Mohamed Salah Hossam Hassan GFX GOAL ONLYGOAL AR

مصر قبل كأس العالم | حتى يصبح المحترفان وربع جيشًا.. حسابات حسام حسن ينقصها المنطق!

في واحدة من لحظات المصارحة الصادمة التي اعتدناها من حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، لخص واقع الفراعنة بعبارة مؤلمة وكاشفة حين قال: "أنا لا أمتلك سوى اثنين محترفين وربع"، في إشارة واضحة إلى الفقر المدقع في عدد الطيور المهاجرة المصرية في الدوريات الأوروبية الكبرى مقارنة بجيوش المحترفين الجرارة التي تمتلكها منتخبات مثل السنغال والمغرب وكوت ديفوار ونيجيريا.

هذا التشخيص الواقعي للأزمة كان يستوجب حلولاً ثورية تفتح الباب أمام احتراف المزيد من اللاعبين، إلا أن المفاجأة كانت في الروشتة العكسية التي قدمها العميد للعلاج، والمتمثلة في طلبه الرسمي بتقليص عدد اللاعبين الأجانب في الدوري المصري. 

وهنا، نجد أنفسنا أمام تناقض صارخ ومعادلة رياضية واقتصادية مستحيلة: كيف لمدرب يحلم بزيادة عدد محترفيه في أوروبا أن يطالب بقرارات ستجبر الأندية المصرية، حتماً وبالضرورة، على التمسك بلاعبيها المحليين بأيديهم وأسنانهم؟

  • Sadio Mane Senegalgetty

    فخ جينيراسيون فوت.. الدرس السنغالي القاسي

    لفهم هذا التناقض، يجب أن ننظر بتمعن إلى التجربة السنغالية، التي تُعد النقيض التام لما يطلبه حسام حسن، السنغال بطلة أفريقيا لا تحمي دوريها المحلي، بل تتعامل معه كمحطة ترانزيت.

     كلمة السر هنا هي أكاديمية ونادي جينيراسيون فوت، التي تعمل بمثابة مصفاة لتصدير المواهب وهي في المهد.

    القائمة مرعبة، وتؤكد أن قوة منتخب السنغال بُنيت على أنقاض الدوري المحلي وليس بسببه.

    ساديو ماني غادر وهو في التاسعة عشرة، إسماعيلا سار خرج في الثامنة عشرة، ومؤخراً باب ماتر سار ولامين كامارا وحبيب ديالو وإبراهيما نياني، جميعهم غادروا عبر بوابة نادي ميتز الفرنسي في سن المراهقة 18 أو 19 عامًا.

    هؤلاء لم ينتظروا لينافسوا في الدوري السنغالي، ولم تطلب أنديتهم حمايتهم من الأجانب، بل دفعت بهم للخارج، متناسية الصراع الدائر قاريًا بين الأهلي والترجي وبيراميدز والجيش الملكي وصن داونز وتلك الفرق التي تسيطر على الألقاب الإفريقية.

    هذا التهجير الكروي هو ما منح مدرب السنغال رفاهية الاختيار من بين 30 لاعباً محترفاً في المستوى العالي، بينما يعاني المنتخب المصري للعثور على بديل لمرموش أو صلاح.

    السر في السنغال ليس فقط في الموهبة، بل في عقلية الاستثمار؛ فالأندية هناك تبيع اللاعب خام برقم زهيد مع وضع بنود تضمن الربح المستقبلي، بينما في مصر، تتحول الأندية إلى سجان للمواهب، حيث تضع أرقاماً تعجيزية تتجاوز الـ 5 والـ 10 ملايين دولار في لاعب محلي لم يختبر حقيقة الضغط الأوروبي، مما يقتل الصفقة في مهدها.

    تقليص عدد الأجانب سيجعل الأندية تتمسك بلاعبيها أكثر، وستقفز هذه الأرقام التعجيزية لضعفها، مما يحول الدوري إلى سوق مغلق لا يبيع ولا يشتري إلا لنفسه.

  • إعلان
  • FBL-AFR-2025-MATCH 49-SEN-EGYAFP

    التناقض الاقتصادي: كيف تغلق الباب وتنتظر المغادرة؟

    إن طلب تقليص عدد الأجانب يحمل في طياته فخاً استراتيجياً سيقضي على حلم الاحتراف، فعندما تمنع الأندية الكبرى مثل الأهلي، الزمالك، بيراميدز من التعاقد مع محترفين أجانب بجودة عالية لتعويض الراحلين، فإنك تضع هذه الأندية تحت ضغط جماهيري وتنافسي رهيب يمنعها من التفريط في أي موهبة مصرية.

    ببساطة، إذا لم يستطع النادي تعويض رحيل نجمه المحلي بمحترف أجنبي سوبر، فلن يوافق أبداً على بيع هذا النجم للاحتراف الخارجي. 

    سنرى الأندية تغلق الأبواب وتضاعف الرواتب للإبقاء على اللاعبين، وبالتالي ستستمر دورة تدوير اللاعبين محلياً، وسيظل حسام حسن يشكو من أنه لا يملك سوى محترفين وربع إلى الأبد.

    لكي يخرج اللاعب المصري، يجب أن يطمئن ناديه لوجود البديل الجاهز، وهذا البديل غالباً ما يكون محترفاً أجنبياً جاهزاً.

  • Egypt-vs-Benin-match-at-the-African-Cup-of-Nations-2025-16th-RouAFP

    وهم الجيل الذهبي وفخ المنطقة الدافئة

    قد يخرج علينا من يقول: "لقد فاز حسن شحاتة بثلاثية تاريخية بمنتخب محلي"، هذه الحجة هي حق يُراد به باطل؛ لأن كرة القدم في 2006 و2010 ليست هي كرة القدم في 2026.

    اللعبة تحولت إلى صناعة تعتمد على السرعة القصوى، القوة البدنية الهائلة، والتحولات التكتيكية المعقدة، وهي أمور لا يوفرها رتم الدوري المصري البطيء حالياً.

    المنتخبات الأفريقية في عهد "المعلم" لم تكن بهذه الجودة التكتيكية التي نراها اليوم، حيث بات أغلب لاعبي القارة أساسيين في البريمييرليج والكالتشيو وأحيانًا الليجا.

    أضف إلى ذلك مشكلة المنطقة الدافئة، فاللاعب المصري يتقاضى في أندية القمة وحتى أندية الشركات رواتب تتجاوز أحياناً ما قد يحصل عليه في أندية وسط الجدول في بلجيكا أو البرتغال أو فرنسا.

    تقليص الأجانب سيجعل اللاعب المحلي عملة نادرة أكثر، فيزداد سعره محلياً بشكل جنوني، مما يقتل داخله أي رغبة في الخروج للمجهول والمحاربة في أوروبا براتب أقل.

    الأمر لا يتوقف عند المال فحسب، بل يمتد لعقلية الموظف التي تكرسها الحماية الزائدة، فاللاعب المصري حين يخرج لأوروبا يصطدم بواقع بدني وذهني لم يعتده في المحمية المحلية، فوجود محترفين أجانب أفارقة وأجانب بلياقة وحوش في الدوري المصري أمثال مابولولو أو ديانج في أوج عطائه هو ما كان يجبر اللاعب المحلي على الخروج من منطقة راحته وتطوير بدنياته ليتفوق عليهم.

    بدون هذا الاحتكاك الشرس مع أجانب سوبر، سيظل اللاعب المحلي يمارس كرة قدم هادئة لا تصلح للتصدير، ولن يتحمل ضغط التدريبات في أوروبا لأكثر من شهر.

    وجود محترفين أجانب أقوياء يكسر هذه المعادلة، ويجبر اللاعب المصري على التطور للحفاظ على مكانه أو الرحيل لإثبات ذاته.

    والحقيقة أن الحل لا يكمن في الدفاع عن العدد في حد ذاته، أو غض الطرف عن فوضى السماسرة التي أغرقت الدوري أحياناً بأنصاف مواهب أعطت الذريعة للمطالبة بالتقليص.

    المطلوب هو ثورة في المعايير، أي رفع شروط جودة اللاعب الأجنبي على غرار ما يحدث في الدوري السعودي أو التجربة المغربية ليكون المحترف قيمة مضافة حقيقية ونموذجاً يُحتذى به، يجبر اللاعب المصري على التطور لانتزاع مكانه، لا مجرد تكملة عدد تستهلك العملة الصعبة وتزاحم المواهب المحلية دون أثر فني ملموس.

  • FBL-CAF-C1-AHLY-SUNDOWNSAFP

    النموذج المغربي.. المعادلة الثالثة وسر الاحتكاك الذكي

    على الضفة الأخرى، يقف النموذج المغربي شاهداً على أن قوة الدوري المحلي لا تتعارض مع قوة المنتخب، بشرط واحد هو شراسة المنافسة.

     الجامعة الملكية المغربية لم تسر في طريق تفريغ الدوري تماماً مثل السنغال، ولم تلجأ لسياسة التقوقع وحماية اللاعب المحلي، بل اختارت الطريق الثالث.

    فتحت المغرب الباب لخمسة محترفين أجانب، والأهم أنها ألغت شرط المباريات الدولية المعرقل، مما سمح للأندية باستقطاب مواهب أفريقية شابة وشرسة رفعت من النسق البدني والفني للبطولة المحلية.

    النتيجة كانت مزدوجة، بين سيطرة للأندية المغربية الوداد والرجاء ونهضة بركان على كؤوس أفريقيا، وفي نفس الوقت، خروج لاعبين محليين اعتادوا على النسق العالي ليمثلوا المنتخب في أكبر المحافل.

    الدرس المغربي يقول، لا تحمِ اللاعب المحلي من الأجنبي، بل ضعه أمامه في الملعب ليصبح أقوى منه.

    وعلينا أن نسأل، لماذا يملأ كشافو الأندية الأوروبية مدرجات داكار والرباط ويغيبون عن القاهرة؟ الإجابة في النسق.

    الدوري المصري يعاني من بطء شديد وتوقفات مملة تجعل المنتج غير جذاب للمراقب الخارجي، وتقليص الأجانب سيؤدي حتماً لبطء إيقاع اللعب أكثر، وسينحدر النسق الفني في غياب المنافس الأجنبي القوي، مما يجعل البطولة المحلية تسقط تماماً من رادار الكشافة الذين يبحثون عن السرعة والقوة، وهي صفات لا تنمو في البيئات المنغلقة.

  • FBL-AFR-2025-MATCH 48-EGY-CIVAFP

    بيت القصيد.. نحن عالقون في المنطقة الرمادية

    الخلاصة يا عميد الكرة المصرية، أن الأزمة الحالية تكمن في وقوفنا في المنطقة الرمادية القاتلة؛ فلا نحن طبقنا النموذج السنغالي بفتح الباب لتصدير المواهب في سن الـ18 والتضحية بالمنافسة المحلية والقارية، ولا نحن طبقنا النموذج المغربي برفع جودة الدوري عبر استقطاب محترفين أقوياء يرفعون نسق اللعب ويجهزون اللاعب المحلي للمعارك الكبرى.

    مطلب تقليل الأجانب هو رصاصة رحمة ستعيدنا للخلف؛ فهو سيحول الدوري المصري إلى محمية طبيعية للاعبين يتقاضون الملايين دون منافسة حقيقية، وسيجعل خروجهم للاحتراف أصعب لأن أنديتهم لن تجد البديل.

    الحل إما في الخروج الكبير وتسهيل الاحتراف المبكر، أو في الداخل القوي وتفعيل دوري شرس بمحترفين مميزين، أما دوري محلي مغلق ومنتخب عالمي فهي معادلة لم تتحقق في تاريخ كرة القدم الحديثة، ولن تتحقق بمجرد قرار إداري.

0