الاستثمار في العقول، ربما هذا هو الوصف الأمثل لما يحدث في كرة القدم الألمانية على مدار السنوات الماضية، الأمر الذي كان نتيجته المحتمة هي نجاح ساحق لم يبدأ فقط في 2020، بل كان على مدار العقد الماضي كاملًا.
اليوم يتواجد ثلاثة مدربين ألمان في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، كما أن بطل النسخة السابقة للبطولة كان ألمانيًا أيضًا، لم يعد الأمر يتعلق فقط ببايرن ميونخ، بل إنه نتاج فلسفة تُتبع في البلاد وهدفها واحد، إيجاد أفضل العقول الكروية.
أصبح السن مجرد رقم لا يُنظر إليه، أصبحت الأفكار هي المحرك الأساسي، الشجاعة والشخصية هما أساس كل شيء، بل وصل الأمر إلى أن الابتكار التكتيكي بات مكانه ألمانيا أكثر ربما من أي دولة أخرى في العالم.
من الظلم حقًا أن يتم حصر الأمر في نجاحات 2020 بالنظر إلى أن العقول الألمانية تحركت في كل الاتجاهات بالسنوات الأخيرة وحققت كل شيء، والمقصود هنا بالعقول الألمانية ليس فقط من يحملون الجنسية، بل أيضًا من بدأوا حياتهم ومسيرتهم الكروية كاملة في هذه البلاد.
نستعرض سويًا في هذا التقرير كيف تطور المدرب في البيئة الألمانية حتى هيّمن في 2020 على كرة القدم الأوروبية في ثلاث موجات مختلفة.
الموجة الأولى: يورجن كلوب - البداية
Getty Imagesكل شيء بدأ من هنا، لقد كانت تجربة يورجن كلوب في بوروسيا دورتموند هي التجربة الأكثر تأثيرًا في كرة القدم الألمانية في القرن الواحد والعشرين، هي كانت البداية لكل شيء تحصده الأندية الألمانية أو العقول الألمانية بشكل عام.
أتى كلوب إلى دورتموند وهو مجرد مدرب واعد قدّم كرة قدم جيدة مع ماينتس، تجربة لم تكن معتادة بأن يتم الدفع بمدرب شاب في نادٍ جماهيري عريق وتُترك له زمام الأمور لسنوات رغم أن أكبر إنجازاته كانت التأهل إلى البوندسليجا بماينتس وفي أفضل الأحوال التواجد بين أول 10 فرق في جدول الترتيب.
آرمين فيه، المدير الفني الذي قاد شتوتجارت إلى التتويج بلقب الدوري الألماني في موسم 2006-2007 قال شيئًا يُلخص عقلية الكرة الألمانية ما قبل كلوب "لقد فزت بثلاثة ألقاب في المستوى الأدنى حتى تتسنى لي فرصة العمل على صعيد البوندسليجا، الآن بات من غير الضروري هذا، الأمور انقلبت تمامًا".
في الوقت نفسه، لم يحقق كلوب ألقابًا في أول فترة له مع دورتموند، وصبرت الإدارة عليه، في هذا الصدد يقول سفِن ميسلينتات، أحد أهم كوادر دورتموند ورئيس قسم الكشافة الشهير هناك "قررنا أن نمنحه الفرصة كاملة ومددنا عقده لعامين"، كان هذا عكس السائد أيضًا.
بعد نجاح يورجن كلوب الساحق في دورتموند، عمدت كل أندية ألمانيا على استنساخ يورجن كلوب الجديد لديها، من هُنا كانت البداية، حيث نظرت الأندية إلى المدربين الشباب وأفكارهم الجديدة المختلفة، أرادوا رؤية تلك الكرة التي يقدمها كلوب والتي من شأنها أن تثير وتجذب انتباه أي متابع في العالم.
قدّم كلوب فكرة الضغط العالي بصورة مختلفة تمامًا عن سابقيه فيما يُعرف بـ"gegen pressure"، معه دورتموند كان من أكثر الأندية إمتاعًا، وطريقة سير مشروع الفيستيفاليين بشكلٍ عام كانت كفيلة بأن تحلم جميع الأندية الألمانية باستنساخ التجربة بشكلٍ أو بآخر.
في ماينتس، ظهر توماس توخيل بدلًا من المدرب الأكبر سنًا وخبرةً يورن أندرسن، بعدها بسنوات قليلة ظهر ماركوس فاينتسيرل في أوجسبورج، في تلك الفترة أيضًا تحصل تورستن فينك على فرصته مع هامبورج ورأينا ينس كيلر في شالكه وبرونو لاباديا مع هامبورج وليفركوزن وشتوتجارت، وكذلك هولجر شتانيسلافيسكي مع سانت باولي، ومرورًا بأسماء كساشا ليفاندوفسكي وروبن دوت وكريستيان شترايش وديتر هيكينج وغيرهم.
الأكيد أن تلك الأسماء اختلافها كان في أن المدربين من ذوات "الكاريزما" ومن ذوات التفكير، مشروع يورجن كلوب جديد بالأحرى.
كل تلك الأسماء التي كانت شابة حينها سواءً من فشل منها أو من نجح، خرج من رحم تجربة كلوب، جميعهم أرادوا تقديم كرة قدم جيدة واللعب بهجوم، الأندية بدورها أرادت تكرار التجربة، البعض أتى بثماره والبعض انتهى مبكرًا، لكن في النهاية كانت هي الموجة الأولى للاستثمار في عقول شابة وصغيرة بدلًا من الاعتماد كما كان يُحبذ حينها، على المدربين المتقدمين في العمر من ذوات الخبرة بالدرجة الأولى.
الموجة الثانية: مدربون فرق الرديف - الركود
Gettyفي الفترة بين 2013 وحتى 2016 برزت ظاهرة جديدة وهي الاعتماد على مدربين فرق الشباب والرديف بالمقام الأول في تجارب تتسم بالخطورة إلى حد كبير بدلًا من جلب مدرب ذات تجربة وخبرة على الأقل مع فرق صغيرة (مثل كلوب ماينتس إلى دورتموند، ولاباديا ودوت وغيرهم)، الأمر الذي أدى إلى ظهور عدد من الأسماء الجديدة، لكن يمكن وصف هذه الموجة الثانية بأنها كانت فاشلة إلا أنها وضعت أساس الموجة الثالثة والأهم على الإطلاق.
قام هامبورج بتعيين جو تسينباور، شتوتجارت اعتمد على 2 من أبنائه وهما توماس شنايدر ثم ألكسندر تسورنيجر، وفي بريمن خلف دوت مدرب الرديف سكريبنيك ثم نوري، تكرر الأمر مع أكثر من نادٍ آخر، و99% من هذه التجارب قد فشلت.
صحيح أنهم مدربون شباب أيضًا، لكن اختلاف الأفكار أو السمات الشخصية هو الجوهر، لم يكن شنايدر أو تسينباور مثل توخيل أو فاينتسيرل مثلًا، بل إن الأندية جلبت أولئك الشباب فقط لأنهم شباب، أغرتهم فكرة المشروع الشاب من دون النظر إلى العوامل الشخصية للمدرب التي تؤدي إلى النجاح والفشل.
لقد عاشت كرة القدم الألمانية في تلك الفترة نوعًا من أنواع الركود فيما يخص المدربين يمكن فهمه بأن بايرن ميونخ نفسه لجأ للتعاقد مع 2 مدربين من خارج ألمانيا "بيب جوارديولا وكارلو أنشيلوتي" بدلًا من المجازفة بأسماء لا تبدو رنانة، أسماء تواجدت لكونها شابة، لا لكونها أصحاب فلسفة أو فكرة.
هنا كان السبيل ممهدًا للموجة الثالثة والأهم، تلك التي قادها يوليان ناجلسمان.
الموجة الثالثة: ثورة ناجلسمان على كل شيء
Imago Images / Poolfotoمنح يورجن كلوب الفرصة لجيل كامل من الشباب في البزوغ بسبب نجاحه مع دورتموند، بالوقت بدأت الأندية تعتمد بصورة أكبر على مدربيها الشباب وبعد الفشل، بدأ البعض في التوجه إلى خيارات راديكالية تمامًا خارج الصندوق، هدفها الأول هو تقديم كرة ممتعة ولا شيء سوى ذلك.
الجمهور الألماني في العقد الأخير كان واضحًا في أنه لا يريد كرة قدم دفاعية، يريد مباريات جميلة ممتعة مليئة بالأهداف، ربما أصاب بعض المدربين في فترة 2013 إلى 2016 ركودًا تكتيكيًا تمثل في ضعف خبرتهم والنقطة الأهم، ضعف موهبتهم نفسها، الأمر الذي استدعى ظهور شخص ثوري غيّر من الكرة الهجومية التقليدية إلى كرة قدم جديدة تتسم بأفكار جديدة جدًا على كرة القدم، ومعه تغيرت البوندسليجا.
هذا الشخص كان يوليان ناجلسمان، من أوائل إن لم يكن أول من لعب بطريقة 3-2-2-2-1، أحدثت هذه الطريقة ثورة حقيقية في هوفنهايم من جهة، ومن جهة أخرى ألمحت لبقية الأندية أن "العمر مجرد رقم" وأن كما كان كلوب وقودًا للاعتماد على المدربين الجدد الشباب، فإن ناجلسمان بات وقودًا أيضًا ولكن لصغيري السن والتجربة للوصول إلى البوندسليجا حال شرط واحد فقط وهو الموهبة والابتكار.
تبع تعيين ناجلسمان في تدريب هوفنهايم وصول دومينيكو توديسكو لتدريب شالكه وهو في عمر أصغر من ذلك الذي تولى فيه الأول تدريب نادي الجنوب، ثم رأينا بدايات مدربين واعدين مثل هانيس فولف في شتوتجارت وكوفيلدت في بريمن وغيرهما.
الآن أغلب أندية ألمانيا أيًا كان مدربها يلعب بطريقة ناجلسمان بـ3 في خط الدفاع، الآن تنظر الأندية إلى مدربيها في قطاعات الشباب وتريد استنساخ التجربة، تمامًا كما كان الحل لكلوب.
ثورة ناجلسمان لم تتسبب فقط في الاستنساخ، بل إنها أيضًا تسببت في شيء آخر فريد من نوعه وهو الندية، ومن هنا خرج هانزي فليك إلى النور، لا يعتمد مساعد لوف السابق على طريقة المدرب الشاب وإن تشابها في حب الضغط العالي والهجوم، لكن من وحي الركود ثم الثورة ظهرت أفكار فلسفية جديدة، كانت النواة التي جعلت فليك يُصنف الآن بأحد أفضل المدربين في العالم.
يمكن القول هنا أن ناجلسمان وتوخيل هما نتاج مرحلتين مختلفتين ولكن متصلتين، مرحلة توخيل كان وقودها هو كلوب والشباب، بينما وقود مرحلة ناجلسمان كان الركود، كلوب كناجلسمان، كلاهما مبتكر وثوري وقضا على ركود كبير، وجعلا الألمان يركزون أولًا وأخيرًا على فكرة واحدة وهي.. الاستثمار في عقول المدربين الشباب، والاستثمار في الثوريين كفليك، والآن تُجنى الثمار.
