الأخبار النتائج المباشرة
مقالات الرأي

مارادونا، كيف تم استخدامه لتجميل وجه الديكتاتور القبيح؟!

3:23 م غرينتش+2 7‏/9‏/2019
Maradona Argentina 1979
يصادف اليوم الذكرى الأربعين لفوز مارادونا ببطولة العالم للشباب، وهو انتصار استفاد منه الديكتاتور خورخي فيديلا

قبل سفر شباب منتخب الأرجنتين إلى اليابان في أغسطس عام 1979، كان دييجو أرماندو مارادونا مجرد شاب واعد يتحسس خطواته الأولى على مستوى النخبة. وفي الوقت الذي عاد فيه الفريق إلى الوطن وهو يحمل كأس العالم، كان اللاعب ذو الشعر المجعد الذي يبلغ من العمر 18 عامًا مستعدًا لزعامة كرة القدم.

حتى اليوم وبعد مرور 40 عامًا تقريبًا، لا يزال لاعبو فريق شباب «البيسيليستي» يحتفظون بمكانة أسطورية في موطن دييجو، بالنسبة لمارادونا نفسه كانت خطوة عملاقة في مسيرة مظفرة في عالم كرة القدم.

تبدأ القصة في الواقع قبل أكثر من عام بقليل في ضاحية خوسيه باز في بوينس آيرس. كان مارادونا في السابعة عشرة من عمره فقط، لكنه تفاخر بالفعل بخوض موسمين كاملين رفقة أرجنتينوس جونيورز، وسيرته وصلت لحد الحمى، إلى أن دخل في القائمة الأولية للمنتخب الأرجنتيني الأول استعدادًا لكأس العالم 1978.

لكن المدرب سيزار لويس مينوتي أدار أذن صماء لتلك الصرخات المطالبة بالاعتماد عليه. فبعد حصوله على مكان في تشكيلة الأرجنتين الأولية المؤلفة من 25 لاعبًا،  تم إبلاغ دييجو في معسكر الأرجنتين التحضيري بأنه وبسبب قلة خبرته لن يكون ضمن التشكيلة النهائية التي ستشارك في كأس العالم.

كان كارلوس آريس، الصحفي في صحيفة «جرافيكو» يغطّي الفريق في خوسيه باز وتذكر إحباط دييجو المراهق عقب استبعاده، وقال في كتابه حياتي في الإعلام «في ذلك اليوم بقيت لتناول العشاء، عندما غادرت المعسكر كان الجو باردًا للغاية وسمعت شخصًا يبكي بجوار شجرة، كان مارادونا، قلت له أنت تعرف عدد مباريات كأس العالم التي ستلعبها، أليس كذلك؟ لكنه أجابني وهو يبكي.. كيف أخبر والدي؟، قال لي أنه لن ينسى ذلك لمينوتي أبدًا».

وكتب دييجو نفسه في سيرته الذاتية «هناك عندما استبعدت من القائمة النهائية للأرجنتين لأنني كنت صغيرًا للغاية، بدأت أدرك أن الغضب كان بمثابة وقود بالنسبة لي».

لكن كرة القدم الأرجنتينية يجب أن تشكر الله بعد أن تمكن مارادونا ومينوتي من التغلب على هذه النكسة المبكرة في علاقتهما، وعندما تولى المدرب الحائز على كأس العالم مقاليد فريق الشباب بعد 12 شهرًا، حيث كان دييجو نجمه الأول وصانع إنجازه.

صعدت الأرجنتين للبطولة بعد أن احتلت المركز الثاني خلف الأوروجواي، وضم المنتخب آنذاك مواهب هجومية لامعة اعتلت المكانة الكبيرة مستقبلاً مثل رامون دياز.

واجهت خطط مينوتي قبل السفر لليابان عقبات مبكرة وربما خطيرة. في عام 1979، وقعت الأرجنتين في قبضة الديكتاتورية العسكرية، والتي ألحقت العار بالأرجنتين في أنحاء العالم بسبب «الاختفاء القسري للمواطنين» ورحلات الموت حيث كان يتم إلقاء السجناء من الطائرات في ريو دي لا بلاتا.

فرضت السلطات الخدمة العسكرية الإلزامية، والمعروفة باسم «كوليمبا»، وكان من المقرر أن يتم استدعاء ستة من أعضاء منتخب الأرجنتين للشباب في ذلك العام وهم خوان سيمون، وخوان بارباس، وجابرييل كالديرون، وسيرجيو جارسيا، وأوسفالدو إسكوديرو ومارادونا نفسه.

في نهاية شهر أبريل، تم طلب مارادونا للخدمة العسكرية، ما جعله يغيب عن العديد من المباريات لنادي أرجنتينوس، ناهيك عن قص شعره الذي كان يتميز به. بعد أسبوعين أجرى حورًا مع التلفزيون الأرجنتيني الحكومي، وقال "أنا سعيد جدًا لأنني عوملت بشكل جيد، وأحاول دائمًا الالتزام قدر المستطاع بالقوانين. لدي حرية الاستمرار في التدريب واللقاء مع المنتخب الوطني. "

لكن وبفضل وضعهم المتميز، ناهيك عن ولع الديكتاتور خورخي فيديلا باستخدام النجاح الرياضي لتحقيق أهدافه السياسية الخاصة، فإن نجوم الأرجنتين الشباب لم يتم إعفائهم من الخدمة العسكرية لكن كانت خدمتهم بسيطة وسهلة، حتى أن اللاعب خوان سيمون قال عن مهمته في منطقة روزاريو العسكرية «لم أقف كعسكري في أي خدمة، حتى أنني لم أمسك ببندقية، فقط قمت بالفحص البدني»، وبحلول كأس العالم للشباب، تم منح مارادونا وزملائه إجازة من «كوليمبا» بشرط أن يعودوا للخدمة العسكرية بعد نهاية البطولة.

كان الاختبار الأول للأرجنتين في اليابان سهلاً للغاية أمام منتخب إندونيسيا، فسحقه البيسيليستي بخماسية نظيفة، عبر هاتريك من رامون دياز، وهدفين من مارادونا، لكن كان عليهم بذل مجهود أكبر في المباراة الثانية أمام يوغوسلافيا، وفازوا بصعوبة بهدف وحيد عبر إسكوديرو.

كان تحديد صاحب المركز الأول في المجموعة الثانية معلقًا بالفائز من مباراة الأرجنتين ضد بولندا ذات الثقل الكبير، والتي كانت تعج بمجموعة من المواهب الشابة التي حصلت بعد ثلاث سنوات على المركز الثالث في كأس العالم في إسبانيا والتي فازت على يوغوسلافيا وإندونيسيا دون أن تستقبل أي هدف، لكن الصلابة الدفاعية تلك انهارت أمام الأرجنتين التي اكتسحتها بنتيجة 5/1، ولم يحتاج مارادونا سوى 7 دقائق لافتتاح سيرك الأهداف.

في ربع النهائي نجحت الترسانة الهجومية الشابة للأرجنتين في هزيمة الجزائر بخماسية نظيفة، شهدت تسجيل رامون دياز ثاني هاتريك له في البطولة، لتصل الأرجنتين لنصف النهائي.

في نصف النهائي كان على مارادونا ورفاقه التغلب على منتخب الأوروجواي الذي تفوق عليهم في التصفيات اللاتينية، وتكفل دياز ومارادونا بالأمر بهدف لكل منهما، وبات أمام الأرجنتين تجاوز عقبة الاتحاد السوفيتي في النهائي لتحقيق اللقب العالمي الثاني.

«أنتم رجالاً وأبطال بالفعل، لم أعد أهتم بنتيجة هذه المباراة، لقد أثبتم بالفعل أنكم الأفضل في العالم. لا أخطاء ولا أمور مجنونة، أخرجوا والعبوا واستمتعوا أمام 35 ألف متفرج ياباني في المدرجات».. كانت هذه كلمات المدرب مينوتي للاعبين قبل الموقعة الكبرى أمام السوفييت.

انتهى الشوط الأول بلا أهداف، لكن مع مطلع الشوط الثاني تقدم الاتحاد السوفيتي بهدف لم يكن ليعني خسارة الأرجنتين للقب فقط، بل عودتهم إلى المعسكرات العسكرية عند العودة، لكن الأرجنتين نجحت في إدراك التعادل عبر هوجو ألفيس، ثم سجل دياز هدف التقدم، ولكن كان من المحتم أن يكون لمارادونا الكلمة الأخيرة. وقبل 15 دقيقة على النهاية، سدد معجزة أرجنتينوس كرة من ضربة حرة من على حافة المنطقة نالت من شباك السوفييت وأمنت اللقب لشباب الأرجنتين.

كانت القصة جميلة عند هذه اللحظة، لكن إصرار الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين على إلصاق الإنجاز لتبيض وجهها الأسود هو الشيء المرير. بمجرد العودة إلى بوينس آيرس، كانت الاحتفالات الرسمية جاهزة، والغريب أنها جاءت بالتزامن مع زيارة وفد من المحكمة الدولية لحقوق الانسان إلى الأرجنتين للتحقيق في تقارير عن حالات اختفاء قسري وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.

وفي الوقت نفسه، أُجبر مارادونا وزملاؤه الخمسة على العودة إلى كوليمبا لاستئناف الخدمة العسكرية بما في ذلك لقاء مع الديكتاتور نفسه في مقر الجيش.

في عام 2017 وضع مارادونا منشورًا على حسابه على موقع إنستجرام قال فيه «رغم أننا كنا أبطال كأس العالم للشباب في عام 1979، إلا أن هذا اللقيط فيديلا استخدمنا لنبيض وجهه. لقد جعلنا نقص شعرنا ونؤدي الخدمة العسكرية». وأضاف إسكوديرو من جانبه «لقد كان هذا هو الأمر الذي جعلنا نحضر له كأس العالم من اليابان!»

كان هذا الاحتفال القسري مروّعًا بشكل خاص لجورج بياجيو، حيث كان ابن عمه من بين المعتقلين رسميًا والمختفين، حيث فقد في أثناء قيامه بالخدمة العسكرية في عام 1978، ولا يزال مفقودًا حتى يومنا هذا.

العديد من لاعبي هذا الجيل، فشلوا في إحداث تأثير كبير في مسيرتهم بعد ذلك، لتكون بطولة الشباب عام 1979 بمثابة قمة إنجازاتهم الكروية. بالنسبة لمارادونا، فإن الأفضل - والأسوأ - لم يكن قد أتى بعد.