شهدت الجولة الأخيرة من منافسات المجموعة الثانية في كأس الأمم الإفريقية 2025 المقامة في المغرب تبايناً كبيراً في الأحداث والسيناريوهات، حيث عاشت الجماهير ليلة جمعت بين الدراما الكروية المطلقة في مباراة جنوب إفريقيا وزيمبابوي التي شهدت خمسة أهداف وتقلبات في النتيجة حتى اللحظات الأخيرة، وبين الصراع التكتيكي والبدني في مواجهة مصر وأنجولا التي غلب عليها طابع الاختبارات الفنية لعناصر الصف الثاني للفراعنة.
Goal AR
AFPمهرجان أهداف وعودة الأولاد
في المباراة الأولى دخل منتخب جنوب إفريقيا اللقاء وعينه على النقاط الثلاث ولا شيء غيرها، وبالفعل لم يمهل تشيبانج موريمي خصمه الكثير من الوقت ليعلن عن نوايا البافانا بافانا بتسجيل هدف التقدم في الدقيقة السابعة فقط مستغلاً تمريرة حاسمة من لايل فوستر، لكن الرد جاء قاسياً وسريعاً من جانب المحاربين، حيث قدم تاواندا ماسوانهايس فاصلاً مهارياً رائعاً وتوغل داخل المنطقة قبل أن يطلق تسديدة لا تصد ولا ترد سكنت الزاوية اليسرى للحارس رونين ويليامز ليعيد المباراة لنقطة الصفر.
مع بداية الشوط الثاني استمرت الإثارة، ونجح لايل فوستر في استغلال هفوة دفاعية قاتلة من دفاع زيمبابوي ليضع جنوب إفريقيا في المقدمة برأسية متقنة، وبينما كانت المباراة تسير نحو فوز مريح للأولاد، حدث ما لم يكن في الحسبان في الدقيقة الثالثة والسبعين حين أخطأ المدافع أوبري موديبا في تشتيت الكرة ليحولها بالخطأ في مرماه معلناً عن تعادل درامي أشعل أجواء اللقاء وأربك حسابات المدرب هوجو بروس.
يد ناكامبا تعيد ذكريات المحمدي وكارباخال
وبينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة والتعادل يسيطر على الموقف، شهدت الدقيقة الثمانون اللقطة الأبرز في الجولة، حيث تقمص مارفيلوس ناكامبا لاعب زيمبابوي دور حارس المرمى داخل منطقة الجزاء وتصدى للكرة بيده ليمنع هجمة خطيرة لجنوب إفريقيا.
أعاد هذا المشهد للأذهان ذكريات كروية لا تنسى، حيث استحضرت الذاكرة فوراً لقطة أحمد المحمدي الشهيرة أمام البرازيل في كأس القارات حينما أبعد الكرة بيده من على خط المرمى، وكذلك لقطة داني كارباخال في الكلاسيكو الإسباني أمام برشلونة، وعلى الرغم من أن الحكم مصطفى كشاف اكتفى بإشهار البطاقة الصفراء للاعب ناكامبا بعد العودة لتقنية الفيديو وليس الطرد المباشر لتقديره أن الفرصة لم تكن هدفاً محققاً بنسبة كاملة، إلا أن القرار كان حاسماً باحتساب ركلة جزاء.
انبرى أوسوين أبوليس لتنفيذ الركلة بنجاح تام واضعاً الكرة في الشباك ليمنح بلاده فوزاً قيصرياً بثلاثة أهداف مقابل هدفي ومعه التأهل في المركز الثاني للمجموعة.
AFPمصر وأنجولا.. بروفة تكتيكية ومكاسب بالجملة
على الجانب الآخر في ملعب المباراة الثانية، فضل حسام حسن المدير الفني لمنتخب مصر إراحة العناصر الأساسية والدفع بتشكيل غلب عليه لاعبو الصف الثاني لمنحهم حساسية المباريات وتجهيزهم للأدوار الإقصائية، وعلى الرغم من انتهاء اللقاء بالتعادل السلبي إلا أن المكاسب الفنية كانت حاضرة وبقوة.
نجح دفاع المنتخب بقيادة ياسر إبراهيم وحسام عبد المجيد في تقديم مباراة كبيرة أمام هجوم أنجولا الشرس، وتصدوا لمحاولات مابولولو وجيلسون دالا المستمرة، كما ظهر خط الوسط بصلابة بدنية عالية بقيادة محمد شحاتة ومهند لاشين قبل خروجه مصاباً، وهو ما أعطى الجهاز الفني اطمئناناً كبيراً على عمق القائمة وجاهزية البدلاء للمشاركة في أي وقت.
شهادة ميلاد مصطفى شوبير وتأثير البدلاء
يمكن القول إن المكسب الأكبر للفراعنة من هذه الليلة كان الأداء البطولي للحارس مصطفى شوبير الذي نصب نفسه نجماً للمباراة بلا منازع، الحارس لم يكن مجرد ضيف شرف بل كان السد المنيع أمام طوفان الهجمات الأنجولية.
تجلى ذلك في تصديه الرائع لتسديدة مابولولو الأرضية في الشوط الأول، قبل أن ينفجر إبداعه في الدقيقة الواحدة والخمسين بتصدٍ إعجازي لتسديدة فريدي الصاروخية التي كانت في طريقها للمقص الأيمن، ليثبت أنه خير بديل وخير سند لحراسة مرمى مصر.
وعلى الصعيد الهجومي أثبتت تغييرات حسام حسن فاعليتها، فبمجرد نزول زيزو ومصطفى فتحي تحول شكل المنتخب هجومياً، وكاد زيزو أن يخطف الفوز في مناسبتين لولا يقظة الحارس هوجو ماركيز، ليخرج المنتخب المصري من دور المجموعات ليس فقط ببطاقة التأهل، بل وبثقة كبيرة في دكة بدلاء قادرة على صناعة الفارق، رغم القلق الطفيف الذي خلفته إصابة مهند لاشين وصلاح محسن والذي يأمل الجهاز الطبي في تعافيهما سريعاً قبل المعارك القادمة.
AFPلعنة العلامة الكاملة.. هل نجا الفراعنة من فخ "البدايات الخادعة"؟
قد يرى البعض في تعادل مصر مع أنجولا تعثراً، لكن لغة الأرقام وتاريخ البطولات المجمعة يؤكدان أن الكمال في دور المجموعات غالباً ما يكون فخاً ناعماً يستدرج المنتخبات نحو الخروج المبكر.
التاريخ القريب لا يرحم؛ ففي النسخة الماضية 2023 ودعت السنغال البطولة من ثمن النهائي رغم حصدها العلامة الكاملة في المجموعات، وقبلها عاشت نيجيريا نفس الكابوس في 2021، ولا ننسى الدرس القاسي الذي تلقته مصر والمغرب في 2019 حينما خرج كلاهما مبكراً وفي جعبته 9 نقاط كاملة.
حسام حسن، بقراره اللعب بالصف الثاني والقبول بنتيجة التعادل، ربما يكون قد جنب لاعبيه الغرور الكروي الذي يصيب أصحاب الانطلاقات النارية، فأن تصعد وفي حلقك مرارة تعادل تكتيكي خير من أن تصعد منتشياً بانتصارات خادعة لتصطدم بصخرة الواقع في الأدوار الإقصائية.
يبدو أن الفراعنة اختاروا الطريق الصعب نفسياً لكنه الأكثر أماناً تاريخياً، تاركين بريق العلامة الكاملة لمن يبحث عن مجد المجموعات، ومحتفظين بالتركيز الكامل لمنصة التتويج.
بيت القصيد
أسدلت الجولة الأخيرة ستارها لتكشف عن وجهين مختلفين للمنافسة في هذه المجموعة، فبينما أثبتت جنوب إفريقيا أنها تمتلك الشخصية والروح القتالية القادرة على العودة في أصعب الظروف وقلب الطاولة في اللحظات الحاسمة، أكد المنتخب المصري أن قوته لا تكمن فقط في نجومه الأساسيين بل في ترسانة بشرية جاهزة على دكة البدلاء قادرة على حماية العرين وصناعة الفارق.
ما حدث في ليلة الختام هو رسالة شديدة اللهجة لباقي المنافسين في الأدوار الإقصائية، مفادها أن الصعود من هذه المجموعة لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج مزيج بين الجنون التهديفي والصلابة التكتيكية، والآن يبدأ السباق الحقيقي نحو اللقب حيث لا مجال للتعويض أو أنصاف الحلول.