تخيل أن تمزج عالم كرة القدم مع السياسة، ثم ضف للخلطة حالة وفاة يشوبها الغموض وتحيط بها الشبهات، وستكون المحصلة النهائية حبكة تصلح لرواية بوليسية تضاهي أعمال أجاثا كريستي، أو سيناريو فيلم هيتشكوكي.
ولكن نحن هنا نتحدث عن قصة حقيقية، قصة لاعب صُنف على أنه الأفضل في تاريخ بلاده بالقرن العشرين ولكن اصطدامه بصعود قوى عظمى كتب الفصل الأخير في حياته.
الحديث هنا من ماتياس سينديلار، اللاعب النمساوي الذي وُصف بموزارت كرة القدم، وتم اختياره في 1999 كأفضل لاعب في تاريخ النمسا بالقرن العشرين رغم رحيله عن عالمنا في 1939 في الخامسة والثلاثين من العمر.
وُلد في 1903 لأسرة مسيحية كاثوليكية في مورافيا، إذ انحدرت أصوله من جمهورية تشيكيا الحالية، ولكن وقتها كانت المقاطعة الشهيرة ضمن الإمبراطورية النمساوية المجرية، وتلك المعلومات ضعها في ذاكرتك لأن ستحتاجها لاحقاً..
بعد وفاة والده، عمل ماتياس كحداد، وبعض الروايات قالت كميكانيكي، ولكن الأكيد أن مسيرته الكروية انطلقت في 1918 في هيرتا فيينا حيث وُصف بأنه "الرجل الورقي" بسبب خفة وزنه ولكن مهارته وسرعته العالية.
خفة الوزن وضعف البنية كانت السبب في تكرر إصابته على مستوى الركبة، وهي التي كانت السبب في انتقاله الكبير لأوستريا فيينا عندما تعرض لإصابة خطيرة استشار على إثرها طبيب النادي الشهير، والذي عرف كيف يعالج مشكلته الدائمة، وبالتالي اتخاذ قراره باللعب لأوستريا ليكون على قرب منه، وهناك برزت موهبته وتحول لأسطورة النادي، ونظرة على أرقامه تجعلك تفهم لماذا، 703 مباراة، 600 هدف!
مع المنتخب النمساوي سطع سينديلار، شارك في مونديال 34 ولفت الأنظار، ولكن بنفس سرعة صعود مسيرته في الملاعب، كانت هناك قوة عظمى تبرز على الحدود.
في تلك السنوات كانت ألمانيا النازية بقيادة الرايخ الثالث وأدولف هتلر قد بدأت في التوسع، وكان من أوائل الضحايا النمسا التي تعرضت للغزو في مطلع الحرب العالمية الثانية في 1938، العملية التي تعرف تاريخيا ب"أنشلوس".
الأنشلوس كان يعني نهاية ما يُعرف بالنمسا رسمياً، ودخولها تحت لواء ألمانيا النازية بكل المجالات، ومن ضمنها الرياضة وكرة القدم. طمعت ألمانيا في المنتخب النمساوي الذي تألق قبل أربعة أعوام في المونديال، وأرادت أن تنضم عناصره المميزة لصفوفها، ومن ضمنهم سينديلار، وقررت إقامة مباراة في أبريل 38 للاحتفال بالمزج جمعت البلدين للمرة الأخيرة.
Socialبحسب "جارديان"، لم يكن سينديلار يهودياً، بل وُلد مسيحياً كاثوليكياً، ولكن عُرف عنه ميوله لليهود وتعدد صداقاته معهم، ورفضه للسياسات التمييزية للاحتلال النازي ضدهم، مما جعله تحت عدسة الجستابو، أو البوليس السري النازي، ولكن واقعة معينة كتبت بداية النهاية.
مرة أخرى نعود لتلك المباراة الاحتفالية في أبريل 38، والتي أُقيمت في ملعب "إيرنست هابل" الشهير في النمسا، والذي كان يدعى "براتل" وقتها، وشهدت مشاركة سينديلار وبقية نجوم النمسا في لقاء يفترض أن يكون بشكل استعراضي وتكريمي للنازيين الممثلين في المقصورة الرئيسية بمجموعة من أبرز رجال هتلر.
تقول صحيفة "wienerzeitung" إن زملاء سينديلار قرروا بناء على أوامره تحدي الألمان، فغيروا زي الفريق من الأبيض والأسود التقليدي إلى الأحمر والأبيض الذي يرمز للعلم النمساوي، وفي الشوط الأول تعمدوا إهدار الفرص أمام المرمى المفتوح، ثم سجل سينديلار أخيراً ومن بعده كارل سيستا هدفين بآخر 20 دقيقة، لتسقط ألمانيا أمام البلد الذي يفترض أن تحتفل باحتلاله!
تقول الأسطورة التي تؤكد "جارديان" أن لا يوجد أي مشاهد أو فيديوهات للأسف لتلك الواقعة إن سينديلار اختار الاحتفال بعد المباراة أمام المقصورة التي تعج بجنرالات النازية، وقام بالرقص وبعض الحركات الاستفزازية التي لم تمر مرور الكرام على الحضور رفيع المستوى.
اندمج المنتخب النمساوي بعد تلك المباراة رسمياً مع نظيره الألماني، ولكن "موزارت" الكرة النمساوية لم يلعب أي مباراة تحت العلم الألماني، إذ في مرات تعلل بكبر السن، وأخرى بالإصابة، الأمر الذي أجج من حالة الغضب والريبة بحقه من طرف الألمان.
بعد أشهر قليلة من مباراة ملعب "براتل"، وبالتحديد في يناير 1939، وُجد سينديلار ميتاً مع صديقته كاميلا كاستانيولا في أحد المنازل بفيينا، الوفاة التي أثارت الكثير من الحبر.
كانت كاميلا إيطالية من أصول يهودية بحسب بعض التقارير، ولكن لم يُثبت الأمر، ولكن بحسب تقرير "جارديان" فعلاقة الثنائي لم تكن تخطت 10 أيام، وذلك المنزل الذي وُجدت فيه جثة ماتياس وكاميلا يعود ليهودي أراد اللاعب مساعدته في التحايل على قوانين النازية بالتنازل عن ممتلكاته بالإجبار، فقرر سينديلار شرائه مقابل 20 ألفاً.
وُجد الثنائي عاريان في فراشهما، وتم تسجيل سبب الوفاة الرسمي على أنه اختناق من غاز أول أوكسيد الكاربون، السبب الذي شكك فيه الكثيرون وقتها كون الجيران لم يشعروا بأي تسريب بحسب الروايات المنتشرة، وانتشرت نظريات تقول إن الأمر قد يكون مدبراً، أو أن اللاعب انتحر بسبب الضغط عليه، لدرجة أن الشاعر فريدريتش توربرج كتب قصيدة بعنوان "وفاة لاعب كرة" عزا فيها وفاة سينديلار للانتحار بسبب رفضه الاندماج مع ألمانيا النازية.
حتى وقتنا هذا لم تتوقف النظريات، "جارديان" في 2020 نشرت رواية عن بلاغ من أحد الجيران قال إنه أبلغ بوجود عطل في المدخنة بالمبنى، وأن هناك تسريب، الأمر الذي قد يفسر الوفاة، بينما في 2000 نشرت "BBC" وثائقياً تحدث فيه إيجون أولبريخ، صديق سابق للاعب، قال فيه إن مسؤولاً نمساوياً محلياً تم رشوته لتسجيل الوفاة كحادثة حتى يتم تكريم سينديلار بعد وفاته بمراسم رسمية لأن قوانين النازية كانت تنص أن وفيات الانتحار أو القتل لا يحصلون على جنازة أو تكريم رسمي.
تقرير آخر كشفت عنه "جارديان" في 2014 قال إن الجستابو كان بالفعل يضع نشاطات سينديلار تحت المراقبة منذ واقعة المباراة، وأن شراء ذلك العقار من اليهودي جعل شرطة هتلر تخصص له نظام مراقبة خاص بصفة يومية.
كيف مات سينديلار؟ الأكيد أنه كان بالاختناق هو وصديقته، ولكن هل كانت مجرد صدفة أم عن عمد بيد النازيين؟ لا أحد يعرف والسجلات الرسمية المتاحة بأرشيف النمسا يسجل فقط أن من يعد الأفضل في تاريخ البلاد القرن الماضي رحل عن عالمنا في 23 يناير 1939 مختنقاً، تاركاً المجال لنظريات المؤامرة لحل أحد أكبر ألغاز عالم كرة القدم.
