JOSEP MARIA MINGUELLA, Messi, LaportaGoal/Getty

قتيل لابورتا الذي صنع أمجاد برشلونة .. الرجل الذي ضم ميسي ومارادونا وستويشكوف

يسأل الإنسان نفسه إذا ما كان مسيرًا أم مخيرًا طوال الوقت؟ والإجابة تتغير باختلاف الوضع والحالة والموقف الذي يجد نفسه فيه، والأمر نفسه ينطبق على جوسيب ماريا مينجويلا، الطفل الذي ولد ليجد نفسه في نفس الحي الذي يضم ملعب كامب نو معقل النادي حاليًا، وملعبهم السابق كامب دي ليس كورتس.

والده نقل له شغف وحب برشلونة بشكل رسمي لاحقًا وفي عمر الخامسة أصبح عضوًا في النادي الكتالوني ليزداد ارتباطه وتعلقه.

هنا نستطيع أن نقول أن مينجويلا كان مسيرًا، فالرجل وجد نفسه في تلك الظروف، ربما لو كان ولد في مدريد لكان كل شيء اختلف.

درس مينجويلا لقانون وأصبح مدربًا لفريق كرة قدم جامعي قبل أن تأتيه مكالمة لم يتصور أنها ستحدث يومًا، في ديسمبر 1969 وجد هاتفه يرن بما قد يصفه بالمكالمة الأفضل في حياته.

كان برشلونة على بعد أربع نقاط من قاع الدوري الإسباني، وقام النادي بتعيين المدرب الإنجليزي فيك باكنجهام الذي درب أياكس مرتين من قبل، لكن الرجل لم يكن قادرًا على النطق بكلمة واحدة إسبانية.

هيكتور كاريرا سكرتير النادي كان من يتصل بمينجويلا وتحدث معه وسأله إذا ما كان يستطيع القيام بمهمة مساعدة باكنجهام، وبالرغم من محدودية اللغة الخاصة بالمحامي، حيث لم يتعلم الإنجليزية قط سوى من صيفين أمضاهما في إنجلترا، وافق الشاب على الفور كما هو الحال لو جاءت تلك المكالمة لأي عاشق محب لبرشلونة!

وفي تلك اللحظة نستطيع القول أنه كان مخيرًا، لكنه سار في اتجاه حب برشلونة عكس الأسباب والمنطق، وبعيدًا عن العقل.

أول صباح في كامب نو

في تمام التاسعة صباحًا في اليوم التالي كان مينجويلا في غرف الملابس بملعب كامب نو، وقدم نفسه للمدير الفني الجديد، وبالرغم من الصعوبات الخاصة بحواجز اللغة أقام الثنائي رابطة قوية للغاية، وتحسن الأداء وأنهى برشلونة الموسم في المركز الخامس.

في الموسم التالي استمر تقدم الفريق وحصل على المركز الثاني بعد قتال مع فالنسيا الذي فاز به بفوارق تكاد تكون معدومة، وحصل على الكأس، لكن المدرب استقال لأسباب صحية، وبدلًا من أن تكون تلك نهاية مينجويلا في برشلونة، كانت مجرد بداية له.

رحلة مينجويلا مع برشلونة استمرت في وجود المدرب الهولندي رينوس ميتشيلز وحققوا الدوري الإسباني في عام 1974 لأول مرة لصالح النادي الكتالوني بعد غياب 14 عامًا، لكن المدير الفني رحل وقرر معه مينجويلا أن يبحث عن الفرصة في مكان آخر لاكتساب المزيد من الخبرات ويتعلم أكثر، فذهب ليكون سكرتيرًا رياضيًا في نادي هيركوليس في مدينة أليكانتي لمدة عام.

في كل مناسبة خرج فيها مينجويلا للحديث عن نفسه كان يثني على ميتشيلز ويؤكد أن كل ما وصل له يعود في الأساس للسنوات التي أمضاها معه بالإضافة للعام الذي أمضاه في أليكانتي.

"ميسي سيلعب لنيولز أولد بويز كما فعل مارادونا"

أكثر من مجرد مترجم ومساعد

عام 1978 ترشح جوسيب لويس نونيز لرئاسة برشلونة، دون سابقة عمل داخل النادي، وهو الأمر الذي كان جنونيًا دون الحصول على الدعم الكافي.

لكن نونيز كان لديه مينجويلا في صفه، وهو الذي أقنع كارلوس ريسكاش بالانضمام لكتيبة الرئيس المرشح، وهو ما كان له التأثير الأكبر على الأصوات في الانتخابات، واستمر نونيز لمدة 22 عامًا في النادي الكتالوني كأكثر من بقى في ذلك المنصب، وحقق 30 لقبًا وحول برشلونة لذلك العملاق الذي هو عليه اليوم.

خلال الفترة التي أمضاها نونيز في برشلونة زاد عدد العضويات لأكثر من الثلث، وهو ما كان له عامل السحر في جمع أموال توسيع كامب نو وتحقيق النهضة الكبيرة في النادي الكتالوني.

Messi QuotesGoal/Getty

مدير رياضي من طراز عسكري!

أفكار مينجويلا ساهمت بشكل واضح في تشكيل مستقبل برشلونة الحالي، خاصة عندما قرر أن ملء ذلك الملعب بعد كل تلك التوسعات لن يحدث إلا بقدوم اللاعبين الأجانب الكبار، وكان أو من استقروا عليه لحمل ذلك العبء هو المراهق في ذلك الوقت دييجو أرماندو مارادونا لاعب أرجنتينوس جونيورز.

في تلك الفترة لم تكن الأرجنتين في أفضل أحوالها سياسيًا، وفيما يتعلق بحقوق الإنسان ونظام الحكم وما إلى ذلك، لهذا ففكرة تخليهم عن ثورة قومية مثل مارادونا لم تكن مستساغة لديهم.

بالرغم من ذلك أبى مينجويلا أن يترك الأمر دون قتال، فسافر إلى بوينس آيرس عاصمة الأرجنتين للتفاوض حول الصفقة وتجاهل كل الأزمات التي تخص البلاد اللاتينية واضعًا أمامه هدفًا وحيدًا وهو التوقيع مع مارادونا.

ومع إصرار النظام الحاكم على بقاء مارادونا في البلاد على الأقل حتى انتهاء كأس العالم 1982 نجح مينجويلا في نقله لصفوف بوكا جونيورز مقابل حوالي أربعة مليون يورو، وبعد انتهاء الإعارة حاول من جديد، مستغلًا تدهور عملة الأرجنتين والوضع المنهار لينضم مارادونا للفريق الكتالوني في 1982 مقابل حوالي ستة مليون يورو.

تلك الصفقة منحت مينجويلا سمعة جيدة للغاية فيما يتعلق بقدرته على التفاوض وحسم الصفقات الهامة بالنسبة لبرشلونة، وكانت مجرد بداية لعدد مذهل منها.

طوال الفترة المتبقية من رئاسة نونيز لبرشلونة أكمل مينجويلا الكثير من الصفقات الهامة، ولعب دورًا رئيسيًا حسم غيرها لصالح برشلونة.

كل تلك الصفقات كانت ضرورية في تشكيل فريق الأحلام الذي قاده المدرب يوهان كرويف، فضم جييرمو آمور وميجيل أنخيل نادال، وروماريو، على سبيل المثال لا الحصر.

وفي عام 1984 كاد أن يضم هوجو سانشيز لكن المدير الفني في ذلك الوقت تيري فينابلز رفض اللاعب، ليتحول مصيره لريال مدريد ويكون أحد أساطير النادي الملكي لاحقًا.

ولخبرته الجيدة بعقلية الحكم العسكرية تصدر مينجويلا مفاوضات ضم خريستو ستويشكوف من صفوف سيسكا صوفيا، الذي كان يديره الحزب الشيوعي البلغاري، ونجح كما هي العادة في ضم اللاعب لبرشلونة.

Messi numbers with BarcelonaGoal/Getty

صعوبات ضم ميسي 

أول مرة يظهر فيها ميسي على رادار مينجويلا كان عمر الفتى الأرجنتيني 12 عامًا فقط، لكن مينجويلا واجه صعوبات كبيرة في إقناع أصحاب الكلمة المسموعة في كامب نو باللاعب الصغير.

كل ذلك جاء بسبب السمعة التي خلفها من قبله من الأرجنتينيين في صفوف برشلونة، بما في ذلك مارادونا الذي تسبب بمشاكل أكبر مما يستحق العناء خلال عامين فقط، وفي ظل فشل الثنائي خافيير سافيولا وخوان رومان ريكيلمي في الارتقاء للمستويات المتوقعة.

لكن لأن مينجويلا آمن بما يملكه ميسي وقدرته على قيادة مستقبل برشلونة نحو المزيد من النجاح، دفع ثمن تذكرة الطيران من الأرجنتين لبرشلونة لخورخي وليونيل ميسي من جيبه الخاص، واسكنهما في فندق بلاسا دي إسبانيا.

مثلما كان الحال في عام 1978، رفع مينجويلا سماعة هاتفه وتحدث مع صديقه كارلوس ريسكاش وأخبره عن ميسي ليرتب الأخير مباراة ودية للحكم على ذلك الصغير صاحب الجسم الهذيل.

اندهش الثنائي مما قدمه ميسي، ليوقع ريسكاش معه على ورقة منديل، أول توقيع يربط ليونيل ميسي ببرشلونة، تلك القصة التي يعرفها الجميع، وليتم الاحتفاظ بتلك الورقة في متحف النادي حتى الآن.

ورقة المنديل تحولت لعقد وقعه مدير النادي جوان لاكويفا لاحقًا ولم يكن ذلك هو دوره فقط في مشوار ميسي، حيث قام الرجل نفسه بدفع بعض تكاليف علاج هرمونات ميسي من جيبه الخاص.

من المذهل التفكير في أن ميسي لم يكن لينجح كلاعب كرة قدم وربما لم نكن لنسمع عنه لولا عناد رجل واحد يدعى جوسيب ماريا مينجويلا.

في ظل ما عاناه برشلونة من أزمات في فترة ضم الأرجنتيني ووجود مديرين بنظر قصير لم يكن التوقيع مع ميسي ليحدث أبدًا، مع تفكيرهم الدائم في حلول قصيرة الأجل والمشاكل البدنية التي عانى منها ليونيل.

Stoichkov numbers with BarcelonaGoal/Getty

فصل للنسيان

بداية مينجويلا في برشلونة جاءت بشكل غير متوقع بالنسبة له، وصعد وتدرج في السلم الإداري للفريق وكان دوره محوريًا كما أوضحنا في العديد من المناسبات.

لكن في 2003 قرر مينجويلا أن يصل لقمة الهرم في النادي الكتالوني، وترشح لرئاسة النادي وخسر بنتيجة فادحة أمام جوان لابورتا الرئيس الحالي، ليقود الأخير برشلونة للمزيد من الألقاب والبطولات والأرقام القياسية بعد تشكيل جيل 2009 الذهبي.

بالرغم من ذلك وخسارته في الانتخابات لا يمكن تحت أي ظرف من الظروف التقليل من مساهمة مينجويلا الواضحة في تاريخ برشلونة، النادي الذي ترعرع وهو يعشقه، وأدى خلاله دور المحب والمترجم والمدرب ومستشار الرئيس والوكيل، وحاول أن يكون الرئيس بنفسه.

تواجد مينجويلا لعقود داخل برشلونة وكان شاهدًا على قدوم العديد من الأسماء ورحيل غيرها، وشهد الكثير من التغييرات لكن كان هو الثابت الوحيد في تاريخ النادي اللامع.

قصة جوسيب ماريا مينجويلا ربما لا تكون معروفة للجميع، وربما لن تكفي الأسطر للحديث عن مدى عمق مساهمته في تاريخ النادي الكتالوني، لكن يكفي أن نقول إن لولاه لما كان للعالم أن عرف ليونيل ميسي.

إعلان
0