الأخبار النتائج المباشرة
الدوري النرويجي الممتاز

مأساة أريلد بيرج، عندما تتسبب موهبتك الفذة في تعاستك!

3:18 م غرينتش+2 11‏/9‏/2019
أريلد بيرج 1
القصة كما روتها الصحافة النرويجية وصحيفة الجارديان

في يوم من الأيام، جاء شخص قدم نفسه على أنه مٌعالج روحاني للاعب النرويجي أريلد بيرج وقال له "أنت تُعاني من وجود روحين، لقد ضلت روح رجل متوفي طريقها وسكنت جسدك، والآن عليك رعاية روحين، وهذا الأمر سيجعلك مُنهك القوى، إن نجحت في إزالة هذه الروح ستكون على ما يُرام". رد بيرج بابتسامة " أزيل روحه؟ إذا كنت ستزيل روحًا، فأفضل أن تكون روحي أنا، لقد سئمت منها!".

كانت هذه البداية وحملت معها النهاية المأساوية لقصة بيرج، الذي كان يُظهر دائمًا روح الدعابة كلما تحدث عن نفسه، لكنه ظل يبحث عن عن لغز حالته الغامضة التي لازمته ما يقرب من 12 عامًا، وجعلته يتحول من أكثر لاعب نرويجي موهب في جيله إلى شخص لا يبحث سوى عن اكتشاف حقيقة ما ألم به ويجوب العالم ويعرض نفسه على الأطباء والمعالجين، إلى أن نفذ ما قاله للمعالج!

ولد بيرج في أسرة كروية عام 1975، ووالده، هو هارالد بيريج، قد لعب 43 مباراة دولية مع المنتخب النرويجي بين عامي 1964 و1974 ولعب إلى جوار نجوم مثل ديك أدفوكات تحت قيادة دين هاج في هولندا. استمر شقيقان أريلد الأكبران، أورجان ورونار، في تمثيل بلدهما أيضًا وكان لهما مسيرة كروية طويلة ومتميزة في النرويج وفي الخارج.

لكن كان أريلد هو الأكثر موهبة بينهم، لدرجة أن المعلق الرياضي بقناة "تي في 2"، بير إنجيل بيرنستين قال عنه ذات مرة "كان أريلد بيرج قد اشتهر بكونه ظاهرة رياضية فريدة قبل انتقاله إلى صفوف الفريق الأول بنادي بودو - جليمت".

ويقول ستيان هوجلاند من صحيفة أفيسا نوردلاند التي تتخذ من بودو مقرًا لها "إن أريلد كان يمتلك تقنية رائعة ورؤية عظيمة. بدا الأمر وكأنه كان لديه دائمًا وقت أكثر من الآخرين على أرض الملعب". يتذكر زميله في هولندا فريدي توريسين صديقه السابق "يمكن مقارنة قدمه بأسلوب أندريس إنييستا. ربما يكون أريلد قد ترك العمل الدفاعي لزملائه، لكن صفاته الهجومية كانت فريدة من نوعها".

بالنسبة لمن لا يعرفون بيرج جيدًا، هناك مقطع عبر موقع "يوتيوب" له داخل صالة رياضية صغيرة وهو يلعب بكرة تنس صغيرة، وخلال المقطع، يستعرض مهاراته اللافتة.

في عمر الـ17، شارك بيرج للمرة الأولى في صفوف الفريق الأول لبودو - جليمت في الدوري الممتاز النرويجي وارتدى نظارات شبيهة بتلك الخاصة بشخصية هاري بوتر السينمائية، وسرعان ما أصبح واحدَا من أفضل لاعبي الدوري النرويجي على مدار السنوات الثلاثة التالية.

 سعت جميع الأندية النرويجية الكبرى لضمه، لكنه اعتزل فجأة عام 1996، وبدا الأمر وكأن نجمًا لامعًا مثل مايكل أوين أو أي لاعب بارز آخر قد أعلن اعتزاله فجأة في ذروة تألقه في سن الـ20 دون سبب واضح.

كشف بيرج عن السبب بعد فترة طويلة وقال إنه لاستعادة شغفه بكرة القدم، ولمعرفة ما إذا كان هذا هو حبه الحقيقي!

دفعه هذا المسعى لاستعادة شغفه باللعبة إلى تجربة حوالي 15 رياضة مختلفة، بما في ذلك التزلج على الجليد والغطس، إلا أنه بعد عام كان على استعداد للعودة لكرة القدم وقال في عام 2018 "تعبت من الهزيمة في التنس كل مباراة، أريد تذوق حلاوة الانتصار من جديد!".

ومع ذلك كانت عودته مفاجئة، حيث انضم إلى نادي نوردلاند جيفير بودو في المستوى الثالث، وسحر بيرج جمهور النادي بمهاراته الغريبة عليهم وبدا سعيدًا من جديد، لكن في ذلك العام، 1997، كان أيضًا العام الذي أدرك فيه أن شيئًا ما لم ليس على ما يرام.

وفي تصريحات لصحيفة ريكفري نورواي، قال بيرج "أتذكر أنني جلست في غرفة تبديل الملابس بعد المباراة الأخيرة من الموسم. كنا قد فزنا وجلست في زاوية ولم يهبط معدل ضربات قلبي، وإنما استمر عند مستوى 160 وكانت تلك مجرد البداية".

في العام التالي، 1998، انضم بيرج من جديد إلى بودو - جليمت، لكن جسده بدأ في التداعي ووجد نفسه مضطرًا للتدريب بمعدل أقل فأقل، وفي العام التالي، لم يخض عمليًا أي حصص تدريبية، وكان يظهر قبل المباريات فحسب ليشارك فيها مباشرة، ومع هذا، كانت موهبته فريدة لدرجة أنه ظل يجري النظر إليه على نطاق واسع باعتباره أفضل لاعب بالدوري النرويجي الممتاز.

ويضيف المعلق بيرنستين "كان من اللافت للغاية أن يحصد أريلد لقب أفضل لاعب في النرويج خلال موسم 1999 لأنه كان يلعب في صفوف نادي في منتصف جدول ترتيب الأندية، بينما كان فريق روزنبرج في ذروة تألقه وهيمن على الكرة النرويجية وقدموا أداءً جيدًا في بطولة دوري أبطال أوروبا. لقد حقق ذلك رغم أنه كان مريضًا ولا يشارك في التدريبات".

تدهورت حالة بيرج في تلك الفترة دون أن يعرف أحد السبب، فقد 15 كيلوجراما من وزنه، وانضم لنادي صغير سبق لوالده أن لعب له اسمه لين ثم أجبر على الاعتزال في سن الـ25 من عمره!

كان بيرج مكتئبًا وجاب العالم باحثًا عن ما يُعاني به، لدرجة أنه أنفق أكثر من 180 ألف دولار على أطباء ومعالجين على حد قوله، ليتضح في الأخير أنه يُعاني من تسمم زئبقي.

طول سنوات البحث عن مرضه، ظل الأمل يُراود بيرج للعودة لكرة القدم، لكن بعد أن اكتشف سبب معاناته تحطمت أحلامه، واتضح أن كرة القدم هي أحد الأسباب، وجرى تشخيص حالته على إنها عرض الإرهاق المزمن، بسبب التوتر والضغط وما إلى ذلك.

بالنسبة لبيرج، بدت الأمور واضحة أخيرًا. وقال في تصريحات لريكفري نورواي "ودعت كرة القدم. وحذفت كل ما يتعلق بها من قاموسي. ابتعدت عن كل ما يخص كرة القدم في وسائل الإعلام والأصدقاء الذين يكتبون عن الكرة عبر فيسبوك. وفي صيف 2010. حاولت مشاهدة مباراة ببطولة كأس العالم، وعندما فعلت ذلك عاودني شعور قوي بالضغط العصبي وعاودتني الأعراض القديمة، لكن هذه المرة كنت مدركًا للسبب وراء شعوري على هذا النحو. لم يكن هناك غموض. كنت مدركاً لما علي فعله وسرعان ما تلاشى".

وشرح بيرج السبب وراء معاناته هذا العرض بينما لم يتعرض له أي من شقيقيه، وقال "منذ أن كنت طفلاً كنت أتدرب ضعف أي لاعب آخر. ونظرًا للإنجازات الكبيرة التي حققها والدي وشقيقاي ربما شعرت بضغط شديد دومًا كي أنجز الكثير داخل الملعب. إلا أنه حسب ما استوعبت، فإن جزءًا كبيرًا من الضغط العصبي كان بسبب مشاعر الإثارة والحماس، والتوقعات بما يمكنني تحقيقه. إن ما حدث معي أنني لم يحدث وأن هدأت وتيرة نشاطي قط".

في يونيو الماضي انتحر بيرج وهو في سن الـ43 من عمره، ليأتي رحيله ليذكرنا بموهبة واعدة تعرضت لضغوطات كبيرة لم تستطع التعامل معها، وفي إحدى مباريات الفريق قامت جماهير فريق بودو - جليمت برفع صورته في إحدى مباريات الفريق تكريمًا لمسيرة لاعب عانى بسبب موهبته.

كتب بيرنستين بعد رحيل بيرج "كلنا نريد أن نكون موهوبين ولكن هذا لا يناسب الجميع. بالنسبة لأريلد بيرج، كانت موهبته المذهلة هي سر لعنته. من الأسهل بكثير أن يكون المرء عاديًا لأنه لن يتعين عليه حينها التعايش مع توقعات كبرى، ليس فقط من الآخرين، ولكن أولاً وقبل كل شيء توقعاتك. "