تضج منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً تلك المنبثقة من الأوساط الكتالونية، بموجة عارمة من النقد والاتهامات الموجهة للنجم الفرنسي كيليان مبابي منذ ارتدائه قميص ريال مدريد.
التهمة الجاهزة دائمًا هي المبالغة في السقوط واصطناع العرقلة لانتزاع ركلات جزاء تعزز رصيده التهديفي وتمنح فريقه نقاطاً غير مستحقة.
وبينما تُصاغ هذه الاتهامات في قالب من الورع الرياضي المفتعل، يبدو من الضروري كشف الغطاء عن ازدواجية المعايير التي تحكم هذا الطرح رغم صدقه في بعض جوانبه، واستحضار تاريخٍ ليس بالبعيد، جعل من التمثيل جزءاً أصيلاً من تكتيكات مدرسة برشلونة في عصرها الذهبي.
إن محاولة تصوير مبابي كمحتال داخل منطقة الجزاء تبدو مفارقة ساخرة حين تأتي من بيئة كروية شرعنت لسنوات الغطس والتمثيل.
تاريخ ليس ببعيد
لا يمكن لأي مؤرخ للكرة الحديثة أن يتجاوز الواقعة الأيقونية لسيرجيو بوسكيتس في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2010 أمام إنتر، تلك اللحظة التي سقط فيها بوسكيتس ممسكاً بوجهه إثر تلامس عابر مع تياجو موتا، قبل أن تلتقطه الكاميرات وهو يفتح أصابعه خلسة ليتلصص على رد فعل الحكم.
لم تكن تلك مجرد سقطة، بل كانت الدليل لمدرسة كاملة ترى في خداع الحكم مهارة موازية لمهارة المراوغة بالكرة.
وإذا ما استرسلنا في تقليب صفحات المسرح الكتالوني، سنجد أن الأرشيف يعج بلقطات تفوق في فجاجتها أي اتهام يُوجه لمبابي اليوم.
نذكر داني ألفيش في كلاسيكو 2011، وكيف حُوّل تدخل بيبي العادي إلى مأساة تطلبت نقالة طبية وصراخاً هز أرجاء الملعب، لينتهي المشهد بطرد لاعب الريال، وما إن خرج البطاقة الحمراء حتى عاد ألفيش ليركض بحيوية تحسده عليها الغزلان.
ولا يمكن نسيان لويس سواريز، الذي ارتقى بفن الغطس إلى مستويات غير مسبوقة، ولعل ضربة الجزاء التي انتزعها في الريمونتادا الشهيرة أمام باريس سان جيرمان شاهدة على كيف يمكن لتمثيلية متقنة أن تغيّر مصائر كبرى البطولات.
بل إن الأمر وصل بجوردي ألبا إلى الحصول على ركلة جزاء تاريخية ضد إيبار لمجرد أنه ركل العشب وتعثر بقدمه دون وجود أي خصم في محيطه الجغرافي!
إن ما يغفله الناقد الكتالوني اليوم هو أن ناديه لم يكتفِ بالتمثيل الفردي، بل حوّله إلى نهج جماعي منظم.
تكتيك الحصار الذي مارسه لاعبو برشلونة لسنوات، حيث يركض ستة أو سبعة لاعبين فور أي صافرة لتطويق الحكم وممارسة ضغط نفسي كاسح، هو في جوهره خروج عن الروح الرياضية يهدف إلى إرهاب قضاة الملاعب وانتزاع قرارات تحت الضغط.
هذا السلوك الممنهج هو الذي أرسى قواعد ما نراه اليوم من مبالغات، فمن علّم المهاجمين أن السقوط بذكاء أضمن من التسديد بقوة؟
بيت القصيد
الهجوم على مبابي واتهامه بالتمثيل ليس دفاعاً عن نزاهة كرة القدم بقدر ما هو محاولة للتقليل من تأثير نقطة قوة واضحة للخصم حتى وإن صدقت مساعي بعض الاتهامات.
فمن غير اللائق أخلاقياً أن يمارس أستاذ التمثيل دور الواعظ، ومن المضحك أن تُوصف سقطات مبابي بالخطيئة، بينما كانت سقطات بوسكيتس وألبا وسواريز توصف بالذكاء الميداني والدهاء الكروي، فالعشب لا يزال يتذكر تلك السقطات.
قبل أن يُطالب مبابي بالنزاهة، على الذاكرة الكتالونية أن تتصالح مع ماضيها المسرحي، وتعترف بأنها هي من وضعت قواعد اللعبة التي يمارسها الجميع الآن، أو على أقل تقدير أتقنت استخدامها قبلهم.




