عشنا جميعًا، كشعوب عربية، على مدار 18 يومًا حالة من السعادة والمتعة والانتماء والترابط والتنافس الجميل تزامنًا مع إقامة كأس العرب فيفا 2025 في قطر، والتي تُوج بلقبها المنتخب المغربي بعد فوزه على شقيقه الأردني في المباراة النهائية.
ظن البعض أن الزخم الإعلامي والجماهيري والحالة الجميلة التي رافقت النسخة الماضية، التي أقيمت عام 2021 قبيل تنظيم قطر لكأس العالم 2022، كانت مجرد صدفة، لكن ما حدث هذا الشهر دحض تلك المقولة تمامًا، وأكد أن كأس العرب كانت الوسيلة الأكثر نجاحًا ونجاعة لإعادة العرب جميعًا للتجمع في مكان واحد وأمام شاشة واحدة وبمشاعر واحدة هي الفخر والفرحة، ورغم التنافس الشرس على أرض الملعب، إلا أن الأجواء الجماهيرية في المدرجات وشوارع الدوحة ومقاهي الدول العربية ومنازلهم كانت رائعة وصاخبة ومثيرة بشكل مختلف تمامًا عن تلك المصاحبة لأي بطولة أخرى خاصة بالمنتخبات أو الأندية.
كل هذا لا يدعو المسؤولين عن كأس العرب والرياضة العربية سوى للسعي وراء المزيد من التحسين والتطوير لتلك البطولة، أو لنقل لتلك الفرصة في إسعاد الشعب العربي كاملًا، لأن إهدارها أصبح أمرًا غير مقبول أبدًا وسيكون ذو أثر قاسٍ وصعب على الشعوب العربية قاطبة.
بداية، لابد من الحفاظ على المكتسبات الحالية، وربما تنظيم البطولة في قطر خلال النسختين القادمتين هو خير ضمان لذلك، فقد قدمت الدوحة بطولة عظيمة خلال النسختين الأخيرتين على جميع الأصعدة، سواء التنظيم أو احتضان الجمهور العربي القادم من المحيط إلى الخليج، أو النقل التلفزي، والحفاظ على كل هذا هو الأولوية القصوى قبل انطلاق النسخة القادمة عام 2029.
الأمر الأهم الذي يجب العمل عليه بعد ذلك هو موعد البطولة، إذ لابد من المحاولة جديًا لتغيير موعد البطولة لتُقام صيفًا بدلًا من الشتاء، وسط الموسم، لتُمنح الفرصة لجميع اللاعبين العرب للتواجد في تلك التظاهرة، ولجميع المنتخبات بجمع نجومها من أنديتهم، حيث تمنع القوانين ذلك حال إقامة البطولة في موعدها الحالي.
شهدت النسختان الأخيرتان تواجد بعض المنتخبات بالصف الثاني أو الثالث، وغياب العديد من النجوم الناشطين في الدوريات الأوروبية وغيرها من خارج المنطقة العربية، ولكن إقامة البطولة في الصيف سيمنع حدوث هذا الأمر وسيضمن تواجد جميع المنتخبات بالصفوف الأولى وبجميع النجوم، وستكون تلك فرصة عظيمة للشعب العربي لمتابعة نجومه الكبار، أمثال محمد صلاح وأشرف حكيمي وموسى التعمري وغيرهم، خلال كأس العرب.
أمر آخر لابد من التوقف عنده في النسخ القادمة وهو ضرورة واشتراط تواجد الصف الأول المتاح من أي منتخب، ربما لن نستطيع استدعاء النجوم الناشطين خارج الدوريات العربية حال تواصل إقامة البطولة شتاءً، لكننا على الأقل نستطيع ضمان تواجد النجوم المتاحين، مثلما حدث في النسخة الأخيرة من السعودية حيث تفادت خطأ نسخة 2021 وشاركت بالصف الأول المتاح، وهو الخطأ الذي وقع فيه المنتخب المصري، وإن كان المدرب حسام حسن معذور كون بطولة كأس أمم إفريقيا تلت كأس العرب مباشرة، ومن هنا نعيد ونُؤكد على ضرورة تغيير موعد البطولة العربية ومراعاة جميع المنتخبات الآسيوية والإفريقية وارتباطاتها لنحصل على أفضل نسخ مشاركة من الدول جميعًا.
النقطة الأخيرة التي قد تُساهم في تطوير وتحسين كأس العرب هي العمل على نشرها خارج الإقليم العربي، وجذب متابعين من خارج الدول العربية، وإن كان هذا يبدو صعبًا لكنه قابلًا للتطبيق. ربما توفير الفرصة للنجوم الكبار للعب في كأس العرب يُساهم في هذا لأنه سيجذب عشاقهم وجمهور أنديتهم، وهو ما نراه يحدث في كأس أمم إفريقيا حاليًا مثلًا، وربما دعوة نجوم سابقين ومسؤولين كبار لهم ثقلهم في كرة القدم العالمية يلعب دورًا في الأمر. كأس العرب شهدت عددًا من المباريات الرائعة والقوية والمثيرة جدًا، ومشاهدتها ستكون ممتعة جدًا لجمهور الكرة الذي لا يعترف بعرق أو لون أو جنس، ولذا هي تستحق أن يُسوق لها جيدًا على المستوى العالمي.
لا أقول في الختام إلا شكرًا لجميع المسؤولين عن كأس العرب، ولقطر صاحبة التنظيم المذهل، وللجمهور الحاضر في المدرجات بأجوائه المبهجة والرائعة، وللمعلقين والمحللين وضيوف الاستوديوهات المختلفة .. جلبتم لمنازلنا الكثير من الفرحة والمتعة وأيقظتم في أرواح أطفالنا الانتماء للأمة العربية ولقضاياها المختلفة، أدخلتم السعادة على قلوب متألمة وحزينة في فلسطين وسوريا والسودان، كنتم مصدرًا لبعض اللحظات الجميلة في واقع قاسٍ على جميع الموظفين والعاملين والكادحين في دولنا العربية ... شكرًا لكم، شكرًا كأس العرب!
