الأخبار النتائج المباشرة

تطور المراكز (1) - كيف وصل "المهاجم" لما هو عليه الآن؟

11:21 ص غرينتش+2 22‏/11‏/2018
Herbert Chapman
تطورات عديدة شهتها كرة القدم وأخرى منتظرة في المستقبل. سلسلة "تطور المراكز" تُطلعكم على التغيرات التي حدثت في مراكز اللاعبين داخل الملعب على مر العصور

حسن الخواجة    فيسبوك      تويتر

تغييرات جذرية كثيرة حدثت في كرة القدم ، من ناحية القوانين وطرق اللعب، صعود أندية صغيرة وهبوط أخرى عريقة  بل وتغيرت أيضًا مفاهيم عديدة. أحد أهم هذه التغيرات هي وظائف اللاعبين داخل الملعب.

نستعرض معًا كيف تطور مفهوم المراكز على أرض الواقع والبداية مع مركز المهاجم الذي شهد تغيرات كثيرة.


لماذا الرقم 9 للمهاجم؟


في البداية كان اختيار الرقم 9 للمهاجم مجرد صدفة بحتة، حيث بدأ ذلك في عشرينيات القرن الماضي، وتحديدًا في مباراة فريق أرسنال ضد فريق شيفيلد يونايتد، وجاء اعتماد الرقم 9 للمهاجم بسبب كيفية ترتيب اللاعبين في الملعب، وكانت الخطة المتبعة في البداية هي خطة 3-5-2.

سُمي هذا الأسلوب باسم هرم كامبريدج، وبدأ تطبيقه من قبل فريق بلاكبيرن روڤرز الإنجليزي، والذي نجح بعدها في التتويج بالدوري الإنجليزي لمدة 5 مواسم متتالية.

تحولت تلك الطريقة لاحقًا إلى طريقة "WM Formation" من قبل فريق أرسنال مع المدرب هيربرت شابمان، واتفق الطريقتان على نفس المهام المسندة إلى مركز رأس الحربة ذو الرقم 9.

رأي غير محايد | هل حان وقت المغامرة والاستغناء عن ميسي في الأرجنتين؟

كانت تلك المهام بسيطة أهمها تسجيل الأهداف عن طريق العرضيات، أو استقبال الكرات العالية والحفاظ عليها حتى ظهور زميل آخر.

ولكن اشترطت تلك المهام أن يكون المهاجم قويًا وطويلًا حتى يستطيع التفوق من الناحية البدنية ضد المُدافعين، والذين اتبعوا أسلوب المراقبة اللصيقة رجل لرجل.

كان ذلك التوجه سائدًا في دول أوروبا الغربية خاصةً دولتي إنجلترا وأيرلندا، وساعدتهم القوة البدنية التي يشتهر بها الشعب البريطاني على ذلك.


صراع الفكر ضد القوة البدنية


ظهرت بعد ذلك مدرسة الدانوب في النمسا في أواخر عشرينات القرن الماضي، وكانت بداية صراع الأفكار والمهارات ضد القوة البدنية، ومن أهم نقاط ذلك الصراع اختلاف ممارسي اللعبة من ناحية البنية الجسمانية والتكوين.

أصبح هذا الاختلاف واضحًا بشدة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وتوجه دول عديدة مثل النمسا وتشيكوسلوڤاكيا والمجر لممارسة كرة القدم، حيث لم تستطع تلك الدول مجاراة دول غرب أوروبا من ناحية القوة البدنية بسبب تميزهم في الطول والقوة، خاصةً خطوط الدفاع بسبب قصر قامة مهاجمي تلك الدول.

اضطرهم ذلك لإيجاد حل أو صفة يتميزون بها، وكانت التمريرات القصيرة هي الحل حيث تعتمد على الذكاء والأفكار الجديدة بدلًا من القوة البدنية وطول القامة.

هنا بدأت الثورة الكروية بتحويل خطة 5-3-2 إلى 2-3-2-3 أو ما عُرف بـ"Modeto"، وجاء ذلك على يد المدرب الإيطالي التاريخي فيتورو بوتسو بالشراكة مع النمساوي هوجو ميسل، وبدأ بعدها الاهتمام بخط النصف بشكل أكبر.

ثنائي يتحرك تحت خط الهجوم لمضاعفة القوة الهجومية، وأمام خط نصف الملعب لمساندتهم ولتكوين محطة بين الخطوط، مهمتهم الأساسية هي استلام وتمرير الكرة على الأرض.

ظهر حينها الدور الجديد للمهاجم، وهو قدرته على التحرك خارج الرقابة واستلام الكرة وتسليمها لما يعرف بـ Inside Forwards، بجانب تسجيل الأهداف بالطبع.

كانت تلك الفترة تمهيدًا لظهور المهاجم الوهمي، وأول من لعب ذلك الدور كان المهاجم النمساوي ماتياس سيندلار، والذي شكّل كابوسًا للفرق الإنجليزية وقتها بسبب تحركاته خارج منطقة الجزاء، والتي لم يكن لها حل عند الإنجليز حينها بسبب اعتمادهم على أسلوب المراقبة اللصيقة بدون الحاجة لتحرك المدافعين خارج المنطقة.

وفي حال خروج أحد المدافعين من المنطقة للاستمرار في مراقبة المهاجم، كانت تتشكّل المساحات داخل المنطقة حتى يستغلها القادمون من الخلف، وربما أبرز مثال على ذلك هو المهاجم المجري التاريخي ومباراته الشهيرة ضد إنجلترا، والتي انتهت بخسارة الفريق الإنجليزي بخماسية نظيفة، وكانت بداية الاتجاه لتطور الكرة الإنجليزية.

كانت إنجلترا في ذلك الوقت تعاني بسبب انعزالها عن بقية دول أوروبا، وأوضحت مواجهاتهم أمام الفرق الأوروبية الأخرى نقاط ضعف عديدة في أساليبهم وتكتيكاتهم، وأدى ذلك لبداية استخدام المدربين الأجانب لنقل الخبرات والأفكار لمساعدتهم في التطور.


ظهور أمريكا الجنوبية على الساحة الكروية


قدمت أمريكا الجنوبية للعالم نسخة جديدة من لاعبي الكرة وخاصةً المهاجمين، حيث امتلك مهاجميها القوة البدنية اللازمة للتعامل مع مدافعي أوروبا، بالإضافة إلى امتلاكهم للمهارات والذكاء والتنوع التكتيكي، والذي ظهر لأول مرة في بداية الخمسينيات مع ظهور خطة 4-4-2 مع البرازيل، وخطة 4-2-4 التي قدمت للعالم كيفية وجود مهاجمين داخل منطقة الجزاء.

كما قدمت أمريكا الجنوبية تعديلات في مراكز نصف الملعب، وحلول أكثر للهجوم حيث تواجد مهاجم كلاسيكي يسجل الأهداف، أو "مهاجم صندوق"، بالإضافة إلى مهاجم آخر متحرك مرن يساعد في التمرير للأطراف وفتح المساحات ويتبادل الأدوار مع الأجنحة ومركز الارتكاز.

ظهر مركز الارتكاز لأول مرة مع وجود أطراف هجومية دفاعية تساهم في صناعة أكبر عدد من الفرص للمهاجمين. أجبرت كل تلك التغييرات الطرق الدفاعية على التجديد، وبدأ مفهوم التكتّل الدفاعي والهجمات المرتدة حتى يتفوق على الزيادة العددية الهجومية التي فشل أسلوب المراقبة اللصيقة في مجاراته، وأصبح الصراع حول من سيقوم باستغلال المساحات بشكل أفضل ومن سيمنع التفوق العددي على مستوى الخطوط، وكان أبرز تجديدات تلك الفترة هو الكاتيناتشو عن طريق المدرب هيلينو هيريرا.

هنا ظهر التنوع الخططي، مزيج بين الكرة الكلاسيكية الإنجليزية والتكتيك والعقلية الدفاعية الإيطالية والكرات المرتدة والضغط الذي عُرف به الاتحاد السوفيتي، بالإضافة إلى الكرة الشاملة التي تبنتها دول النمسا والمجر وتم تطويرها واستكمالها في هولندا، ولكل أسلوب لعب مهاجم بخصائص ومهام مختلفة.

أضافت بعد ذلك هولندا وأياكس والكرة الشاملة بُعدًا جديدًا للمهاجم حيث وجب عليه أن يكون جزءًا لا يتجزأ من الفريق، ووجب على الفريق التحرك ككتلة واحدة في الهجوم والدفاع.

ولكن هذا الأسلوب تطلب وجود لياقة بدنية عالية حتى يتمكن اللاعبين من تطبيق "الضغط العالي" وكذلك القدرة على المشاركة في صناعة اللعب والتحرك باستمرار للتغلب على التكتّل الدفاعي، والذي مثّل التطور المضاد للكرة الشاملة.

استمر التطوّر الخططي وبدأت صورة المهاجم العصري تتضح أكثر فأكثر، ولم تعد مهمة المهاجمين الأساسية هي تسجيل الأهداف فحسب، بل من يسهّل مهمة فريقه ويساعدهم على التسجيل حينما يصعب عليه الأمر.

ظهرت بعد ذلك خطة 4-3-3 الشهيرة، والتي قامت بزيادة دور الأجنحة الهجومي، وأصبح للأطراف الدفاعية دورًا هجوميًا، وأصبح من مهام المهاجم مساندة الأجنحة ومساعدتهم على التسجيل، أو الاستفادة من صناعتهم لللعب مع تبادل الأدوار مع أحد المتقدمين من نصف الملعب سواء مركز الارتكاز أو صانع الألعاب الكلاسيكي رقم 10.

بدأ الاعتماد على الخطط التي تضم مهاجمَيْن يقل مع الوقت، وبدلًا من ذلك اختار المدربين الزيادة العددية في نصف الملعب، ولكن أصبح المهاجم يقوم بدور الاثنين المهاجمين معًا، أو الاعتماد على زيادة صنّاع اللعب ومركز 10 مع وجود مهاجم قنّاص داخل منطقة الجزاء لا يشارك في صناعة اللعب ولكنّه حاسم وقادر على التسجيل من أقل الفرص.


الظاهرة - طفرة في مركز الهجوم


ظهر بعد ذلك من أحدث طفرة في مركز المهاجم، وغير موازين كرة القدم أجمع، من يعتبره البعض أفضل مهاجمًا في التاريخ، يُسجل ويُراوغ ويصنع اللعب ويتحرك بذكاء ويخدع المدافعين، إنه بالطبع الظاهرة رونالدو.

بعد ظهور رونالدو، أصبحنا نرى المهاجم المتكامل الذي يفعل كل شيء داخل وخارج منطقة الجزاء، وامتدادًا له ظهر أمثلة عديدة أبرزهم شيفشينكو والغزال الفرنسي تييري هينري.

لكن ظلّت هناك حاجة للتطور وظهور مفهوم جديد يُعاد استخدامه مرة ثانية، وقد كان ذلك بعودة المهاجم الوهمي مرة أخرى.

دوري الأمم الأوروبية | 8 منتخبات حققت الاستفادة القصوى

استخدم المدرب سباليتي ملك روما فرانشيسكو توتي كمهاجم وهمي في موسم 2006 مضطرًا بسبب الإصابات، ولكن نجاح توتي في ذلك الموسم لفت النظر لإعادة استخدام ذلك المفهوم مرةً أخرى.

لم يكن مُعتادًا أن ترى أكثر لاعبي الفريق إبداعًا يشغل مركز المهاجم أو تُسند له مهام التسجيل، ولكن توتي استطاع أن يقوم بالدورين معًا.

تكرر ذلك عندما قام جوارديولا بتوظيف ليو ميسي في هذا المركز، وقدم ميسي أرقامًا خُرافية من ناحية تسجيل الأهداف أو صناعة اللعب أيضًا، وكان من المستحيل مُراقبته بسبب تلك المنظومة الجديدة، وكل ما عليك هو الاستمتاع بمشاهدته يسجّل الأهداف ويتلاعب بدفاعات الخصم، وكان ذلك امتدادًا لأفكار النمسا والمجر وهولندا والبرازيل وامتدادًا لأفكار مدربين أمثال ساكي وكرويف.

لكن هل بذكرنا مثالّين كتوتي وميسي نعني أن أي لاعب يستطيع القيام بذلك الدور؟ بالطبع لا، وليس أي فريق أيضًا.

يظل هذا الأسلوب حكرًا على الفرق التي تهتم بالاستحواذ على اللعب، وحكرًا على اللاعبين ذوي المهارة والإبداع معًا.

وظلّت محاولات تطوير المهاجم الكلاسيكي رقم 9 حتى اكتملت ملامح المهاجم العصري المتكامل، والذي يُسميه البعض 9.5، ويجمع بين صفات المهاجم الكلاسيكي وصفات المهاجم المُتحرك المُجيد لصناعة اللعب والضغط وبناء الهجمات.

بالطبع لن يقف التطور الكروي وابتكار الخطط والأفكار عند هذا الحد، ولن ينتهي التطور الدفاعي والفكر المضاد أيضًا، وبعدما كان المدربين يفكرون فيما هو متاح من إمكانيات، أصبح تطوير اللاعبين المستمر هو شغلهم الشاغل، بحيث يصنعون اللاعب الذي ينفذ أفكارهم بأيديهم، وربما أفضل مثال على ذلك هو المهاجم الكرواتي مانزوكيتش.

تطورات كثيرة لولاها لأصبحت كرة القدم لعبة مملة ومُتوقعة، تغيرات أخرى مُنتظرة في الفترات المقبلة. كل هذا يُزيد من كونها أكثر من مجرد لعبة لتظل اللعبة الشعبية الأولى في العالم.