هاتريك بيتيس.. هل استحق ميسي كل هذا "التطبيل"

التعليقات()
Getty Images
ليونيل ميسي يقود برشلونة لانتصار جديد في دوري إسباني شبه محسوم، فلماذا كل هذه الضجة إذًا؟

 


يوسف حمدي    فيسبوك      تويتر


مساء الخير، ماذا فعل ليونيل ميسي البارحة ليتحدث عنه العالم كله بهذا الشكل؟ هاتريك في ريال بيتيس؟ هو أمر جيد بطبيعة الحال ولكن هل يستحق كل هذه الضجة؟ هو ليس أول لاعب يقوم بهذا، كما أن ريال بيتيس ليس بالقوة التي تجعل أمر كهذا بالغ الصعوبة، أيضًا الدوري الإسباني هذا شبه محسوم ولا يبدو الانتصار فيه بتلك الأهمية، وأيضًا ميسي هذا لم يسجل في ليالي الأبطال الحاسمة، فمثلًا رونالدو سجل هاتريك في مرمى أتليتيكو مدريد وأعاد يوفنتوس إلى دوري أبطال أوروبا بعد إقصائه إكلينيكيًا، ورغم ذلك لم تحدث حوله نفس الضجة، ألا يبدو الأمر مبالغًا فيه قليلًا؟

صراحةً يبدو الكلام منطقيًا، يبدو منطقيًا فقط من المنطلق الذي يتحدث به أنصار هذا المنطق، لأنه على ما يبدو نحن نتحدث في موضوعين مختلفين، هم يتحدثون عن هاتريك بمعناه الحرفي ــ تسجيل 3 أهداف في مباراة واحدة ــ أما نحن فنرى الأمر بمنظور أخر، لا لن نخبرك بأنه منظور ميسي الفضائي وما إلى ذلك، هو منظور منطلق من ذواتنا وليس من أقدام ميسي أو غيره، منظور سيظل ملازمًا للذات البشرية لأنها خُلقت به؛ ذلك الذي يسمى البحث عن السعادة.

خُلق الإنسان والسعادة ضالته، يبحث عنها وعن المتعة في كل أرجاء الأرض، يفني عمره بحثًا عنها أو عن ما يؤدي إليها، يضحي بثمانية ساعات عمل أو ربما أكثر يوميًا من أجل الحصول على قوت يومه، هذا الذي يمنحه شعورًا بالسعادة قد لا يدوم حتى صباح اليوم التالي، والذي يحمل معه روتين الحياة الممل ويعود به إلى دوامته الصغير من جديد، إلا أن الشعور المؤقت بالسعادة يستحق كل هذه المعاناة، أنظر إلى تلك الجملة وقم بمد الخط على استقامته، ستجدها صالحة للاستخدام في أي موضع آخر يخص الإنسان وحياته بتفاصيلها.

اختبار آخر من عالم التنمية البشرية سنضطر إلى اللجوء إليه، سنلجأ إليه فقط لنعرف الفارق بين ما نتحدث فيه نحن ــ فئة المُطلبين لميسي ــ وما يتحدث فيه الرافضون لذلك، أنصار التمنية البشرية يختبرونك بأن يجلبوا لك ورقة بيضاء كبيرة يتوسطها بقعة سوداء صغيرة، ومن ثم يسألونك ماذا ترى أمامك؟ لهذا السؤال إجاباتان، الأولى أن تقول فراغ أبيض واسع يتوسطه نقطة سوداء صغيرة، والثاني أن ترى الأبيض لا يستحق الذكر لأنه فراغ، وتذكر أنك ترى نقطة سوداء فحسب.

المؤمنون إيمانًا قاطعًا بالتنمية البشرية يفسرون الإجابتين بمنظور ما، وهو أن الإجابة الأولى تدعو إلى التفاؤل، ذلك لأنه رأى الصورة كما هي؛ كثير من الأبيض يشوبه بقعة سوداء صغيرة، تستحق أن توضع في حجمها بأن تذكر نهايةً مع إلقاء الضوء على الأبيض الذي يكتسح الصورة. أما الإجابة الثانية والتي تغفل الأبيض فهي قادمة حتمًا من شخص متشائم، غفل عن الأبيض لأنه لا يحب أن يراه والتقطت عيناه الأسود حتى وإن كان صغيرًا، حقيقة لا يبدو هذا المنطق حتميًا إلا أننا سنتقتبس منه جزءًا حتى نسقطه على ميسي، مع التسليم بأنني في حال كنت أنا من يتوجه إليه هذا السؤال لأجبت بأنني أرى ورقة فحسب، أو ربما أجبت بأنني أرى شخصًا أبلهًا يسألني بعض الأسئلة التي لا يقمة لها، المهم هو ليس موضوعنا الآن.

في هاتريك ميسي بالأمس، وفي كل هدف أو لقطة لميسي نحن ننظر إلى الصورة الكلية، إلى الجانب الأبيض الذي يملأ الورقة، إلى اللعبة بتفاصيلها منذ البداية مرورًا بالإعجاز الذي يكمن في كل خطوة، مرورًا أيضًا بكل لمسة للكرة من أقدامه التي تخبرنا بأن الحياة أكثر سهولة من تعقيداتنا تلك، إلى تسديدة تجعلنا نصفق ومن ثم نسأل عن ماهية فعل ذلك وعن كونه حقيقيًا أم خدع بصرية من أجل التسويق، ونهاية بجملتين إحداها ــ ما هذا يا ميسي ــ تنطلق من المشجع لبرشلونة، وأخرى ــ منك لله يا ميسي ــ من المشجع للفريق المنافس له، الذي أتعبته مثل هذه اللقطات ولكنها أبدًا لن تفقد قدرتها على إبهاره، وعلى إمتاعه كباحث عن المتعة قبل أن يكون مشجعًا لهذا الفريق أو ذاك.

أما الشخص الآخر الذي يرى في ذلك تطبيلًا فإنه ينظر إلى النقطة السوداء، ينظر إلى اللقطة مجردة باعتبارها هدف، وفي حقيقة الأمر لا يبدو الهدف شيئًا صعبًا في عالم كرة القدم، جميعنا سجله في أحيائنا الشعبية مئات المرات، حتى في عالم المحترفين أكثر من ألف هدف يسجلون أسبوعيًا وربما يوميًا حول العالم، لذا فالأمر لا يحتاج إلى هذه الضجة، طالما الكرة تدور ستظل الأهداف مرافقة لها، هل في كل مرة يسجل هدف سنعلن معها نهاية العالم بهذا الشكل؟ بالطبع لا، إذًا فهم على حق في هذه النقطة، فقط النقطة السوداء التي التقطوها وغفلوا عن الصورة التي يملأها البياض، البياض الذي هو سحر ميسي، والنقطة السوداء التي هي كلمة "هدف" وشتان بين هذا وذاك.

كريستيانو رونالدو.. عن الشبح الذي يبدو مرعبًا تحت الضغط

ليونيل ميسي هو ضالة المشجع، المشاهد بالأحرى، ضالة كل شخص يهرب من متاعبه اليومية بمباراة كرة قدم، ضالتي وضالتك وضالة الباحثين عن المتعة، هو قوت يومي ويومك من وجبات كرة القدم التي نحبها، الفارق أن ليو لا يطالبنا بمقابل لهذا، فقط نجلس بكامل أريحيتنا ويأتينا هو بقوتنا حيث نجلس، في كل بقعة من بقاع الأرض يحيا الباحثون عن السعادة، منهم من لا يعرفون شيئًا عن كرة القدم، فلا يعبأون بما يقدمه ميسي أو غيره، ولكن عليك أن تتيقن أنهم في حال ألقوا نظرة على ساحرتنا المستديرة تلك فإن حدقات أعينهم ستظل متسعة أمام ليو، حتى وإن لم يفهموا معنى كلمة هدف من الأساس.

إغلاق