من أناشيد الملاعب إلى أمسيات ما بعد الظهيرة الحارة في الملاعب المزدحمة، مثّل صيف عام 1994 اللحظة التي حطمت فيها كرة القدم الأمريكية كل التوقعات. لقد كانت كأس العالم هي التي غيّرت كل شيء: حيث التقى الشغف العالمي بالعروض الأمريكية، وبدأت ثقافتان رياضيتان في الاندماج.
هذه القصة، المقتبسة من مقال كتبه توم هيندل، جزء من بودكاست "Icons" - بودكاست "GOAL" الذي يعيد النظر في آخر عشر بطولات كأس عالم من وجهات نظر فريدة، ويعيد إحياء روح البطولة.
كانت هذه البطولة مقدّرة لتكون لحظة ولادة كرة القدم في أمريكا. على الأقل، هكذا كان الخطاب السائد حينها. فالبطولة كانت دائما تقام في دول كروية أصيلة؛ أماكن تعرف اللعبة حق المعرفة، تحتضنها، تعيشها وتتنفسها. لعبة لم تتجاوز حدودها التقليدية كثيرا، ونادرا ما تسللت إلى مناطق لا تُعدّ موطنها الطبيعي.
لكن مونديال الولايات المتحدة 1994 غيّر كل ذلك.
قد يشكّك بقية العالم في هذا القرار آنذاك، بينما غضب جزء من أوروبا رفضا مبدئيا للفكرة. كانت هناك الكثير من الأشياء “الخاطئة” في رأي البعض بشأن إقامة كأس العالم في أمريكا. لكن، بالنظر الآن بعد ثلاثة عقود، ومع اقتراب النسخة المقبلة من المونديال في أمريكا بعد أشهر قليلة، يتضح أن بطولة 1994 قد نجحت في كثير من الأمور.
فبأثر رجعي يمتد 30 عاماً، يمكن القول إن مونديال أمريكا 94، كان أول كأس عالم عصرية بمعنى الكلمة – وآخر بطولة ارتبطت بلمسة حقيقية من الحنين. كانت نقطة انعطاف احتضنت فيها كرة القدم العالمية مفهوم "السوكر"، وامتزجت فيها ثقافتان لم تكونا يوما متقاربتين. وإلى اليوم، ما تزال بطولة 1994 الأكثر حضورا جماهيريا في تاريخ المسابقة. وكانت في وقتها الأعلى من حيث النجاح المالي.
أنجبت تلك النسخة الدوريات الاحترافية في الولايات المتحدة، وأسست لجيل كامل من عشّاق اللعبة – ملايين تعلّقوا بكرة القدم لاحقا. لولا مونديال 1994، لما وُجد الدوري الأميركي للمحترفين، ولا دوري كرة القدم للسيدات، ولا أيٌّ من المسابقات المحلية الحديثة في أميركا.
وبالتأكيد، لما وُجدت ثقافة كروية راسخة في أميركا الشمالية كما هي اليوم. ولما وُجد مونديال 2026 – الذي ستستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مع إقامة الغالبية العظمى من مبارياته في 11 مدينة أميركية.
كانت بطولة 1994 بقدر ما هي عرض كروي، كانت حدثا ذا تأثير عميق – كما يحدث في كل نسخ المونديال. لكن هذه النسخة تحديدا حملت طابعا إيجابيا حقيقياً. وبالطبع.. انتهت بتتويج البرازيل.
| 📱شاهد GOAL مباشرة على WhatsApp مجانًا! 🟢 |
Getty Images
كيف تم اختيار المقر
لم تكن فكرة استضافة كأس العالم في الولايات المتحدة جديدة تماما. فقد تقدّمت أميركا في الأصل بملف لاستضافة مونديال 1986، متضمّنا عرضا موسعا لضمان وصول البطولة إلى أراضيها. واستناداً إلى نفوذ دوري NASL – أول دوري محترف لكرة القدم في الولايات المتحدة، والذي استمر بأشكال مختلفة بين عامي 1968 و1984 – جمّع اتحاد الكرة الأميركي لجنة من الأساطير لمحاولة جلب كأس العالم.
كان بيليه وفرانز بيكنباور على المنصة عام 1982، يمارسان الضغط للدفاع عن الملف الأميركي، في محاولة متأخرة بعد انسحاب كولومبيا. غير أن عرضهما كان طموحا… وربما طموحا أكثر من اللازم. فقد طُرحت أفكار "راديكالية" آنذاك، مثل تكبير حجم المرمى، أو تقسيم المباريات إلى أربعة أشواط لإرضاء المدراء التنفيذيين المتعطشين للإعلانات في السوق الأميركية. كان ذلك تجاوزا لا يمكن قبوله، فتم رفض الملف، وأسندت استضافة مونديال 1986 إلى المكسيك.
بعد ست سنوات، عادت الولايات المتحدة إلى الواجهة – وهذه المرة كانت جاهزة أكثر من أي وقت مضى. وجاء القرار، بالمناسبة، في الرابع من يوليو/تموز 1988، ولم يتطلّب سوى جولة تصويت واحدة من اللجنة التنفيذية للفيفا. لكن القرار جاء مصحوبا بشروط واضحة. فقد رأت الفيفا أن مونديال 1994 يجب أن يكون ملتزماً بتنمية اللعبة في أميركا.
وهذا يعني: دوري كرة قدم محترف في الولايات المتحدة، منظم ومدعوم بالكامل، ليحلّ محل دوري NASL المنحل. كان المطلوب أن تصبح كرة القدم كبيرة في أميركا – ليس فقط قبل البطولة وأثناءها، بل بعد انتهائها أيضا. كان مرادا لهذه النسخة أن تكون نقطة الانطلاق لشيء عملاق. الولايات المتحدة وافقت، وتعهدت بتأسيس دوري المحترفين (MLS)، والذي كان مخططا أن يبدأ نشاطه بعد انتهاء المونديال مباشرة.
يقول آلان روثنبرج، رئيس اتحاد الكرة الأميركي آنذاك، في تصريح عام 2014: "تطوير المنتخب الوطني وإنشاء دوري الـ MLS لم يكونا ليتحققا دون كأس العالم. لقد انتقلت كرة القدم من لعبة شعبية بسيطة تعتمد على الجهود الفردية إلى مؤسسة احترافية ممولة تُدار بكفاءة."
كما ساعد أيضا أن البنية التحتية الأميركية كانت موثوقة بما يكفي. فقد تقدمت البرازيل والمغرب بملفين مثيرين للاهتمام، لكنهما واجها مشكلات واضحة، خصوصا فيما يتعلق بالملاعب. فالبرازيل، كما رأت الفيفا، كانت بحاجة إلى تطوير وتجديد عدد من منشآتها. أما المغرب فكان مطالبا ببناء تسعة ملاعب جديدة. في المقابل، كانت الولايات المتحدة تمتلك بالفعل مجموعة واسعة من ملاعب كرة القدم الأميركية المنتشرة في البلاد، ولم تكن بحاجة إلا إلى نحو 500 مليون دولار لإتمام عمليات التهيئة اللازمة.
أضف إلى ذلك النجاح الكبير لأولمبياد لوس أنجلوس 1984، والذي جذب 1.4 مليون متفرج سعيد بالتجربة، فكانت هناك أدلة قوية تؤكد أن أميركا قادرة على تنظيم حدث رياضي استثنائي وضخم.
Getty Images
الملاعب ودرجة الحرارة
بالطبع، لم تخلُ الأمور من التعقيدات. فالدول التي سبق أن استضافت كأس العالم كانت تمتلك وفرة من الملاعب المخصّصة لكرة القدم. نادراً جداً ما كانت تحتاج إلى تحويل منشآت أخرى إلى ملاعب قادرة على احتضان المباريات – لم يكن هناك أي داعٍ لذلك أصلا.
أما الولايات المتحدة فكانت تواجه المشكلة المعاكسة تماما. فقد أثبتت المدن التسع المضيفة قدرتها على استقبال الجماهير، لكن ولا واحدة منها كانت تضم ملعبا مخصصا لكرة القدم. جميعها كانت ملاعب لفرق NFL أو فرق كرة القدم الجامعية.
ومع ذلك، كان لهذا الواقع مزايا أيضا. فقد كانت تلك الملاعب عملاقة. جميعها تجاوزت طاقتها الاستيعابية 50 ألف متفرج، وتحمل تاريخا كبيرا في الرياضة الأميركية. هذا جعل الجميع يريد أن يكون جزءا من البطولة.
تشير التقارير إلى أن 23 مدينة أبدت اهتماما باستضافة مباريات المونديال. لكنّ معظمها استُبعد بسبب تعارض المواعيد مع موسم دوري البيسبول، بينما أُقصيت مدن أخرى لاعتبارات عملية – فمثلاً، اعتُبرت مدينة نيو هافن في ولاية كونيتيكت، موطن جامعة ييل، بعيدة للغاية وغير مناسبة.
كان ملعب روز بول هو القلب النابض للبطولة. هذا الملعب الأسطوري في باسادينا – كاليفورنيا، استضاف ثماني مباريات، بما فيها المباراة النهائية. أما ملعب جاينتس في نيوجيرسي – المبني على نفس موقع ملعب ميتلايف الحالي الذي سيستضيف نهائي مونديال 2026 – فقد استضاف سبع مباريات.
ومع ذلك، حملت البطولة مخاوف حقيقية.. أبرزها الحرارة. لم تكن هذه أول نسخة تتعرض للنقد بسبب الظروف الجوية – فقد تعرّض مونديال المكسيك 1986 لانتقادات مشابهة. لكن المخاوف هذه المرة كانت أعمق: حرارة الصيف الأميركي اللاهبة، إضافة إلى الملاعب ذات الأرضيات العشبية الاصطناعية، أثارت القلق بشأن معاناة اللاعبين والجماهير على حدّ سواء.
ولإرضاء القنوات الأوروبية الناقلة للبطولة، انطلقت معظم المباريات حوالى منتصف النهار بالتوقيت الأميركي. النتيجة؟ مباريات في دور المجموعات أُقيمت تحت حرارة تجاوزت 100 درجة فهرنهايت (أكثر من 38 مئوية).
وقال كارلوس ألبرتو باريرا، مدرب البرازيل عام 1994: "لتبذل 100% من جهدك في هذا الطقس… يجب أن تكون روبوتا".
Getty Images
قواعد جديدة، تقاليد جديدة
كل نسخة من كأس العالم تأتي معها تغييرات. فمثلاً، كان مونديال 2018 هو الأول الذي شهد تطبيق تقنية الفيديو، أما كأس العالم 1994 في الولايات المتحدة، فقد قدّم مجموعة من الإضافات التي غيّرت اللعبة بشكل جذري. أول تلك التغييرات كان متعلقا بجزء أساسي من أسلوب اللعب.
صحيح أن قاعدة منع الحارس من التقاط الكرة بعد تمريرة متعمدة من زميله لم تكن جديدة في عام 1994، لكنها كانت تُطبّق لأول مرة في كأس العالم. كانت الفكرة، بالطبع، زيادة سلاسة اللعب، ودفع الفرق للهجوم بدلا من اللجوء إلى إعادة الكرة للحارس لتضييع الوقت. النتيجة؟ ارتفاع معدل الأهداف في المباراة الواحدة.
كما أدخل الفيفا تغييرات أخرى. فقد كان مونديال 1994 هو أول بطولة تُمنح فيها ثلاث نقاط للفوز – بعدما كان الانتصار يمنح نقطتين فقط. الهدف كان تشجيع الفرق على السعي للفوز بدلا من الاكتفاء بالتعادل، وبالتالي تسهيل عملية التأهل من دور المجموعات.
لم يؤدّ ذلك إلى كرة هجومية طليقة كما تمنّى البعض؛ فالبرازيل، على سبيل المثال، سجلت 11 هدفاً فقط في سبع مباريات في طريقها نحو اللقب. لكن النظام الجديد أضاف قدرا أكبر من الإثارة… خصوصا مع تأهل بعض أصحاب المركز الثالث.
وربما كان أكثر التغييرات “خداعا” هو ما يتعلق بتراكم البطاقات الصفراء. سابقا، كان الحصول على بطاقتين صفراوين خلال كامل البطولة يؤدي إلى الإيقاف مباراة واحدة. وقد أثار ذلك جدلاً واسعاً في مونديال 1990، حين كان من المفترض أن يُحرم الإنجليزي بول جاسكوين من خوض النهائي بسبب تراكم البطاقات – لولا أن إنجلترا خرجت في نصف النهائي. لكن في نسخة 1994، تم مسح البطاقات الصفراء بعد دور المجموعات.
وشهدت البطولة أيضا مجموعة من "السوابق". فقد كان مونديال 1994 أول مرة يُعزف فيها نشيد الفيفا الرسمي أثناء دخول اللاعبين إلى أرض الملعب. كما كانت أول نسخة يرتدي فيها الحكام قمصانا سوداء. وفي خطوة مهمة بالنسبة للمحطات التلفزيونية، طُبعت أسماء اللاعبين على قمصانهم لأول مرة في تاريخ كأس العالم.
Getty Images
الأسلوب
النوستالجيا الكروية شيء خطير. ففي عالم الرياضة الحديثة، اعتدنا تمجيد كل ما هو قديم: الأطقم، الشورتات، تسريحات الشعر، وحتى الأحذية. كل شيء اليوم يبدو كأنه عودة إلى الماضي، أو إحالة إلى زمن آخر. وبالطبع، لا بد أن يكون هناك الأصل الذي بدأ منه كل ذلك… وقد وفّر مونديال 1994 تلك "البصمة الأولى" في عالم الأطقم.
كانت تلك البطولة مساحة مفتوحة للإبداع في التصميم، وللتعبير البصري داخل الملعب. وقد نتج عنها عدد كبير من الإطلالات الكلاسيكية الخالدة. البداية كانت من قمصان حراس المرمى: مزيج من الألوان الغريبة والتراكيب العجيبة التي بدت "مجنونة" حينها، لكنها مع مرور الوقت أصبحت جزءا محبوبا من ذاكرة كرة القدم.
أما القوالب الأخرى، فقد بقيت حيّة في التصميم الحديث. يشتهر المنتخب الأميركي بطقمه الذي أُطلق عليه لاحقاً "طقم الدنيم" – غالبا ما يتم ربطه بصورة المدافع صاحب الشعر الأحمر أليكس لالاس. أصبح هذا القميص "أيقونة" بين عشاق اللعبة، رغم أن بعض اللاعبين لم يحبّوه إطلاقاً. اللاعب تاب راموس قال لموقع "ذا أثليتيك": "أردنا أن يرى العالم أننا دولة كروية.. ثم نأتي بهذه الأطقم التي كانت ببساطة سخيفة".
لكن لالاس؟ ما يزال متمسّكاً بالفكرة حتى اليوم، وقال في بودكاست State of the Union "كل ما أريده من أي قميص هو ما كان في نسخة 1994. لا أعتقد أننا شهدنا قميصا أميركيا أكثر إلهاما من ذلك، بغض النظر عن الرياضة. كانت هناك نجوم وخطوط.. أحمر وأبيض وأزرق… وكان من الواضح تماما من هو الفريق الموجود في الملعب. لقد أصبح رمزا أكبر مما كان عليه في ذلك الوقت."
ألوان الأزوري الإيطالية العميقة وُلدت من جديد مرارا عبر الأجيال. الطقم الاحتياطي لمنتخب الأرجنتين – بخطوطه الثلاث على الكتف الأيمن – بقي خالدا، خاصة لارتباطه بصور أيقونية لدييجو مارادونا. أما البرازيل فقدّمت واحدة من أجمل النسخ لتشكيلة “السامبا” الشهيرة عبر تاريخها. ونيجيريا؟ تصدّرت المجموعة الرابعة، وكانت غاية في الأناقة وهي تفعل ذلك.
Getty Images
وداع دييجو
دخلت الأرجنتين كأس العالم 1994 في وضع غريب. كان لا بدّ من اعتبارها بين المرشحين للفوز، لأنها الأرجنتين ببساطة. لكن الحقبة نفسها كانت مضطربة بالنسبة لـ"ألبيسيليستي". فقد قادهم دييجو مارادونا إلى المجد عام 1986، ثم خسروا معه النهائي بصعوبة عام 1990 – في مباراة ألقى فيها مارادونا باللوم الشهير على الحكم في الهزيمة بنتيجة 1-0.
لكن دييجو كان خارج المنتخب لما يقرب من ثلاث سنوات قبل مونديال 1994. وكانت هناك حجج قوية بأن مسيرته كان ينبغي أن تنتهي بحلول عام 1992. فقد أوقف لمدة 15 شهرا في عام 1991 بعد ثبوت تعاطيه للمنشطات. وفي تلك الفترة كان قد بلغ 32 عاما، وزاد وزنه، واعتبره كثيرون لاعبا منتهيا.
ومع ذلك، قدّم مارادونا فترة قصيرة مع نيويلز أولد بويز في الأرجنتين، ظهر خلالها أنه ما يزال قادرا على لمس الكرة بطريقة لا تشبه أحدا. الجماهير طالبت بعودته، وتعالت الأصوات تدريجيا إلى أن أصبح الاتحاد عاجزا عن تجاهلها. احتاجت الأرجنتين لخوض ملحق التأهل إلى كأس العالم أمام أستراليا، وكان مارادونا حاسما في الفوز عبر مباراتي الذهاب والإياب.
وبحلول عام 1994، بدا مستعدا للعودة – رغم القلق الكبير بشأن لياقته البدنية. لكن المشاكل لم تنتهِ. فقد تم اختيار مارادونا بشكل "عشوائي" لفحص المنشطات بعد مباراته الثانية في دور المجموعات، وجاءت النتيجة إيجابية. وعلى إثر ذلك، قرر الفيفا طرده من البطولة، ولم يلعب بعدها كرة قدم على مستوى عال مجددا. وأطلق عبارته الشهيرة: "لقد نشروا ساقيّ بالمنشار."
خرجت الأرجنتين من الدور ثمن النهائي، في نهاية حزينة لحقبة دييجو الدولية.
Getty Images
إسكوبار
جاء ظهور منتخب كولومبيا في كأس العالم 1994 وسط ظروف أقل ما يقال عنها مثيرة للجدل. فقد وصلت بعثة المنتخب إلى الولايات المتحدة وسط شائعات بأن عصابات المخدرات كانت تتحكم بما يجري خلف الكواليس: تراهن على المباريات، وتؤثر في قرارات الجهاز الفني، بل وتفرض أسماء معينة على التشكيلة. وعندما استُبعد أحد اللاعبين من القائمة في اللحظات الأخيرة، اشتعلت نظريات المؤامرة بقوة.
ولا يزال من غير الواضح مقدار ما يمكن ربطه مباشرة بأداء المنتخب، لكن الأحداث المأساوية التي تلت البطولة ساعدت في رسم صورة كاملة أكثر قتامة. فقد خسر المنتخب المباراة الافتتاحية بنتيجة 1-3 أمام رومانيا في واحدة من أكبر المفاجآت التي شهدها ملعب روز بول. بات على الكولومبيين بعدها الحصول على نتيجة إيجابية أمام الولايات المتحدة – ويفضل أن تكون انتصارا – لضمان فرصة العبور إلى الدور التالي.
لكنهم واجهوا مقاومة أميركية شرسة. فقد فاز منتخب الولايات المتحدة 2-1، بعد أن سجّل المدافع أندريس إسكوبار هدفا ذاتيا قاتلا منح أصحاب الأرض النقاط الثلاث. ورغم فوز كولومبيا في مباراتها الثالثة، حالت نتائج المجموعات الأخرى دون تأهلهم.
قال إسكوبار في مقابلة بعد المباراة، بكلمات هادئة رغم حجم الألم: "يجب أن نكون شجعانا عند الانتصار.. ولكن أكثر شجاعة في الهزيمة. أرجو أن يبقى الاحترام. أرسل عناقاً كبيرا للجميع، ولأقول إن هذه كانت فرصة وتجربة نادرة ورائعة لم أشعر بمثلها في حياتي. أراكم قريباً، فالحياة لا تنتهي هنا".
لكن الحياة بالنسبة له انتهت، فقد تم تحذير إسكوبار من العودة إلى كولومبيا خوفا من غضب عصابة ميديلين التي كان يقودها بابلو إسكوبار. لكنه تجاهل التحذيرات. وبعد خمسة أيام فقط من وصوله إلى مسقط رأسه، تم اغتياله خارج أحد النوادي الليلية في ميديلين، في واحدة من أكثر الحوادث المروّعة في تاريخ كرة القدم.
Getty Images
فريق البلد المضيف
من واجب أي دولة مضيفة لكأس العالم أن تقدم أداء مشرفا في البطولة. وفي عام 1994، قام المنتخب الأميركي بالدور المطلوب منه. فقد كان المنتخب قادما من مشاركة صعبة في مونديال 1990؛ إذ تأهل للمرة الرابعة في تاريخه، لكنه بدا عاجزا تماما في دور المجموعات، معتمدا على مزيج من لاعبي الصالات واللاعبين الجامعيين، ليخرج بثلاث خسائر متتالية.
لكن أمام جماهيره، وبفريق أفضل بكثير، تغيّر كل شيء. استهل المنتخب مشواره بتعادل صعب بنتيجة 1-1 أمام سويسرا، سجّل خلاله إيريك وينالدا هدف التعادل. ثم فازوا 2-1 على كولومبيا، قبل الخسارة 1-0 أمام رومانيا متصدّرة المجموعة، ليعبروا كأحد أفضل المنتخبات صاحبة المركز الثالث في نظام الـ24 منتخبا – نصف عدد المنتخبات التي ستشارك في كأس العالم 2026.
وقال أليكس لالاس عن ذلك: "كنا نعرف أننا سندخل أي مباراة كطرف أضعف، مهما كان الخصم."
وفي الأدوار الإقصائية، كان الاختبار قاسيا. لم يكن يمكن التقليل من شأن نتائج المنتخب أمام سويسرا وكولومبيا، لكن مواجهة البرازيل في دور الـ16 كانت صعبة منذ لحظة الإعلان عنها. ومع ذلك، تبقى تلك المباراة جزءا مهما من تاريخ كرة القدم الأميركية، باعتبارها هزيمة مشرّفة في يوم الاستقلال الأميركي.
لكن الواقع كان واضحا: منتخب البرازيل لعب المباراة بتحكم كامل تقريبا، ضد منتخب أميركي لم يملك الأدوات اللازمة للتقدم. وكانت هناك لحظة درامية حين طُرد اللاعب البرازيلي ليوناردو بعد أن ضرب تاب راموس بالمرفق على رأسه، ما منح الولايات المتحدة – نظريا – فرصة للعودة بالمباراة. لكن الـ"سيليساو" كانوا أكثر خبرة ولياقة وذكاءً، وتعاملوا مع المباراة بمرونة كافية ليحققوا فوزا مريحا 1-0.
واعترف لالاس لاحقاً بأن المباراة لم تكن متكافئة، وقال: "حتى وهم بعشرة لاعبين.. كانوا ببساطة أفضل منا. كانوا يمتلكون خبرة اللعب الاحترافي والمنافسة على أعلى مستوى. كانوا أذكياء ورياضيين وماهرين جدا".
ومع ذلك، ترك ذلك المنتخب إرثا محترماً. لم يكونوا الأكثر مهارة، ولا الأكثر خبرة، لكنهم امتلكوا صلابة حقيقية، وأصبحوا – بشكل ما – النموذج الأولي لأسلوب القتالية والصلابة الذي ميّز أفضل أجيال الكرة الأميركية لاحقاً. هل كانوا منتخبا مضيفا ناجحا؟ ربما لا بشكل كامل.. لكنهم كانوا محاربين رائعين.
Getty Images
مباريات فاصلة مثيرة
كانت الأدوار الإقصائية في أماكن أخرى من المونديال أكثر إثارة بكثير. فقد قدّم دور الـ16 وربع النهائي مباريات ستظل خالدة في الذاكرة. البداية كانت من مواجهة الأرجنتين ورومانيا في ثمن النهائي. في الظروف الطبيعية، كانت الأرجنتين ستدخل المباراة كمرشحة قوية دون نقاش. لكن الوضع كان مختلفا تماما؛ فقد كان المنتخب يحاول تعلم كيفية اللعب بدون مارادونا بشكل مرتجل. خسروا مباراتهم الأخيرة في دور المجموعات، ووصلوا إلى الأدوار الإقصائية في حالة اهتزاز واضحة.
أما رومانيا، فكانت ممتازة. لم يسبق لها الفوز في مباراة إقصائية بالمونديال، لكنها تصدرت المجموعة الأولى بقيادة النجم جورجي هاجي، ودخلت الدور الثاني بثقة كبيرة. تقدّمت في الشوط الأول، وردّت الأرجنتين بعد خمس دقائق فقط. لكن بعدها… انفجرت رومانيا. أضافت هدفين آخرين، وسجّل هاجي الهدف الثالث الحاسم قبل مرور ساعة. ورغم تهديد الأرجنتين في الدقائق الأخيرة، صمد الرومانيون وانتزعوا فوزاً تاريخيا 3-2.
وقال المدرب أنجل يوردانيسكو بعد المباراة: "هذا أعظم حدث يحتفل به شعبنا منذ الثورة.. وهو أيضا أعظم لحظة في تاريخ كرة القدم الرومانية."
ولم تتوقف الإثارة عند هذا الحد. فقد كان منتخب إيطاليا، الذي وصل لاحقا إلى النهائي، قريبا جدا من الإقصاء. كانوا متأخرين 1-0 أمام نيجيريا حتى الدقيقة 87. لكن روبيرتو باجيو – نجم البطولة – أدرك التعادل في الدقيقة 88، ثم عاد وسجّل هدف الفوز في الوقت الإضافي ليمنع مفاجأة كانت ستصنف بين الأكبر في تاريخ المونديال.
أما البرازيل، فاحتاجت إلى هدف في الدقيقة 81 لتجاوز هولندا في ربع النهائي، بعد أن أهدرت تقدماً 2-0. وحققت بلغاريا بقيادة خريستو ستويتشكوف – جيلها الذهبي – مفاجأة مدوية بإقصاء ألمانيا من الدور ربع النهائي. كان كل شيء يشير إلى أننا مقبلون على نهائي تاريخي.
Getty Images
انتكاسة في النهائي
حسنًا… لم يتحقق ما وعدت به الأدوار السابقة. فالبرازيل، رغم سمعتها المرتبطة بأسلوب السامبا الهجومي، دخلت نهائي 1994 بأسلوب أكثر ذكاءً وبراغماتية. كان الفريق مليئا باللاعبين المهاريين، لكنه لم يجد أي مشكلة في اللعب بواقعية وانتزاع النتائج. وهكذا تحوّل النهائي إلى معركة ثقيلة في وسط الملعب بلا فرص كثيرة. والبرازيل لم تكن تمانع ذلك على الإطلاق.
قال المدرب كارلوس ألبرتو باريرا لاحقا: "كان لدينا لاعبون ناضجون، أصحاب خبرة، وكانوا تحت ضغط كبير. كانت ثلاثة أعوام من الضغط المتواصل. تعلمنا معاً كيف نفوز داخل وخارج الملعب. كان من المهم معرفة كيفية إدارة الإعلام، التعامل مع توقعات الجمهور، والقدرة على الحفاظ على المسافة العاطفية."
أما إيطاليا، فكانت وفية لأسلوبها الكلاسيكي المعتمد على الدفاع – رغم محاولات المدرب تشجيع الفريق على تقديم كرة أكثر تقدما. كان الفريقان قويين للغاية في وسط الميدان، وظهر ذلك واضحاً تحت حرارة تجاوزت 100 درجة فهرنهايت في ملعب روز بول. لم يرغب أي منهما في المخاطرة، ونجح الثنائي الدفاعي الإيطالي الأسطوري باولو مالديني وفرانكو باريزي في إبقاء كل شيء متماسكا في الخط الخلفي.
أدى هذا الصراع الدفاعي إلى نهاية 90 دقيقة دون أهداف، ومع دخول الوقت الإضافي بدأ الملعب ينفتح قليلا. حصلت البرازيل على بعض اللحظات الخطرة، وكان روماريو مصدر الإزعاج الأكبر لإيطاليا. وكان يُفترض أن يحسم المباراة في الثواني الأخيرة بعد تمريرة مقطوعة للخلف من كافو، لكنه سدد خارج المرمى من مسافة ست ياردات والمرمى مفتوح أمامه.
وفي النهاية، حُسمت المباراة بركلات الترجيح. أهدرت إيطاليا أول ركلة، وهو ما رسم ملامح ما جاء بعدها. وسقطت كل ضغوط العالم فوق كتفي روبيرتو باجيو، النجم الأول، الذي كان مطالبا بإنقاذ منتخب بلاده بعد إضاعة اثنتين من الركلات. لكنه سدد الكرة نحو السماء، ليمنح البرازيل لقبها العالمي الرابع.
وقال باجيو بعد المباراة: "لقد أخفقت… لكنني سأسددها مرة أخرى لو عادت اللحظة".
Getty Images
ولادة MLS
أعرب كثيرون من المنتقدين عن استيائهم من فوز الولايات المتحدة بشرف استضافة كأس العالم 1994، جزئيا بسبب غياب دوري محترف في البلاد. وهو اعتراض منطقي. فكيف لبلد لا يمتلك منظومة كروية محترفة أن يستضيف أهم بطولة في اللعبة؟ كان دوري NASL قد تفكّك تماما، ولم تكن هناك أي حركة جادة لخلق بديل.
استغل الفيفا هذا الوضع، واشترط أن يتضمّن ملف استضافة كأس العالم تعهدا رسميا بإطلاق دوري محلي للرجال. وبحلول عام 1993، بدأت الخطط تتخذ شكلا ملموسا، عندما وافق الاتحاد الأميركي لكرة القدم على إنشاء دوري من الدرجة الأولى تحت اسم "Major League Professional Soccer"، والذي اختُصر لاحقاً إلى Major League Soccer – MLS.
ونجح الدوري في بداياته بجذب العديد من نجوم مونديال 1994 للبقاء داخل الولايات المتحدة. كان تاب راموس أول لاعب يوقّع، وتم توجيهه إلى فريق متروستارز. ولم يكن وحده؛ فقد بقي لالاس، توني ميولا، إيريك وينالدا، خورخي كامبوس، وكارلوس فالديراما جميعهم داخل البلاد أو انتقلوا إليها للعب في الدوري الجديد.
لكن MLS اضطر إلى تأجيل انطلاقته من 1995 إلى 1996، بسبب عدة مشكلات، مثل نقص رؤوس الأموال الاستثمارية، وصعوبات تشغيلية في تحديد مواقع الفرق وإبرام صفقات الملاعب. وفي السادس من أبريل/نيسان 1996، أُقيمت أول مباراة رسمية في تاريخ الدوري.
ويقول توني ميولا لموقع جول: "كنا نعلم أن دوري الـMLS سيبدأ قبل انطلاق كأس العالم. كانت الخطة أن نستغل مونديال 94 كمنصة إطلاق. كنا نمزح دائما بأن لدينا وظيفتين: عليك أن تلعب، أن تستعد للمباراة ولتكون ضمن قائمة كأس العالم.. لكن عليك أيضاً أن تروّج للرياضة. لأنها ببساطة لم تكن بالمستوى الذي وصلت إليه الآن".
هل حقق MLS نجاحاً فورياً؟ هذا موضع نقاش. الحضور الجماهيري كان جيدا جدا خلال الموسم الأول، وجميع الفرق العشرة كانت قادرة على المنافسة. كما ساعد وصول فريقين جديدين خلال أول خمس سنوات على تعزيز مكانة الدوري. لكن التحديات لم تغب، فقد واجه الدوري تعثّرات في بدايته، وأغلقت بعض الفرق، بينما فضّل بعض النجوم الانتقال إلى أماكن أخرى.
لكن بعد مرور عقد واحد، وبالتحديد عند وصول ديفيد بيكهام إلى لوس أنجلوس جالاكسي، تغيّر كل شيء. فقد انطلق الدوري حقا – ومعه انطلقت كرة القدم الأميركية نحو مرحلة جديدة – ولم ينظر خلفه منذ ذلك الحين. اليوم أصبح الدوري يضم 30 فريقاً وهو في حالة نمو مستمر.
Getty Images
أخيرًا، أنشأت الولايات المتحدة ثقافة لكرة القدم
وهكذا، تمّ أخيراً إضفاء الشرعية على كرة القدم في الولايات المتحدة. فالأرقام التي حققتها بطولة 1994 ما تزال – حتى اليوم – مذهلة بكل المقاييس. فقد بلغ الحضور الجماهيري الإجمالي 3,587,538 متفرجاً، وهو رقم لم يُكسر رغم أن البطولة توسّعت من 24 فريقاً إلى 32 فريقاً بعد أربع سنوات فقط. كما بلغ متوسط الحضور نحو 69 ألف متفرج في المباراة الواحدة، وهو رقم صامد في سجلات كأس العالم.
كان النجاح التجاري هائلا أيضاً، بفضل عقود الرعاية الضخمة. لكن الأهم هو أن صيف 1994 أصبح محفورا في الذاكرة باعتباره الصيف الذي وقع فيه جزء كبير من الشعب الأميركي في حب كرة القدم – رغم أن قلة فقط توقعت حدوث ذلك آنذاك.
بالطبع، هناك من يقول إن ثقافة كرة القدم كانت موجودة بالفعل في أميركا قبل المونديال. وربما كان ذلك صحيحاً على نطاق محدود. لكن الحقيقة أن عام 1994 كان العام الذي اقتحمت فيه اللعبة التيار العام الأميركي لأول مرة. ومع اقتراب انطلاق نسخة 2026 في يونيو/حزيران المقبل، يبدو أن اللعبة تستعد للانطلاق إلى مستوى آخر كلياً.
وقال هيركوليز جوميز، نجم المنتخب الأميركي السابق ومحلل شبكة "إي اس بي ان"، لموقع جول: "إذا كانت بطولة 1994 – التي لا تزال أنجح كأس عالم حتى الآن – مؤشرا على شيء، فهو أن نسخة 2026 ستغيّر اللعبة. فقد أدت نسخة 94 إلى ولادة دوري محلي، وكل ما لدينا اليوم سببه تلك البطولة. النسخة المقبلة يمكن أن تأخذ الأمر إلى أبعد.. يمكن أن تشكل وقودا صاروخيا."
كان شعار كأس العالم 1994 هو: "صناعة تاريخ كرة القدم". وبعد مرور ثلاثين عاما، يمكن القول بثقة إن الولايات المتحدة لم تفِ بالوعد فقط… بل تجاوزته بكثير.
هذه الحلقة جزء من سلسلة "Icons" الخاصة بكأس العالم على قناة GOAL. تابعونا على منصة البودكاست المفضلة لديكم... حتى لا تفوتكم أي حلقة.
