معركة أخرى ربحها باريس سان جيرمان هذا الصيف، بالحفاظ على مهاجمه الفرنسي كيليان مبابي، الذي قرر البقاء والتخلي عن حلم الانتقال إلى ريال مدريد.
مجهودات ناصر الخليفي رئيس النادي، وإيمانويل ماكرون رئيس فرنسا وفايزة العماري والدة اللاعب، جاءت بنتيجة ليستمر المهاجم الشاب في حديقة الأمراء حتى عام 2025.
باريس حافظ على نجومه أكثر من مرة وخاض الكثير من المعارك، ولكن هذه المرة تبدو مختلفة تمامًا لأن مبابي وافق بالفعل على الانضمام لريال قبل التغيير الصادم الذي حدث في اللحظات الأخيرة.
وهو ما يضعنا أمام التساؤل الأهم، هل الأمر يتعلق بذكاء وقدرة خارقة في الحفاظ على اللاعبين؟ أم نجوم الفريق هم من يفضلون البقاء في منطقة الراحة الباريسية المعروفة بـ"السجن الذهبي"..
مسرح العرائس
Getty Imagesتعرض باريس لحملات شديدة من الهجوم على مدار السنوات الماضية، لكن ما قام به دوناتو دي كامبلي الوكيل السابق لماركو فيراتي كان أكثر تأثيرًا.
وقال دي كامبيلي لصحيفة "توتو سبورت" الإيطالية:"تجربتي مع باريس كانت الأسوأ في حياتي، الأمر جرحني كثيرًا، فيراتي ليس له أي وجود بالنسبة لي بعد الآن".
وأضاف:"لا يوجد تقدير في هذا النادي، نيمار وباقي اللاعبين لن يرحلوا أبدًا، الأمر أشبه بوجودهم في سجن ذهبي لا يريدون مغادرته، بعض العقود التي يتحصلون عليها لا توجد في مكان آخر، هم يستمرون بالفريق رغم حقيقة أن الدوري الفرنسي أشبه بمسرح العرائس".
الوكيل الإيطالي رغم تعبيراته المبالغ فيها نوعًا ما بسبب موقفه الشخصي مع باريس، إلا أنها تحمل الكثير من الحقيقة، بتضحية البعض بالمشروعات الرياضية الأنجح مقابل العقود المالية الضخمة والراحة وقلة الضغوط.
ولكن كيف كانت آخر محاولة للاعب قرر ترك هذا السجن الذهبي والعودة إلى الضغوط بمحض إرادته؟
معركة نيمار
Getty Imagesرحل النجم البرازيلي عن برشلونة في عام 2017 منتقلًا إلى باريس سان جيرمان في صفقة القرن مقابل 222 مليون يورو، بعد معركة مع النادي الكتالوني.
اللاعب أراد أن يكون النجم الأول ويخرج من ظل ليونيل ميسي للحصول على الكرة الذهبية، بمكان يبدو أفضل من ناحية الراحة والاستقرار وقلة الضغوط.
ولكن الصدمة كانت في خروجه من ظل ميسي ليجد نفسه في ظل الشاب كيليان مبابي، وتعرض كذلك لضغوط وحملات هجوم غاية في القوة من جماهير باريس.
Getty/Pressboxعدة محاولات من برشلونة كان آخرها الصيف الماضي لاستعادة نيمار، واللاعب نفسه كان يضغط وأبدى استعداده لكافة التضحيات المالية اللازمة ولكن باريس رفض.
وقال ناصر الخليفي رئيس النادي الفرنسي عن هذه المحاولة:"برشلونة حاول ضم نيمار حتى النهاية ولكن رفضنا الأمر، لديهم الكثير من الأزمات المالية وهذه ليست مشكلتنا".
النتيجة الآن هي تدهور شديد في مسيرة نيمار، ومطالبات بالتخلي عنه بعدما وصل عمره 30 سنة وفشل في الوصول للمستوى المطلوب منه، ولكن هل يقدر أحد الكبار على المجازفة لإخراجه من هذا السجن؟ ربما يقوم أحدهم بذلك ولكنها ستكون مجازفة مالية ضخمة مع لاعب سجل إصاباته يبدو مخيفًا.
موهبة لا نراها كثيرًا
Gettyيعتبر ماركو فيراتي من أقل اللاعبين حصولًا على التقدير الكافي في أوروبا، مقارنة بالمستويات المبهرة التي يقدمها منذ ظهوره على الساحة.
بداية ظهور فيراتي الحقيقية كانت مع باريس فقط، النادي الذي انتقل له قادمًا من بيسكارا في 2012 مقابل 12 مليون يورو.
ومع ذلك لا يتابع الكثير من الجماهير بمختلف أنحاء العالم فيراتي، سوى لبضعة مباريات معدودة للفريق خلال بطولة دوري أبطال أوروبا، البطولة التي يفشل بها فريقه مرارًا وتكرارًا.
Getty/Pressboxوهو ما يجعل مقولة وكيله السابق صحيحة بكل ما تعنيها الكلمة من معنى، فهو في سجن ذهبي يحصل فيه على ما يريد من أموال وحياة مستقرة، ولكن إنجازاته تقتصر فقط على الدوري الفرنسي.
اللاعب البالغ من العمر 29 سنة اعترف بنفسه بأنه فكر في الانضمام لبرشلونة عام 2016، وقال في تصريحات صحفية:"نعم لقد تلقيت عرضًا من أجل الانتقال لهم والرحيل من باريس وقمت بالتفكير فيه".
أرقام خيالية .. كم سيدفع باريس لمبابي للتخلي عن حلم ريال مدريد؟
باريس قاتل بكل ما لديه من قوة لإقناع اللاعب بالبقاء، ووصل الأمر لوجود خلافات بين إدارة النادي الفرنسي وبرشلونة، ليربح ناصر الخليفي رئيس النادي المعركة في النهاية.
ولكن تخيل مسيرة فيراتي مع جيل برشلونة بقيادة ليونيل ميسي ولويس سواريز ونيمار بالدوري الإسباني ودوري الأبطال، هل هي نفسها مع باريس؟
المشكلة ليست في باريس
Gettyلو نظرنا للصورة من بعيد سنجد أن باريس لا يجبر اللاعبين على الانتقال له، أي نجم يفكر في الانضمام للفريق يعلم جيدًا طبيعة النادي وعدم تخليه عن اللاعبين الكبار بسهولة.
ولذلك هم يقررون الانتقال بمبالغ ضخمة لا يمكن للعديد من الأندية الأخرى توفيرها، مقابل التضحية باللعب بالدوري الفرنسي الذي لا يمكن مقارنته تنافسيًا بالإنجليزي أو الإسباني أو حتى الإيطالي.
ليونيل ميسي كان آخر من قرروا الانضمام لهذا الفريق، ووقع على عقد لمدة عامين مع إمكانية التجديد لموسم آخر، ولو قام بتفعيل بند التمديد رغم الموسم المتواضع الذي ظهر به بعامه الأول لا يمكن أن يلوم سوى نفسه لو انهارت مسيرته.
إدارة النادي تحاول جلب اللاعبين وتستغل الإمكانيات التي تمتلكها دون أي إجبار، كما أن النجوم يوقعون على التجديد في حالة الاستمرار مع الفريق بكامل إرادتهم.
باريس ليس النادي الأول الذي ينفق الأموال بهذه الطريقة، كبار إيطاليا وريال مدريد وبرشلونة وإنجلترا جميعهم سبقوا النادي الفرنسي، وهم من بدأوا بالتعاون مع وكلاء اللاعبين بتحويل اللعبة إلى تجارة تتحكم فيها الأموال أكثر من أي شيء آخر.
النادي الفرنسي لديه إمكانيات ضخمة يستخدمها بذكاء، ويتصرف بطريقة عقلانية في العديد من المواقف لجلب أفضل اللاعبين لحديقة الأمراء.
ولذلك مبابي هو من اختار البقاء في هذا "السجن الذهبي" والتضحية بالمشروع الأكثر استقرارًا في ريال مدريد، للحصول على امتيازات أخرى مع باريس مقابل التخلي عن حلمه، ولو تعثرت مسيرته وضاعت أحلامه في دوري الأبطال والكرة الذهبية، فلا يمكن توجيه اللوم إلى باريس بأي شكل من الأشكال.
