كأس العالم من الألف للياء (9) | مونديال 1954 .. مسمار الحذاء يهدي ألمانيا الكأس

التعليقات()
Getty
قبل عدة أشهر من إقامة بطولة كأس العالم 2018 في روسيا، جول يروي في سلسلة خاصة كواليس المونديال منذ النشأة وحتى يومنا هذا..

 


محمد أشرف | فيسبوك | تويتر


أصبح جول ريميه بنهاية كأس العالم 1950 يبلغ من العمر 78 عاماً، وظهر العجز والكبر عليه، لكن ما كان يبقيه مبتهجاً وشاباً من داخله أنه حقق الحلم الذي عاش من أجله، وهو أن يرى بطولته هي الأهم في العالم، وزادت سعادته عندما اقنع إنجلترا أخيراً بالمشاركة بعد فترة من الجفاء والعداء.

سوف نسرد ماحدث في مونديال 1954 من كواليس قبل وأثناء البطولة في هذا التقرير الشامل.


مونديال 1954 .. تركيا تصل للمونديال بفضل طفل كفيف، ومسمار الحذاء يهدي اللقب لألمانيا


German Football Museum - Media Day

كان ريميه سعيداً بنهاية مونديال 1950 لانتهائه قبل انطلاق البطولة من ملف اختيار البلد المستضيف لكأس العالم 1954، والتي كانت سويسرا.

أبدت سويسرا استعدادها لتنظيم البطولة، وتحمس شعبها وقيادتها السياسية لاستضافة الحدث للمرة الأولى في أوروبا التي كانت مدمرة من الحرب وقتها.

اتفق جول ريميه مع مسئولي الفيفا على تغيير نظام البطولة بالكامل، وذلك من أجل زيادة المتعة والتنافسية.

تم الاتفاق على زيادة عدد المنتخبات المشاركة إلى 16 منتخباً تقسم على أربع مجموعات، ويتأهل صاحبي المركزين الأول والثاني من كل مجموعة لدور الثمانية أول الأدوار الاقصائية، ويستمر خروج المغلوب حتى نهائي البطولة.

تقرر تأهل منتخب سويسرا كمستضيف، ومنتخب أوروجواي كحامل لقب كأس العالم، فتبقى 14 مقعداً، نالت أوروبا 11 منهم، وانضمت إلى تصفيات القارة العجوز منتخبات مصر وتركيا والكيان، وحصلت الأمريكتين مجتمعتين على مقعدين، وتبقى مقعد واحد ذهب لآسيا.

شهدت التصفيات العديد من المفاجآت، حيث ظهرت منتخبات تركيا وكوريا واسكتلندا، وعادت ألمانيا مرةً أخرى للمونديال بعد فك الحظر الذي وقع عليها بسبب جرائم النازية في الحرب العالمية الثانية؛ تعادلت تركيا مع إسبانيا في المباراة الفاصلة التي جمعتهما في إيطاليا، فاستعان الفيفا بطفلٍ إيطالي كفيف لإجراء قرعة لمعرفة المنتخب المتأهل، وفازت تركيا بالقرعة وشاركت لأول مرة في كأس العالم بفضل هذا الطفل المفتقد لنور عينيه.

شاركت مصر في التصفيات النهائية وواجهت إيطاليا ذهاباً إياباً، وانتهى الذهاب في القاهرة بفوز الآتزوري بهدفين مقابل هدف سجله الديبة، وفي الإياب تقابل المنتخبان في ميلانو، وسجل علاء الحامولي هدف الفراعنة الوحيد في مباراةٍ مني فيها المصريين بخسارةٍ قاسية بخمسة أهدافٍ لهدف.

أجريت القرعة بنظامٍ غريب، كل مجموعة بها أربعة منتخبات، اثنين منهم أقوياء ومصنفين، واثنين غير مصنفين، ومنعت القرعة المنتخبين القويين من مواجهة بعضهما في الدور الأول، لأن ريميه كان يريد تأهل المنتخبات الثمانية الأقوى في المونديال لربع نهائي، وذلك لتكون المسابقة أكثر إثارة.

شهد كأس عالم 1954 نظاماً غريباً لم يستمر، وهو أنه إذا تعادل منتخبان في دور المجموعات فإن المباراة بينهما تمتد لشوطين إضافيين، لكن استمرار التعادل كان لا يُلجئهما لضربات جزاء.

كذلك نص نظام البطولة على أن المنتصر يحصل على نقطتين والتعادل يمنح كل فريق نقطةً واحدةً فقط، وفي حالة تساوي منتخبين في النقاط في نهاية دور المجموعات يتأهل المنتخب الأعلى تصنيفاً.

 

WORLD CUP-1954-ITALIA

خصصت سويسرا ستة ملاعب في ستة مدن لاستضافة المونديال، وحظي ملعب سانت جاكوب بارك الخاص بفريق بازل باحتضان أكبر عدد من المباريات، حيث أقيمت عليه ست مواجهات، وتم اختيار 16 حكماً لإدارة لقاءات كأس العالم، والأهم من كل ذلك أن سويسرا وفرت بثاً تلفزيونياً لنقل المونديال على الهواء مباشرةً، وهذه كانت المرة الأولى التي تنقل فيها مباريات البطولة على الهواء مباشرةً.

من غرائب البطولة أيضاً أن نظامها نص على ألا يتقابل أوائل المجموعات بثواني المجموعات المقابلة لها كالمعتاد في دور الثمانية، بل يلتقي الأوائل بالأوائل، وبالتالي تتواجه المنتخبات صاحبة المركز الثاني ببعضها البعض.

ضمت المجموعة الأولى كلاً من "البرازيل، يوغسلافيا، فرنسا والمكسيك"، وتأهلت البرازيل كمتصدرة لهذه المجموعة ب3 نقاط كما كان متوقعاً، لكن مالم يتوقعه أحد حينها هو سقوط منتخب فرنسا، وهو الشئ الذي فطر قلب ريميه، حيث أنه كان يحلم برؤية منتخب بلاده في زمرة كبار البطولة، لكنها لم تتأهل وتركت مكانها ليوغوسلافيا التي قدمت مبارياتٍ رائعة.

ضمت المجموعة الثانية كلاً من "المجر، ألمانيا الغربية، كوريا الجنوبية وتركيا"، فهم العجوز سيب هيربرجر مدرب المانشافت وقتها اللعبة، وقرر الحصول على المركز الثاني كي يواجه وصيف المجموعة الأولى يوغوسلافيا ويبتعد عن البرازيل، لأن منتخب ألمانيا الغربية لم يكن قوياً في تلك الفترة بسبب الحرب التي قضت على مقدرات الأمة الآرية.

ألمانيا هزمت تركيا في الافتتاح بنتيجة (4-1)، وفي مباراتها الثانية قرر هيربرجر الدفع بالفريق الاحتياطي، فخسر بنتيجة (8-3) من المجر التي كانت المرشحة الاولى لإحراز اللقب، حيث أنها ظلت أربعة أعوامٍ دون خسارة، وكان منتخبها مرعباً بفضل نجميه هيديكوتي وبوشكاش الذي تعرض لإصابةٍ قاسية في تلك المباراة.

غيرت تركيا الحسابات بالفوز على كوريا بسبعة أهدافٍ نظيفة، فجمعت بينها وبين ألمانيا الغربية مباراة فاصلة لتحديد المتأهل الثاني مع المجر، وتأهلت ألمانيا بسهولة بعد أن سحقت الأتراك بسبعة أهدافٍ لهدفين.

تأهلت أوروجواي والنمسا بسهولةٍ لربع النهائي عن المجموعة الثالثة، وذلك على حساب تشيكوسلوفاكيا واسكتلندا.

قررت إنجلترا أن تعاقب الجميع على الفشل الذريع في مونديال 1950، فتصدرت المجموعة الرابعة الصعبة جداً، فيما احتل منتخب سويسرا المستضيف المركز الثاني، بعد تفجيره لمفاجأةٍ كبرى بتفوقه على إيطاليا بطلة العالم مرتين سابقاً.

شهد دور الثمانية مبارياتٍ رائعة للغاية، ألمانيا واجهت يوغسلافيا وتفوقت عليها بسهولة وفازت بهدفين نظيفين، وخطفت بطاقة العبور الأولى لنصف نهائي المسابقة في مفاجأةٍ من العيار الثقيل.

المباراة الأهم في ربع النهائي كانت بين البرازيل الرهيبة جداً وقتها والمجر الأقوى والأفضل، والتي شاركت في اللقاء بدون بوشكاش، وهذه المباراة أطلق عليها تاريخياً إسم "معركة بيرن"، نظراً لشراستها وقوتها.

Hungary 1954 World Cup

كانت المجر تمتلك منتخباً عظيماً جداً بوجود هيديكوتي، بوجيك، كوتشيش، جروشيش، تسيبورا، أبطال أولمبياد هلسينكي 1952، والبرازيل أيضاً كانت رهيبة بقيادة ديدي الساحر، ولعبت البطولة بطريقة (4-2-4) رفقة جولينو، والظهيرين جالما سانتوس ونيلتون سانتوس.

كانت المباراة عنيفة للغاية، واعتبرت مبكر؛ العراك والاشتباك بين اللاعبين امتد إلى خارج الملعب فى غرف الملابس، وتم طرد لاعبين من البرازيل ولاعب من المجر، وأخيراً انتصر زملاء هيديكوتي بنتيجة (4-2)، وذلك بفضل المدرب الرائع جداً جوستافو سيبيس.

من ناحية أخرى واصلت أوروجواي حاملة اللقب تألقها في كأس العالم كما تعود منها الجميع منذ المونديال الأول 1930، وفي مباراة ربع نهائي المحفل الأهم عالمياً 1954 واجهت إنجلترا، وتوقعت الصحافة حينها فوز منتخب الأسود الثلاثة، لكن المنتخب اللاتيني تفوق على نظيره الأوروبي وفاز بنتيجة (4-2).

كانت أوروجواى بقيادة اللاعب العجوز فاريلا الذي هزم ستانلي ماتيوس وهو في ال40 من عمره، بينما تفوقت النمسا على سويسرا بسبعة أهدافٍ مقابل خمسة أهداف، في واحدة من أجمل مباريات كأس العالم ربما على مر التاريخ.

 

نحن الآن أمام نصف نهائي مثير:

المجر ضد أورجواي

سويسرا ضد ألمانيا الغربية

 

لم تكن أوروجواى قد خسرت فى أية مباراة في تاريخها بكأس العالم حتى مونديال 1954، وبالرغم من ذلك هُزمت على يد الفريق المجرى، والذي شارك بدون بوشكاش للمباراة الثانية على التوالي، فيما لعب حامل اللقب بدون نجمه الأول فلاريلا الذي تعرض لإصابةٍ في مباراة إنجلترا.

انتصرت المجر على أوروجواي بنتيجة (2-4) في مباراةٍ عصيبة انتهت بالوقت الإضافي، فوصل زملاء هيديكوتي لنهائي المسابقة وهم منهكون تماماً، فقد خاضوا معارك كروية من العيار الثقيل ضد البرازيل وأورجواي، وبالرغم من ذلك كان الجميع يتوقع أن تحمل المجر كأس ريميه أياً كان من ينافسها، خصوصاً بعد الأنباء التي أشارت لعودة بوشكاش في النهائي.

توقع الجميع أن تقدم النمسا مباراةً كبيرة وتهزم ألمانيا الغربية، لكن المفاجأة حضرت وتأهل المانشافت إلى النهائي بتغلبه على النمسا بنتيجةٍ تاريخية (6-1).

أقيمت المباراة النهائية بملعب وانكدورف بمدينة بيرن يوم 4 يوليو 1954 وسط حضور 60 ألف متفرج، وأدارها الحكم الإنجليزي ويليام لينج، وكانت هذه المواجهة إعادة لمقابلة طرفي النهائي في الدور الأول، والتي انتهت بفوز المجر بنتيجة (8-3).

Fritz Walter 1954

كان منتخب المجر هو المرشح الأول للفوز باللقب، وذلك لأنه لم يكن قد تلقى أي هزيمة طوال 32 مباراة متتالية.

شهدت المباراة هدفين لمنتخب المجر في أول 8 دقائق عن طريق بوشكاش وسيزابور، كل الشواهد أصبحت تؤكد تكرار نتيجة المباراة الثمانية، لكن ما حدث بعد ذلك جعل الجميع يؤكد أن المستحيل ليس ألمانياً.

عاد الألمان من جديد، وكانت البداية من هدف لمورلوك في الدقيقة العاشرة، ثم أضيف هدف التعادل عن طريق راهن في الدقيقة 18، وظلت المباراة في كرٍ وفر حتى سجل اللاعب راهن هدفاً قاتلاً في الدقيقة 84 منح منتخب ألمانيا الغربية اللقب الأول في المونديال.

أثار الفوز دهشة العالم، الصحف المجرية لم تصدق ماحدث، اختلقت قصتين أولاهما كانت أن الاتحاد المجري لكرة القدم قد باع المباراة مقابل الحصول على جرارات من ألمانيا، والقصة الثانية هي أن المانشافت تناولوا المنشطات.

تسع سنوات مرت على خسارة الحرب العالمية الثانية، كان الألمان يشعرون خلالها أنهم منبوذون من العالم، وفجأة حققوا كأس العالم 1954، فانتهي الكابوس.

شهد مونديال 1954 أعلى معدل تهديفي في تاريخ كأس العالم ب5.3 هدفاً في المباراة الواحدة، حيث أقيمت 26 مباراة شهدت تسجيل 140 هدف.

 كانت المجر أقوى هجوم في البطولة برصيد 27 هدف، بالرغم من أنها لم تحقق اللقب.

كل منتخبات البطولة تعرضت ولو لهزيمةٍ واحدةٍ على الأقل.

كان بروبست هداف منتخب النمسا هو هداف البطولة بستة أهداف، بالتساوي مع مارلوك هداف منتخب ألمانيا، وهوجي هداف سويسرا.

النمسا فاجأت الجميع واحتلت المركز الثالث بالفوز على حاملة اللقب أوروجواي بنتيجة (3-1).

من أشهر روايات المونديال السويسري أن المنتخب الالماني بعد أن خاض مباراته الشهيرة أمام المجر، بعث مدربه سيب هيربيرجر رسالة لصديقه أودلف الذي كان يمتلك مصنع أحذية في قرية هيرتزوجيناراخ الألمانية.

Former German football stars (L-R) Uwe S

اشتكى سيب لصديقه أدولف أن هطول الأمطار بغزارة سبب كثرة انزلاق لاعبيه داخل الميدان، ولاحظ كيف كانت أحذيتهم منبسطة من الأسفل.

قام أدولف بثقب الأحذية بستة ثقوب في قاعدة كلٍ منهم بواسطة مثقب يدوي، ووضع في كل ثقب مسمار وصامولة ،ثم وضع بداخل كل حذاء طبقة وقام بتجربته شخصياً فأعجبه، ثم ذهب لشقيقه رودي وعرض عليه الفكرة، فقام رودي بتجربة الحذاء في ساحة المنزل المليئة بالطين وكانت النتيجة مبهرة.

الثنائي صنعا 23 زوجاً من الأحذية وأرسلاها لمعسكر منتخب ألمانيا، وخاض اللاعبون بها المباراة النهائية التي شهدت هطول أمطارٍ غزيرة بعد تسحيل منتخب المجر هدفه الثاني، لتنقلب المباراة بشدة وقتها لصالح الألمان بفعل الأحذية السحرية

تم تكريم الأخوين أدولف و رودولف داسلر وربحا أموالاً ضخمة، وأطلقا على مصنعهما الصغير لقب أديداس

رودي اختلف مع شقيقه وقرر أن يدشن مصنع بنفسه بإسم رودا، وكانت كلمة رودا غير محببة في ألمانيا، فقام بتغيير الإسم من رودا الى بوما، فأصبح الأخوان صاحبي أشهر شركتين للأحذية الرياضية في العالم

انتهت واحدة من أهم البطولات في تاريخ كأس العالم وسط ذهول العالم بخسارة منتخب المجر العظيم، وبعد غلق صفختها حدثت العديد من التغييرات الكروية، وهذا ماسنتحدث عنه في الحلقة المقبلة.

إغلاق