"سراب" الوفاء.. حقيقة أكدها جشع ميسي وقبله رونالدو في زمن الاحتراف!

gettyimages

في السابق، كان يُضرب بلاعبي كرة القدم المثل في الوفاء، فتارة تجد أحدهم يرفض عرضًا قياسيًا حبًا في جماهير ناديه، وتارة أخرى يُضحي آخر بمسيرة كاملة فقط إخلاصًا للنادي الذي صنع اسمه وأظهره على الساحة.

لكن أين هذا الوفاء في كرة القدم هذه الأيام؟ تحولت الساحرة المستديرة إلى طابعها الاحترافي الأجوف، هذا الذي بدأت تُطبع به في مختلف المناحي إلى أن وصلت إلى عقلية اللاعبين أنفسهم.

الاحتراف رائع وهو ما طوّر كرة القدم، لكن "التقاليد" المتمثلة في عواطف صادقة كانت سببًا في هذا الانتشار غير المسبوق لهذه الرياضة، إذ أنها قدمت دروسًا في مفاهيم عدة كان منها الوفاء.

اليوم، يرحل ليونيل ميسي عن برشلونة بعد رحلة طويلة أبى أن يختمها كما يقول كتاب الانتماء والوفاء، فكانت رابطة الدوري الإسباني سببًا لسقف رواتبها من جهة، واللاعب نفسه بعدم المرونة الاقتصادية من جهة أخرى.

الوفاء في العقد الماضي.. سراب!

Stankovic Nedved Inter Juventus

عاشت كرة القدم قصصًا عاطفية بامتياز عبر تاريخها، من ينسى قصة بافيل نيدفيد ويوفنتوس، باولو مالديني وميلان، أو خافيير زانيتي وإنتر، أو راؤول جونزاليس وريال مدريد، وحتى تشافي هيرنانديز وإنييستا مع برشلونة، وأمثلة عدة.

هل تكررت هذه الأمثلة في العقد الماضي؟ لقد استيقظ عشاق كرة القدم على عالم موحش بكافة تفاصيله، يُحكم من قبل المال ليس إلا، انتهت فيه العواطف، انتهى الامتنان للنادي، انتهى العشق للجماهير وبات العشق الوحيد هو للمادة.

من ذا الذي توقع أن يرحل نيمار عن برشلونة بعدما تحوّل في كتالونيا إلى نجم ساطع وفعليًا تمتع بكل شيء يريده الإنسان من مال وجماهيرية وغيرها؟ لكن الجشع المادي ممزوج بوهم الطموح الفردي قادر على تدمير أجمل القصص.

لم يكن برشلونة وحده ضحية هذا الذي أصبح سرابًا واسمه الوفاء، بل حتى ريال مدريد ذاق المرارة بفقدان كريستيانو رونالدو للاختلاف حول الراتب مع فلورنتينو بيريز، بعد سنوات قدّم الملكي فيها للاعب ما أدركه بعد عامين فقط في يوفنتوس.

لم يكذب جوزيه مورينيو

Jose Mourinho, AS Roma

لم يكذب جوزيه مورينيو عندما قال أن لاعبي كرة القدم هذه الأيام مختلفون كليًا عن العقود الماضية، وسائل التواصل الاجتماعي جعلت هوس الشهرة وجني الأموال يحوّل شبابًا يافعًا إلى أقل ما يوصفوا بالجشعين، يريدون نهب كل شيء لصالحهم.

في السابق، لعب اللاعبون كرة القدم من أجل الجماهير، أراد بول سكولز أن يسدد الكرة في مرمى الخصوم حتى يرى البسمة على وجه مشجعي أولد ترافورد، وهكذا قرر ألا يمتلك وكيلًا، فبسمة مانشستر يونايتد كافية له، لكن ما الوضع الآن؟

الآن، يسعى هذا اللاعب أو ذاك إلى إحراز هدف مارادوني غايته أن يجتاح وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يجد الأموال تطرق منزله، لا يهم رأي الجماهير كثيرًا، الأهم أن يصل إلى غايته، شهرة جنونية وأموال أكثر جنونًا وحياة فارهة، أما الوفاء فلا تحدثني عنه.

جني الأموال شق هام من كرة القدم لا يمكن إغفاله، ولا أحد يتحدث عن اللعب بدون مقابل مثلًا، ولكن الحديث هنا بصورة أساسية عن جشع يسير في منحنى معاكس لمفهوم الوفاء في آخر السنوات، جعل الأخير مجرد مفهوم أفلاطوني لا يوجد إلا في المدينة الفاضلة، بعدما كان يُزيِّن الكرة لسنوات وسنوات.

ماذا بعد الاعتزال؟

لم يفكر أولئك النجوم في المدى الطويل بعيدًا عن فكرة المال، لم ينظروا إلى الطريقة التي ستتم معاملتهم بها إن ساروا على درب الأساطير القدماء، فكروا فقط في أن بمجرد ترك كرة القدم يكون حسابهم البنكي ممتلئًا بالأموال، وهكذا تزول كل الصعاب.

بكاء أجويرو وكين ومبابي إلى ريال مدريد .. ردود الأفعال على رحيل ميسي عن برشلونة

إن الحياة ليست مادية فحسب، والإنسان بطبعه خُلق اجتماعيًا، وما أجمل أن يشعر بأنه مرحب به في أرضٍ عن أخرى لما فعله مع ناديه، وما أعظم أن يضرب به المثل في شيء إيجابي، مهما كان يفكر أن المال بمقدوره أن يُنسيه الانتقادات ويجعله غافل عن نظرة سلبية من الناس به.

ميسي، هل هذه النهاية المثالية؟

Lionel Messi

ألم يكن من الأفضل لليونيل ميسي أن يُنهي مسيرته في كامب نو مع برشلونة بعد قرابة عشرين عامًا، يُنهيها وهو بطل جنى أموالًا طائلة من الكتلان على مدار عقدين وضحى للمساعدة في عبور الأزمة الاقتصادية الراهنة؟

إن كانت رابطة الدوري الإسباني تُعاند، فلماذا لم يحاول ميسي تخفيض راتبه بصورة قياسية تقديرًا لهذا النادي الذي صنعه والجماهير التي تعبده؟ فقط بعد انتهاء الأمر، يخرج البرغوث "حزينًا"، يصطنع الاكتئاب، بينما كان في يده أن يُنهي الأمر بعد أن تحصل وسيتحصل على ما يكفيه من المال لقرون.

من حقق 500 مليون يورو من آخر عقد مع برشلونة يتصنع الوفاء الآن ويحزن لعدم القدرة على التجديد، وغدًا يوقع لنادٍ عملاق آخر بـ500 مليون آخرين ثم يتذكر أيامه الجميلة في برشلونة ويبكي بالأموال، تمامًا كالصورة الكوميدية الشهيرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

بات الوفاء الحقيقي مجرد سراب في عالم كرة قدم احترافي أجوف لا ينظر إلا للمادة، لم يعد الأساطير لديهم الرغبة في الاستمرار بنسق أخلاقي رسخ عشق هذه اللعبة على مدار أجيال، بل بات التفكير كله ماديًا، فعلها رونالدو وندم على الانتقال ليوفنتوس، ومهما فعل ميسي برحيله هكذا عن برشلونة، سيندم عاجلًا أو آجلًا.. هكذا تقول التجربة، هكذا يقول التاريخ.