بابلو إسكوبار .. الباترون الذي صنع مجد الكرة الكولومبية

تقول لوز ماريا إسكوبار، شقيقة بابلو: "بابلو أحب كرة القدم، لقد كان أول حذاء اقتناه هو حذاء الكرة، وكان آخر حذاء ارتداه، والذي قتل به، أيضاً حذاء لكرة القدم".

تابع الكثيرون على مدار الأعوام الماضية المسلسل الأمريكي الشهير "ناركوس"، والذي ألقى الضوء على حياة بابلو إسكوبار، الأسم الأشهر في تاريخ عالم تجارة المخدرات والعصابات في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكن ما لم يعطيه المسلسل حقه كثيرًا، ربما لكونه أمريكي الإنتاج، هو الاهتمام الكبير الذي أعطاه إسكوبار لكرة القدم على مدار حياته، فإسكوبار ربما كان تاجر مخدرات، قاتل، مهرب، وأشياء كثيرة، لكن من ضمن أشهر صفات "الباترون" كانت ولعه بكرة القدم. 

لا يعرف البعض الدور الذي لعبه إسكوبار في بزوغ نجم الكرة الكولمبية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الجيل الذهبي الذي خاض مونديال 1994، فكيف بدأت القصة؟  

ملحوظة: الحوارات والمعلومات المذكورة مصدرها برنامج وثائقي أمريكي بعنوان "The two Escobars" 

بداية تعلق إسكوبار باللعبة تعود للطفولة، حيث أحياء ميديين الفقيرة، المدينة التي شهدت ميلاد إسكوبار، حيث رغم فقره، تعلق باللعبة، وكان يمارسها في الشوارع. 

ويقول شونتو هيريرا، لاعب منتخب كولومبيا السابق وصديق لبابلو: "كان دائمًا هناك بطولات لكرة القدم في الأحياء الفقيرة، تلك البطولات كانت تنسينا الفقر والهموم التي نعيشها، كانت تجعلنا نشعر بأننا أشخاص مهمون، كأننا في عالم منفصل عن الواقع". 

ويمكن أن نفهم من التصريح الأخير كيف تشكلت شخصية إسكوبار القوية والطموحة، ولماذا أصر في أوج مجده أن يهتم بالفقراء من مدينته ويشيد المباني السكنية، وبالأخص ملاعب كرة القدم في تلك المناطق الشعبية، وأشهرها "بارييو" في مسقط رأسه، والتي ستقابلك صورة بابلو في مدخلها حتى هذا اليوم اعترافاً من أهلها بما قدمه "الباترون" لهم. 

Escobar

ويعتبر شونتو هيريرا واحدًا من كثيرين من نجوم الكرة الكولومبية الذين نشأوا ولعبوا كرة القدم في الملاعب التي قام ببنائها بابلو، ثم أصبحوا فيما بعد نجومًا على الصعيد المحلي، وحتى العالمي، وأسماء مثل رينيه هيجيتا، الحارس الأسطوري صاحب التصدي الأكروباتي الشهير، وباتشو ماتورانا، المدير الفني لمنتخب كولومبيا والهلال والنصر السعوديين، مجرد مثال على هؤلاء اللاعبين الذين كبروا وهم يشاهدون إسكوبار يفتتح لهم الملاعب وينتشلهم من عالم الفقر والعصابات إلى الكرة، الأمر الذي تحدث عنه ليونيل ألفاريز، اللاعب الذي مثل كولومبيا في 101 مناسبة، قائلَا: "كانوا ينتقدونه بسبب إنشاء تلك الملاعب من أموال المخدرات، لكن بالنسبة لنا كنا نشعر بالحظ والسعادة فقط لوجودها". 

Pablo Escobar

وكشف جافيريا عن أن بابلو كان ينظم مباريات للكرة يجمع فيها أفضل لاعبي الدوري الكولومبي مقابل إعطائهم الملايين: "بابلو كان يقول لجاتشا قل لي من تريد من اللاعبين وسآتي به، وكان يفعل ذلك، كان يتم تعويض هؤلاء اللاعبين بدفع الملايين لهم، الأمر الذي كان يجعلهم سعداء". 

وتواصلت لقاءات إسكوبار الاستعراضية حتى بعد دخوله للسجن الذي يعرف باسم " لا كاتيدرال" الذي بناه لنفسه ولمساعديه في 1991، بعد الصفقة التي عقدها مع الحكومة الكولومبية، إذ شهد السجن تواجد العديد من نجوم الكرة الكولومبية واللاتينية لخوض اللقاءات مع الباترون وأصدقائه من السجناء، وعلى رأس هؤلاء النجوم كان الأسم الأبرز وقتها في كرة القدم، دييجو أرماندو مارادونا. 

Maradona Higuita

ويقول مارادونا عن تلك الواقعة": تم أخذي إلى سجن مدجج بالحراس، قلت لهم هل أتيتم بي لكولومبيا لتلقوا القبض علي؟ لكن المكان كان كالفنادق الفخمة وليس كالسجن من الداخل". 

ويكمل مارادونا: "قدموا لي شخصاً وقالوا هذا هو الباترون، في وقتها لم أكن أقرأ الصحف أو أشاهد التلفاز، لذا، لم أكن أعرف من هذا. جلسنا في مكتب وتحدثنا وقال لي إنه معجب بي ويرى أن هناك تشابه بيننا لأن كلانا فاز بعدما جاء من الفقر. لعبنا مباراة وقتها، ثم نظم لي حفلاً رأيت فيه أفضل الفتيات في حياتي، ثم في اليوم الثاني دفع لي وودعني. كل ذلك حدث داخل سجن". 

نجم آخر ارتبط اسمه بإسكوبار كان رينيه هيجيتا، الحارس الأسطوري للكرة الكولومبية، والذي بقي وفيًا للباترون رغم القبض عليه في 1993 بتهمة المساعدة في الخطف والانتماء للتنظيمات الإجرامية الخاصة بالباترون بعدما صرح هيجيتا بزيارته هو وكامل المنتخب الكولومبي لإسكوبار داخل سجنه الخاص. 

ودافع هيجيتا في التحقيقات عن زيارته لإسكوبار داخل "لا كاتيدرال": "طوال التحقيقات كانوا يسألونني عن إسكوبار، قلت لهم إنه شخص دائمًا ما اهتم بالفقراء وبنى لهم الملاعب والمدن، لقد شارك في حرب نعم، لكن أنا سعيد بتسليمه لنفسه، لقد شكرته شخصيًا على فعله ذلك، لا أعتقد أنني خرقت أي قوانين بفعلي لذلك". 

Rene Higuita

ودافع ماتورانا، الذي كان مدربا للمنتخب الكولومبي في ذلك الوقت، عن حارسه ونجم فريقه: "إذا طلبني دون كورليوني للعشاء سأذهب"، ولكن القضاء الكولومبي لم يقتنع وتم حبس هيجيتا وتغيب عن كأس العالم في 1994 بسبب ذلك. 

وشهدت فترة تواجد بابلو في سجنه صعود المنتخب الكولومبي بقوة متأثرا بنجاحات فريقه أتليتيكو ناسيونال، حيث لم يخسر الفريق إلا لقاءاً واحداً من أصل 34 في تلك الفترة، ونجح في التأهل لنهائيات كأس العالم، البطولة التي لم يشاهدها بابلو بعدما قتلته الشرطة الكولومبية في ديسمبر 1993. 

ويسرد جافيريا واقعة طريفة عن الفترة التي شهدت انهيار السلام بين إسكوبار والحكومة الكولومبية، إذ قررت الأخيرة غلق لا كاتيدرال والقبض على الباترون، لكنه هرب إلى الأحراش: "كنا مختبئين بين الأشجار وكان يحيط بنا الجنود، ولكن بابلو كان يحمل جهاز راديو صغير ليسمع لقاء كولومبيا في تصفيات المونديال، في لحظة بابلو استدار وقال لي أعتقد أنهم فعلوها، فأخرجت بندقيتي، لكنه قال لي أقصد أن كولومبيا سجلت. كرة القدم كانت حياته". 

وكما يحسب لإسكوبار الدور الذي لعبه في تطوير كرة القدم، يلام عليه ادخال مصطلح "الأموال الدموية" للعبة، إذ لم تكتفي الأندية بالتمويل من أباطرة المخدرات، بل كان يتم استخدام الأموال لشراء الحكام والمباريات. 

يقول ماتورانا: "كنا نفوز بهذه الطرق للحفاظ على حياتنا، المجتمع الكروي كان مبني على أسس فاسدة"، كما اعترف خوان بيليني، رئيس الاتحاد الكولومبي لكرة القدم وقتها، بالأمر: "لابد أن نعترف بتأثير تلك الأموال في نهوض الكرة، لقد سمحنا بالأمر، بل وشاركنا فيه جميعاً". 

Escobar

ومن أشهر الوقائع التي لطخت صورة إسكوبار الوردية مع الكرة هي لقاء القمة في 1989 بين فريقه الثاني ديبورتيفو ميديين، وفريق أميريكا الذي تعود ملكيته لميجيل رودريجيز، إذ ظن بابلو وقتها أن حكم اللقاء ألفارو أورتيجا تم شرائه من قبل رودريجيز، فأمر بقتله، وهو ما حدث. 

ويقول جافيريا عن الواقعة: "الحكم سرقنا يومها بشكل فاضح، بابلو أمرنا بالعثور عليه وقتله". 

وجاءت وفاة إسكوبار لتشكل بداية النهاية للكرة الكولومبية، فالمنتخب ودع كأس العالم من الدور الأول وسط أجواء من الرعب بعد مقتل المدافع أندريس إسكوبار على يد تنظيمات أخرى كانت منافسة لبابلو، كما أن باراباس جوميز، لاعب آخر في صفوف المنتخب، تلقى هو وأخوه هيرنان، مساعد المدرب، تهديدات بالقتل، الأمر الذي جعل اللاعبون يفضلون الابتعاد عن صفوف المنتخب الكولومبي، الأمر الذي يؤكد جافيريا أنه لم يكن ليحدث لو كان إسكوبار حياً: "كان يملك قوانين، وكان الجميع يحترمها، لن يكن ليسمح بمثل تلك التصرفات أبداً"

Andres Escobar

ولم يكن المنتخب الكولومبي هو فقط من تراجعت نتائجه، بل فريق إسكوبار أتليتيكو ناسيونال، والذي بعد غياب الأموال فقد سطوته وغاب عن البطولات، إذ بقي 11 عاما بعد وفاة إسكوبار دون أي تتويج، كما انتظر حتى 2004 ليفوز ببطولته الثانية في كوبا ليبيرتادوريس، لكن تبقى البطولة الأولى هي الأقرب لقلوب عشاق الفريق لكونها كانت تحت أنظار الباترون.