روسيا - بطرسبيرج | محمود ماهر | فيسبوك | تويتر
فَجّر المنتخب الألماني مفاجأة غير متوقعة ببلوغه للدور النهائي من بطولة كأس القارات 2017 بتشكيلة خلت من أسماء رنانة مثل توني كروس وسامي خضيرة وماتس هوملز ومانويل نوير وتوماس مولر، بهدف تحضير جيل جديد قادر على خوض منافسات كأسي العالم 2018 ويورو 2020.
البداية لم تكن موفقة لرجال المدرب يواخيم لوف، إذ فازوا على أستراليا بأعجوبة (2/3)، وظهرت بعض الثغرات في خطوطهم الخلفية، لا سيما منطقة العمق بسبب ضعف تفاهم الحراس الثلاثة مع قلوب الدفاع.
وتحسن المردود الدفاعي للفريق في المباراة التالية أمام تشيلي عندما انتهى اللقاء بالتعادل الإيجابي 1/1، لكن ألمانيا كانت الأحق بالفوز في تلك المباراة ولو بهدفين على أقل تقدير.
وفي المباراة الثالثة من دور المجموعات، كشر هذا الجيل عن أنيابه الحقيقية بهزيمة الكاميرون 1/3، بعد انتهاء الشوط الأول بالتعادل السلبي، حيث لعبت الكاميرون بكل ما لديها من قوة بسبب استعادتها لأمل بصيص بعد تعادلها مع أستراليا في الجولة الثانية 1/1.
“الماكينات بمَن حضر”
Gettyعبارة صارت تنطبق على الألمان منذ عام 2006 عندما أذهلوا العالم بالتأهل إلى نصف نهائي المونديال بخليط من الشباب والخبراء، ليعوضوا اخفاق الخروج من الدور الأول ليورو 2004 على يد التشيك وهولندا ولاتفيا.
بمرور الوقت تقلص معدل أعمار الفريق ما بين 20 إلى 25، لنجده بعد عامين فقط يبلغ نهائي يورو 2008 ومن ثم نصف نهائي مونديال 2010، حتى صار بطلاً لمونديال 2014 وبنتائج عظيمة أمام الكبيرين “البرازيل والأرجنتين”.
وبرهن الألمان مدى قدرتهم على تجديد دماء فريقهم دون المساس بعقلية الفوز بالبطولات خلال كأس القارات المقامة حاليًا على الأراضي الروسية، فبمجموعة شبان تتراوح أعمارهم ما بين 18 إلى 23 عامًا، معظمهم من القوام الرئيسي لمنتخب الشباب الذي أخفق في أمم أوروبا بالتشيك عام 2015 ثم في أولمبياد ريو دي جانيرو 2016، استطاعوا مرافقة تشيلي إلى النهائي بعد اكتساح المكسيك في نصف النهائي بأربعة أهداف لهدف.
واكتفى المدرب يواخيم لوف بتطعيم النسخة الحالية لمنتخب ألمانيا بثلاثة لاعبين ممَن كانوا رفقته في مونديال البرازيل على رأسهم مدافع آرسنال «شوكدران موستافي» ونجم باريس سان جيرمان «جوليان دراكسلر» وجناح نادي كولن المطلوب في عدة أندية كبرى «جوناس هيكتور».
وتألق الثنائي «جروتسيكا ورودي» على الدائرة بصورة مُلفتة للأنظار، فقد نجحا في إراحة دراكسلر وشتيندل وفيرنر من تأدية الأدوار الدفاعية، وكانا يقدمان للدفاع وللهجوم يد العون بصفة مستمرة، ولهذا هما أحد أهم نجوم هذه النسخة من البطولة.
وسجل جروتسيكا الهدف الثالث في المباراة الأولى أمام أستراليا، وعاد ليتألق أمام المكسيك بتسجيله لهدفين في غضون 8 دقائق فقط، كما قدم أداءً متزنًا أمام تشيلي والكاميرون في المجموعات لتأتي معظم أهداف الفريق بفضل التوزيع المثالي منه للكرات على طرفي الملعب سواء نحو هينريشس أو كيميتش أو هيكتور.
ما السر؟
Gettyودعت روسيا البطولة بسبب خسارتها أمام المكسيك 1/2 في الجولة الأخيرة من دور المجموعات، رغم تمكنها من التقدم في منتصف الشوط الأول من تلك المباراة، أما ألمانيا فأنهت مباراة نصف النهائي أمام المكسيك خلال الشوط الأول فقط بثنائية نظيفة، وخلال الشوط الثاني أضافت ثنائية أخرى، ولم تستقبل أكثر من هدف رغم الشراسة الهجومية التي لعب بها فريق المدرب «أسوريو».
ويتساءل الشارع الروسي منذ صباح اليوم الجمعة عن سر التفوق الألماني، وكيف لفريق تَكون قبل بدء البطولة بأسابيع قليلة يستطع التأهل إلى النهائي بهذه البساطة، بينما فريقهم يُودع من الدور الأول رغم كل التحضيرات التي قام بها المدير الفني “ستانيسلاف تشرتشيسوف” منذ أشهر من البطولة بخوض عدد ثلاث مباريات ودية أمام منتخبات ليست بالهينة، إذ تعادل مع بلجيكا 3/3 وتشيلي 1/1 وهزم المجر 3/0.
الكل توقع توديع ألمانيا للبطولة مُبكرًا بسبب عدم اصطحاب لوف لأهم العناصر، وأتهم المدرب بالغرور والثقة المُفرطة، إلا أن المعايير والأسس التي وضعها الاتحاد الألماني كان لها مفعول السحر فيما بعد، لأن كل اللاعبين الذين دعاهم للبطولة لديهم ما يكفي من خبرة. صحيح ليست لديهم خبرة دولية لكنهم جميعًا يتمتعون بالخبرة الميدانية لمشاركتهم بصفة دائمة مع أنديتهم.
الاتحاد الألماني وضع استراتيجية جديدة بعد الخسارة المدوية من البرازيل (4/صفر) في دور مجموعات كأس القارات عام 1999 أجبر أندية الدوري المحلي على اتباعها من أجل منتخب قوي قادر على مُناطحة العمالقة، والعودة لتصدر التصنيف الدولي.
ونصت تلك الاستراتيجية على اعتماد أندية البوندسليجا على اللاعبين المحليين أكثر من الأجانب، والحد من الاستعانة باللاعب الأجنبي من أجل منح اللاعب الألماني الصاعد الفرصة بصفة مستمرة، حتى لو أثر ذلك بالسلب على حظوظ الفرق في المنافسات القارية أمام أندية الصفوة بدوري الأبطال مثل ريال مدريد وبرشلونة وميلان والإنتر ومانشستر يونايتد وليفربول.
وبالفعل تكبدت الأندية الألمانية خسائر بالجملة على مدار الـ 17 سنة الماضية “أوروبيًا”، واكتفى البوندسليجا بدوري الأبطال مرتين عامي 2001 و2013 باسم بايرن ميونخ الذي خسر النهائي مرتين عامي 2010 و2012 أمام الإنتر وتشيلسي.
على سبيل المثال، خلال الموسم الماضي، تيمو فيرنر صاحب الـ 20 عامًا، شارك مع ليبزج في 31 مباراة وسجل 21 هدفًا. ليون جوريتسكا صاحب الـ 22 عامًا لعب 30 مباراة مع شالكه وسجل 5 أهداف، بينجامين هينريتشس صاحب الـ 20 عامًا ظهر 29 مرة غي الدوري مع ليفركوزن، وجوشوا كيميتش صاحب ال22 عامًا لعب 27 مباراة مع بايرن ميونخ وسجل ستة أهداف، وكان صاحب الـ 23 عامًا “ماتس جينتر” أحد الأعمدة الرئيسية لبوروسيا دورتموند بمشاركته في 29 مباراة.
هذا ما لم يحدث مع جيل اللاعبين الجدد الذي استعان به المدير الفني لألمانيا في القارات عام 1999 “إريش ريبيك”، فمثلاً توماس لينكي لم يكن مدافعًا أساسيًا آنذاك مع فريقه وكذا كريستيان فورنس، ويورج هينريش ومايكل بريتست وهيكو جيربير، وكان لوثر ماتيوس في آخر حياته الكروية، وميشئيل بالاك في بداياته!.
وبعد الخسارة من البرازيل برباعية “زي روبرتو ورونالدينيو وأليكس”، انتصر الفريق على نيوزيلاندا 2/صفر وفي الجولة الأخيرة خسر بثنائية أولسين ومور أمام الولايات المتحدة الأميركية، فكان الأمر أشبه بجرح الكرامة الذي هز الألمان ودفعهم نحو التخطيط للمستقبل، وتحضير لاعبين جدد وشبان بصفة دائمة كي تبقى الماكينات “ماكينات” بأتم ما تحمله الكلمة من معنى لصناعة مجد البلاد دون بروباجندا زائفة!.
خدمة توزيع المباريات
لم يواجه المنتخب الألماني أية ضغوطات إعلامية في هذه البطولة بسبب وضع جميع مبارياته في مدن بعيدة كل البُعد عن أنظار وسائل الإعلام مثل كازان وسوتشي.
كازان في أقصى شرق روسيا، وتَبعد 20 ساعة بالقطار عن العاصمة موسكو، أما سوتشي فهي في جنوب البلاد وتَبعد 22 ساعة بالقطار عن موسكو!.
ولعبت البرتغال مرة في موسكو ومرة أخرى في بطرسبيرج، والشيء نفسه يخص تشيلي والكاميرون ونيوزيلاندا وأستراليا وبالطبع روسيا، ومن هنا أفلتت ألمانيا من عدسات المصورين والتطفل المزعج للصحفيين الذين تمركزوا في موسكو وبطرسبيرج بسبب قرب المسافة بينهما.
Gettyوانتظرت ألمانيا حتى يوم 19 يونيه للعب مباراتها الأولى، أي بعد يومين من المباراة الافتتاحية للبطولة، وأقيمت على ملعب فيشت الأولمبي بمدينة سوتشي، وفي يوم 22 يونيه سافر الفريق إلى مدينة لا تختلف في طبيعتها الكثير عن سوتشي هي كازان لمواجهة تشيلي في الجولة الثانية.
وفي الجولة الثالثة عاد المنتخب الألماني إلى مدينة سوتشي لمواجهة الكاميرون يوم 25 يونيه، وظل الفريق هناك لاستقبال المكسيك في نصف النهائي، وكانت المكسيك قد لعبت على ملعب كازان أمام روسيا يوم 24 يونيه!.
وكان Goal من ضمن وسائل الإعلام التي فضلت الاستقرار في موسكو معظم الوقت على السفر إلى مدينتي سوتشي وكازان بسبب مشقة السفر وضيق الوقت.
