تتأرجح كرة القدم دائمًا بين قطبين متنافرين، النشوة العارمة والانكسار المرير، وفي مشاركة المنتخب المصري في بطولة كأس العالم الأخيرة، عاش المتابعون هذه الثنائية العاطفية بكل جوارحها.
فبعد التأهل التاريخي والملحمي إلى دور الستة عشر، بلغ سقف الطموحات عنان السماء، وتعاظمت الآمال بشكل درامي عندما تمكن الفراعنة من التقدم على أبطال العالم، المنتخب الأرجنتيني، بهدفين نظيفين في موقعة أتلانتا المثيرة.
لكن الدقائق العشر الأخيرة من عمر المباراة حملت انهيارًا مفاجئًا وقاسيًا، أسفر عن خسارة درامية بثلاثة أهداف مقابل هدفين، ليودع المنتخب المصري البطولة تاركًا خلفه عاصفة غير مسبوقة من الجدل والانقسام.
وقبل الخوض في غمار هذا اللقاء، كان من الضروري والملح قبل انطلاق هذه الملحمة الكروية بساعات قليلة، الدعوة الصريحة والواضحة للالتفاف حول راية المنتخب الوطني، واستنكار تلك الظاهرة الشاذة التي برزت لدى البعض بتفضيل تشجيع النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي على حساب الفريق الوطني والوطن الأم، لذلك أنصحك قبل أن تصبح من محتكري وموزعي صكوك الوطنية الذين يستغلون مثل هذه الأحداث لتصنيف الجماهير، أو لتصفية حسابات جماهيرية تخص الأندية واللاعبين أن تقرأ ما كتبته بيداي قبل ساعات المواجهة:مصر ضد أبطال العالم: ليست وطنية كروية ولكن.. ميسي لا يراك وقميص الفراعنة لا يقبل الشراكة!.
ومع ذلك، فإن الانتماء والروح الوطنية لا يعنيان بأي حال من الأحوال التخلي عن الموضوعية والانسياق الأعمى خلف العاطفة الجماهيرية الجارفة.
فبعد انتهاء الرحلة المونديالية، برز على الساحة تياران متناقضان، الأول يقلل من حجم إنجاز الوصول إلى دور الستة عشر وينتقد بشدة الاحتفالات التي رافقته واصفًا إياها بالمبالغ فيها، والثاني يتبنى سردية المظلومية المطلقة ويعلق أسباب الخسارة بالكامل على شجب التحكيم، والمؤامرات الدولية، وانحياز الاتحاد الدولي لكرة القدم لصالح الأرجنتين.
سأسعى فيما يلي إلى تفكيك هذين التيارين بناءً على المعطيات الرقمية والتاريخية والموضوعية، ليثبت بالدليل القاطع أن الاحتفال كان حقًا مشروعًا وطبيعيًا لا غبار عليه، بينما كان الضجيج الذي أعقب الخروج مبالغًا فيه بشكل فج، بل ومفتقرًا لأبسط قواعد المنطق والاحترافية الرياضية في كثير من جوانبه.




