محمد صلاح: أيقونة العصر الحديث

التعليقات()
فعل ما لم يفعله أساطير الريدز قبله، حوّل أرضية ملعب الأنفيلد لسجادته الخاصة وبات وجهه المبتسم والمُلتحي أيقونة في أعين الكثيرين

"مو صلاح، يركض فوق السحاب...مو صلاح، الملك المصري"...تلك هي الأغنية الخاصة بالنجم المصري "محمد صلاح" في ليفربول، والتي تُعد من أكثر أغاني الجماهير تميزًا وتحمل معها تناقضًا عجيبًا، فهي تُنشَد على إيقاع أغنية اسمها "اجلس"، لكن الشيء الوحيد الذي لم يقم به جمهور أنفيلد منذ قدوم صلاح هو الجلوس!

جميلة هي علاقة الحب التي نشأت بين اللاعب وجماهير النادي خلال 22 شهرًا، كما هي أشهر أدركت خلالها إدارة الفريق أنها قامت بصفقة القرن حين دفعت 37 مليون جنيه استرليني (43 مليون يورو/ 48 دولار) لجلبه من روما في يونيو 2017، وهي فترة لم يكن فيها أشد المتفائلين يتنبأ بأن يكون تأثير وعطاء ذلك الشاب المبتسم القادم من قرية نجريج بهذا الشكل.

الأرقام كانت خارقة للعادة واستطاع في 94 مباراة بقميص الريدز أن يسجل 64 هدفًا، ففي الموسم الأول زار شباك الخصوم 44 مرة في مختلف المسابقات مع تحطيم الرقم القياسي في عدد الأهداف المسجلة في موسم واحد في البريميرليج "31 هدفًا".

هذا الإنجاز مكنه من الفوز بالحذاء الذهبي، لكنه حصل أيضًا في نفس السنة على جائزة لاعب السنة المقدمة من اتحاد اللاعبين المُحترفين وجائزة لاعب السنة من الكتاب المتخصصين في اللعبة. كما أن النجم المصري بات أول لاعب إفريقي يوقع على 30 هدف في موسم واحد على مستوى الدوري الإنجليزي الممتاز، أول من يسجل أهدافًا في 24 مباراة مختلفة في المسابقة وأول لاعب منذ أيان راش يصل ل40 هدفًا أو أكثر في موسم واحد مع ليفربول.

وإذا ما تمكن المو من التسجيل في مواجهات المسابقة الثلاث المتبقية، سيصبح أسرع لاعب في تاريخ الريدز يصل ل50 هدف في الدوري.

Salah 3

أهدافه كانت متنوعة وشملت المواجهات الكبيرة والصغيرة، في الديار وخارجها، برأسيات ومن علامة الجزاء، بل وأيضًا بانفرادات وتسديدات بعيدة المدى. لقد أذهل الكل في الآنفيلد بنسقه العالي وأسلوبه المميز في المراوغات كما خلق متاعب كثيرة للمدافعين جاعلاً إياهم يخشونه بمعنى الكلمة. عداد أهدافه انخفض بعض الشيء في موسمه الثاتي، لكن 20 هدفًا رقم لا يستهان به كما لا يتفوق عليه في جدول ترتيب هدافي الدوري سوى الأرجنتيني "سيرخيو أجويرو".

مع صلاح، انتقل ليفربول من مرشح لمنافس حقيقي، بل وبات يقترب شيئًا فشيء من تحقيق أول لقب له في البريميرليج منذ 1990 وذلك بالإضافة لكونه مرشحًا بقوة لتجاوز بورتو في دوري أبطال أوروبا وبلوغ نصف النهائي للموسم الثاني على التوالي.

وبالنسبة لصلاح شخصيًا، فقد أصبح النجم الأول لهذا الفريق المتجدد والنشيط والاسم المرتبط باستمرار بنجاحات النادي. ذو ال26 عامًا تحول من لاعب جيد جدًا لنجم عالمي ومن اسم مميز لقائد حقيقي.

 وسط مدينة ليفربول، بعيدًا عن ملعب الآنفيلد بـ 3 أميال هناك لوحة فنية رائعة مرسومة  من "جاي ماكينلي" على إحدى الجدران وهي تشمل وجه صلاح مع سطور تمدحه من شعر نظمه "موسى أوكينجوجا".

لاعب ليفربول محمد صلاح

المايسترو المسلم

بطل القاهرة

البسمة الذهبية للنيل

أسرع المصريين في العالم

أغمض عينك لوهلة...سيغيب عن نظرك

يُسجّل بمعدّل هدفٍ في المباراة

ولمباراة أخرى

الآنفيلد أصبح سجادة صلاته

ويعتبر هذا التكريم مميزًا جدًا للرجل الذي قضى أقل من سنتين في الميرسيسايد، فحتى القائد الأسطوري للفريق "ستيفن جيرارد" لم يحض بهذا التعامل من قبل ولا حتى جيمي كاراجر. راش، فاولر، لويس سواريز ولا حتى جون بارنز كان لهم تأثير قوي في المناصرين بهذا الشكل.

في يوليوز الماضي، نشر صلاح صورة له بجانب حائط مشابه، لكنه كان هذه المرة في نيويورك تايمز سكوير ويبدو أن وجههالمبتسم والملتحي بات في أيامنا هذه معروفًا في مختلف أنحاء العالم.  

Salah 1

بالعودة لمصر نجد أن صورته اللصيقة بالتواضع، اللياقة العالية والأهداف أصبحت عامة منذ انتقاله لليفربول وذلك كما أكد رئيس لجنة الشباب والرياضة  السابق في مجلس النواب المصري "محمد فرج عامر"

"إنه مثال وأيقونة هنا وذلك كتوت عنخ آمون أو الأهرام" مشيرًا بذلك لدرايته الكبيرة بأهمية ارتباط السياسيين بالشخصية الأكثر شهرة في البلاد.

على مستوى كرة القدم، يحمل صلاح على كتفيه آمال كافة المصريين ولم يخذلهم في ذلك حين تمكن من تسجيل الهدف الذهبي الذي قاد الفراعنة الصيف الماضي لكأس العالم في روسيا وذلك في مشاركتهم الأولى في المونديال منذ 1990.

إنجاز وضح صلاح حينها أهميته لكنه شدد على ضرورة التعود مستقبلاً على المشاركة في هذا النوع من المنافسات.

"إنها لحظة مهمة بالنسبة لي ولكافة المصريين. أرغب في أن يصبح الأمر طبيعيًا ونتعود عليه لا شيئًا يحصل كل 28 سنة فقط"

مشاركة نجم الريدز في المسابقة العالمية تخللتها مشاكل عديدة مرتبطة بالإصابة الناتجة عن التحامه القوي مع سيرجيو راموس في نهائي دوري أبطال أوروبا. دموعه خلال مغادرته الملعب هناك في كييف تقاسمها معه 98 مليون رجل وامرأة كما أصبح قائد ريال مدريد العدو الأول سواءً في مصر أو الميرسيسايد.

وبعيدًا عن المستطيل الأخضر، انتشرت قصص كرم صلاح ومشاركته الدائمة في الأعمال الخيرية كالنار على الهشيم. هناك من يبالغ بعض الشيء في وصف ذلك، لكنه في بلدته نجريج ساهم في تكاليف مدرسة دينية، محطة إسعاف وسوق للمواد الغذائية، بالإضافة لإنشاء مؤسسة محمد صلاح الخيرية والتي تقدم الدعم المادي لمئات المصريين كل شهر.

صحيح أنه أصبح نجمًا، لكنه لم ينس أبدًا أصوله ومسقط رأسه الذي هو عبارة عن بلدة صغيرة تبعد بحوالي 80 ميلاً عن القاهرة كما سيظل دائمًا البطل هناك.

في إنجلترا هناك مبادرات مشابهة مليئة بالتواضع والكرم، فحسب الموظفين في قلعة الريدز لا يتلق أي لاعب آخر في الفريق كمية طلبات هائلة مثله كما لا يتقبلها أحد منهم مثله.

الأمر أكده أحد العمال "ذلك صحيح بالفعل، لكن ماذا بوسعنا فعله؟".

حين تعرض المشجع "سين كوكس" لهجوم مفاجئ خارج الآنفيلد من قبل مناصري روما قبيل مواجهة نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، تبرع صلاح له بقميص عليه توقيعه، إذ تم بيعه في مزاد علني حصلت من خلاله عائلة الضحية على 1000 جنيه إسترليني وذلك في بادرة استثنائية.

أما قصة "سين براون" فهي توضح  أيضًا مدى الحب الذي يحظى به صلاح، فابنته البالغة من العمر 13 عامًا والتي تعاني من مرض دماغي خطير ظهرت قبيل نهائي دوري الأبطال في شريط فيديو على تويتر وهي على كرسي متحرك تردد أغنية صلاح الشهيرة.

salah egypt

لم يمر سوى أسبوع على ذلك حتى تلقت عائلة الطفلة قميصًا لليفربول بالرقم 11 وذلك بعيدًا عن كافة الأنظار، فصلاح شاهد الفيديو وقطع عهدًا على نفسه بتقديم شيء مميز للعائلة.

 وعلق سين على ذلك بـ "لوسي (ابنته) تمسكت به ولم ترد خلعه. اضطرت لنزعه منها"

وأضاف "قد يقول الناس أنها بادرة بسيطة، لكنها بالنسبة لي ليست كذلك. الأمر مهم وعظيم بالنسبة لي. الكثير من الناس يتحدثون عن اللاعبين ورواتبهم الضخمة وعن ضعف الروابط بينهم وبين المناصرين، لكن ما قام به صلاح أظهر لي جيدًا كم هو إنساني. مع كل انشغالاته شاهد الفيديو وأرسل بعد ذلك القميص، إنه أمر نبيل حقًا ويعني الكثير لعائلتنا."

مشوار صلاح استثنائي ومميز وذلك ليس فقط بالنظر لموهبته، بل للتفاني والمرونة والإيمان بالذات، فمثله مثل العديد من اللاعبين العالميين قاتل ليصل لما هو عليه الآن من نجاحات وطريقه لم تكن أبدًا مفروشة بالورود.

كيافع كان يقضي 9 ساعات كاملة ذهابًا وإيابًا في النقل العمومي، إذ كان يتوجه بشكل منتظم من بلدته نحو نادي المقاولون العرب في القاهرة من أجل التمرّن، أي يقطع حوالي 80 ميلاً.

"خلال 5 أيام في الأسبوع وبشكل متواصل لمدة بلغت 3 أو 4 سنوات كنت أقوم بهذا المشوار. كنت أغادر المنزل في ال9 صباحًا ولا أصل مقر التدريبات حتى ال2 أو 2:30 زوالاً. الحصص التدريبية كانت تبدأ دائمًا ما بين ال3:30 أو ال4:00 زوالاً. كنت أنهي التدريبات في تمام ال6:00 مساءً وأتوجه بعدها نحو البلدة، حيث أصل في تمام ال10:00 أو ال10:30 مساءً. كنت آكل وأنام لأبدأ يومًا جديدًا مماثلاً"

بدايات صلاح في الدوري المصري كانت في ال15 من عمره وقد حصل على أول عقد احترافي في سن ال16، إذ بدأ يشارك تارة كجناح أيسر وتارة كظهير أيسر وكانت حينها سرعته الكبيرة وقدراته الهائلة في المراوغة ظاهرة وواضحة للكل وذلك كما أكد أحد زملائه السابقين "أحمد سعد"

"لقد كان الوحيد الذي حلم بالاحتراف واللعب خارج مصر. غالبيتنا كانت تفكر في اللعب لنادي الأهلي أو الزمالك"

وقال صلاح في هذا الصدد "كافة أحلامي وأهدافي تلخصت في أن أصبح محترفًا مشهورًا، لكنني لم أتصور أبدًا أنه بإمكاني الوصل لما أنا عليه الآن"

"حلم كل طفل كان الظهور في شاشة التلفاز، لكن حين تحقق الأمر بالنسبة لي، أهدافي تغيرت. رغبت في الاحتراف خارج البلاد وبعد ذلك أردت أن أصبح الأفضل"

سنة 2012، توجه اللاعب البالغ من العمر 19 عامًا نحو أوروبا، إذ انضم لبازل. النادي السويسري كان قد خطط لمباراة ودية أمام المنتخب المصري لأقل من 23 عامًا وذلك لمساعدة هذا الأخير للتحضير للألعاب الأولمبية الصيف في لندن (الدوري المصري كان حينها موقوفًا على وقع فاجعة ملعب بورسعيد) وهناك تمت معاينة الجناح المصري السريع عن كثب.

 جورج هايتز المدير الرياضي لنادي بازل حينها لا يزال يتذكر جيدًا لمسات صلاح والمستوى المميز الذي قدمه في ذلك اللقاء.

"مو شارك في الشوط الثاني وسجل هدفين وحينها قررنا التعاقد معه"  

"بعد تلك المباراة الودية، قدم اللاعب للتدرب معنا لأسبوع كامل، إذ أخذنا نظرة شاملة عن شخصيته وعزيمته"

"بدا واضحًا أنه طموح جدًا، كان يرغب في التوهج أوروبيًا ولم يكن لدينا أدنى شك في ذلك"

صلاح قضى ما يقارب السنتين مع بازل وكان من المفترض أن ينضم لليفربول في يناير 2014، فقد كان الناديين قريبان من الوصول لاتفاق حول ذلك، غير أن تشيلسي تدخل وتمكن من التعاقد معه.

فترة صلاح في الستامفورد بريدج كانت صعبة جدًا، فلم يشارك سوى في 19 مباراة معظمها كبديل فقط، قبل أن تتم إعارته لإيطاليا وبالضبط لفيورنتينا التي تمكن فيها من استعادة ثقته في نفسه والمشاركة لوقت كافٍ.

إعارة جديدة عرفها النجم المصري صيف 2015 وهذه المرة لروما الذي ضمه بشكل نهائي فيما بعد، فقد بدأ يبهر ويظهر إمكانياته العالية في العاصمة الإيطالية موقعًا في موسمين على 34 هدفًا.

ليفربول عاد حينها ليظهر اهتمامه باللاعب وتلك النظرة التي كانت لدى المسؤولين عنه خلال أيامه في بازل تعززت مع التقارير المميزة التي أعدها عنه "بول جولدريك" الكشاف الخاص بالنادي في إيطاليا.

انضمامه للريدز جعل المدرب "يورجن كلوب" يتناسى عدة أسماء كان قد وضعها نصب عينيه وذلك كنجم باير ليفركوزن يوليان براندت، فرسالة المدير الرياضي "مايكل إيدواردز" وطاقمه كانت واضحة وحثت الألماني على وضع كامل الثقة في المو.

"سيسجل الأهداف، ثق بنا" 

salah 6

تكهناتهم كانت صحيحة بل وما قدمه صلاح تخطى كافة الحدود، إذ سجل في بداياته في البريميرليج أمام واتفورد واستمر في التطور بعد ذلك. الفريق عمل على نقاط قوته والمتمثلة في العمل بدون كرة والتمركز الذكي ومع تناغم صلاح المميز مع كل من فيرمينيو وساديو ماني جعل الريدز يملك الخط الهجومي الأقوى في أوروبا. الثلاثي وقع على 91 هدفًا الموسم الماضي ووصل ل54 هذا الموسم مستمرًا في الإبداع والتألق.

التمنيات الآن باتت أبعد من كل ذلك، فالكل يمني النفس في أن تتحول كل تلك الأهداف، التمريرات الحاسمة والمهارات لإنجازات ملموسة وألقاب.

"الموسم الماضي كان عظيمًا بالنسبة لي، موسم تاريخي سأظل فخورًا به، لكنني أطمح لواحد آخر مثله. لن أعيش على نجاحاته، بل على العكس من ذلك ما حصل يحفزني ويزيد من عزيمتي هذا الموسم"

مع منافسة ليفربول الآن بشراسة سواءً على المستوى المحلي أو في أوروبا، سيبحث صلاح عن المجد. صحيح أنه يقدر ويدرك جيدًا مدى أهمية ما يسجله من أهداف، لكن المقربين منه يقرون دائمًا بأن شخصيته لم تتغير على الرغم من ذلك. لا يزال خارج الملعب ذلك الشخص الذي يكن اهتمامًا كبيرًا لعائلته دون المبالاة بتلك الضجة الإعلامية الكبيرة حوله.

"حتى أولئك القلائل غير المقربين مني في النادي يعرفون جيدًا من أكون. أحاول دائمًا إبقاء أفراد عائلتي بعيدة عن الإعلام والأضواء وذلك كي يستمتعوا بحياتهم الخاصة والتجول بكامل راحتهم أينما ذهبوا"

امتيازات لا يحظى بها بطبيعة الحال، فهو كملك لليفربول ومصر متابع في كل تحركاته وخطواته كما أن اسمه ذائع الصيت ولا يزال ينتشر بقوة.

هذا وإذا ما تمكن من مساعدة ليفربول على إنهاء الصيام الطويل والابتعاد المؤلم عن لقب البريميرليج، سيصل بكل تأكيد لمثابة ومكانة أسطورية في الآنفيلد وهو بالنسبة لطفل صغير قادم من بلدة ناجريج إنجاز عظيم وحلم لم يكن على البال.

تعرف على تشكيلة Adicolor الجديدة هنا

إغلاق