتغيير القانون، وهو ما حدث بالفعل في ديسمبر 2022، ليتنفس لابورتا الصعداء وينجو من المقصلة المالية.
لماذا فعل بيريز ذلك؟ هل كان الأمر عملاً خيرياً؟ بالطبع لا، فبيريز، رجل الأعمال والسياسة المحنك، كان يرى في لابورتا حليف الضرورة في معركته الوجودية ضد اليويفا ورابطة الليجا لتمرير مشروع السوبر ليج.
كان بيريز يدرك أن السوبر ليج لا قيمة له بدون برشلونة، وأن سقوط النادي الكتالوني يعني سقوط المشروع برمته.
ولكن، وكما هي العادة في قصص التحالفات الهشة، انقلب السحر على الساحر، بمجرد أن أمن لابورتا موقفه المالي، وبدأ النادي في التعافي، قرر رئيس برشلونة إعادة ترتيب أوراقه.
انسحب تكتيكياً من واجهة حرب السوبر ليج، وبدأ في فتح قنوات اتصال مع اليويفا لتجنب العقوبات، تاركاً بيريز وحيداً في مواجهة العاصفة.
وهنا يسهل علينا تبني رواية أن لابورتا طعن بيريز في ظهره، وهو ما يفسر الهجوم الإعلامي الشرس مؤخراً من قناة ريال مدريد الرسمية على برشلونة بل وتصريحات بيريز نفسها ضد النادي الكتالوني.
ماذا لو؟!
لكن، مهلاً.. دعونا نطرح سيناريو مغايراً، قد يكون هو الأقرب للمنطق رغم أن أحدًا لم يتحدث عنه، ماذا لو كان بيريز هو من قرر ببرودة أعصاب تفكيك هذا التحالف، لأن مصلحة ريال مدريد العليا باتت تقتضي ذلك؟
علينا ألا ننسى أن فلورنتينو بيريز براجماتي من الطراز الأول، ومن الوارد جداً أنه أدرك في لحظة ما أن تكلفة التحالف مع برشلونة باتت أعلى من عوائده.
فمع انفجار قضية نيجريرا، تحول الشريك الكتالوني في نظر حسابات مدريد المحتملة من ركيزة لمشروع السوبر ليج إلى عبء سام يهدد شرعية المشروع برمته أمام الرأي العام الأوروبي.
وفقاً لهذه الفرضية، فإن تحركات ريال مدريد الأخيرة، من الدخول كطرف في القضية إلى الفيديوهات الضاغطة إلى تصريحات بيريز، لم تكن مجرد رد فعل على خيانة محتملة من لابورتا، بل كانت ضربة استباقية مدروسة بعناية.
ربما استشعر بيريز أن برشلونة بدأ في مرحلة التعافي والعودة، ليس فقط عبر مغازلة اليويفا، بل كقوة كروية منافسة.
وهنا، تلاقت مصلحة الملكي مع غريزة البقاء؛ فكان لابد من كبح جماح هذا التعافي عبر إشغال الغريم في معارك قضائية وإعلامية تستنزفه وتعطله عن التقاط أنفاسه.
لو صح هذا السيناريو، فلا أحد يملك حق لوم بيريز أو اعتباره ناكثاً للعهد، الرجل هنا يمارس حقه المشروع في حماية ناديه، وفك الارتباط بشريك باتت تحيط به الشبهات، ومحاولة تحجيم منافس بدأ يستعيد عافيته.
في النهاية، سواء كان ما حدث هو مناورة هروب من لابورتا، أو خطة استباقية من بيريز، فالمحصلة واحدة: كل رئيس يلعب لجمهوره ولمؤسسته، وهذا ليس عيباً في عرف الإدارة الرياضية بل هو جوهر اللعبة.
الخطأ الوحيد هو أننا صدقنا لوهلة أن المصالح الاقتصادية المؤقتة قد تمحو مئة عام من العداء، أو أن كلاسيكو المكاتب يعرف معنى الصداقة الدائمة.
