
مراهق في الـ 14 من عمره يقطع بشكل يومي 26 كيلو مترًا داخل قريته حتى يصل إلى محطة القطار ويخوض مشوارًا للقاهرة طوله 100 كيلو مترًا، وبعد أن يترجل عن القطار يخوض طريقًا جديدًا طوله عشرة كيلو مترًا إلى ملعب المقاولون العرب بالجبل الأخضر ثم يعيد الكَرّة وهو في طريق الإياب ليكون إجمالي المسافة التي قطعها في يومه 262 كيلو مترًا، ليذهب بعدها مرتميًا على الفراش ليرتاح قليلًا قبل أن يستيقظ في اليوم التالي ليكرر نفس الرحلة من جديد!
شريف علاء أحد زملاء صلاح من فترة لعبه في شباب المقاولون العرب قال في تصريحات خاصة لجول أدلى بها قبل سنوات: "محمد كان يقطع مسافات طويلة في وسائل النقل للوصول إلى نادي المقاولون، لدرجة أنه قبل النادي كان هناك مرتفع شهير في الجبل الأخضر لنادي المقاولون طوله حوالي كيلومتر، كان يقطعه مشيًا على قدميه في بعض الأحيان ليصل إلى التدريبات، هذا كان أمرًا شاقًا للغاية عليه!".
فتى في ذلك العمر يحتاج لكل مورد غذائي ممكن حتى يبني جسده بشكل جيد، بعيدًا حتى عن حقيقة كونه يريد أن يصبح رياضيًا وأن يكون ناجحًا، مجرد كونه في الـ 14 من عمره يحتم عليه ضرورة تناول غذاء يساعده على النمو.
لكن الأمور لم تكن هكذا دائمًا بالنسبة لمحمد صلاح الذي كانت المواصلات تستهلك خمس ساعات على الأقل من يومه، وتقريبًا 95% من مصروفه اليومي.

"أحُب الأكلات الحريقة، لكن من أين جاء هذا الحب؟! كان والدي يمنحني 20 جنيهًا في اليوم وكانت المواصلات من وإلى القاهرة تكلفني حوالي 18 جنيهًا ونصف، فكان يتبقى لي جنيه وكنت أشعر بالجوع، فأشتري طبق كشري بـ 100 قرشًا، كان صغيرًا للغاية، أعتقد أنه لم يعد موجودًا الآن، وحتى أشبع كنت أضع الكثير من الشطة والبهارات"، كانت تلك كلمات محمد صلاح في بث مباشر أطلقه عبر الإنترنت لجماهيره قبل أشهر.
وأضاف: "طريق العودة كان يصل بعض الأوقات إلى خمس ساعات، وذلك الطبق الصغير لم يكن ليشبعني، لذلك كان يجب أن أضع الكثير من الشطة".
بالرغم من انتقاله لأوروبا وتغير أسلوب حياته بشكل عام، ونظامه الغذائي بشكل خاص، إلا أن ذلك الطبق بالتحديد لا يزال عشقه الأول، وهو ما ظهر في التصريحات التي أدلى بها لصالح "بي بي سي" قبل أشهر، حينما أكد أنه طبقه المفضل وأسهب في وصفه.
"الكشري هو معكرونة مع أرز وصلصة وبهارات، كلهم سويًا، الأمر معقد قليلًا لكنه بالنسبة لي هو الطبق الأفضل على الإطلاق".
أحد أصحاب محلات الكشري الشهيرة في القاهرة أكد في تصريحات صحفية أن صلاح يستغل كل إجازة ومناسبة يتواجد فيها في مصر من أجل تناول الطعام من مطعمه.
قال صاحب المطعم: "محمد صلاح عميل دائم لدينا، في إحدى المرات وبمجرد نزوله من الطائرة تناول الكشري الخاص بنا بشكل مباشر، وبعض الأحيان يبلغنا بموعد وصوله حتى يكون طلبه جاهزًا".
صلاح أكد الأمر في تصريحات هيئة الإذاعة البريطانية: "بمجرد وصولي أرتدي غطاء للرأس وأدخل للسيارة وأول ما أقوم به هو تناول الكشري الذي أطلب من أحد أصدقائي أن يجلبه لي في المطار".
الأمر امتد إلى معسكر المنتخب المصري، ففي العام 2019 طلب من الطباخ أن يحضر له طبق كشري بعيدًا عن طعام الفريق.

كفانا حديثًا عن وجبة محمد صلاح المفضلة والتي تبعد كل البعد عن المثالية فيما يتعلق بالنظام الغذائي لنجم كرة قدم من الطراز العالمي، ودعونا ننتقل إلى الجزء الأكثر إلتزامًا من أسلوب حياته الحالي، وهو أيضًا مختص بالطعام وطريقة تناوله.
في حديثه الأخير مع الإعلامي عمرو أديب عبر شبكة "إم بي سي"، أكد صلاح أنه يأكل خمس أو ست وجبات يوميًا ولكنه أكل صحي وليس به أي دهون.
يقسم وجبة الإفطار على مرتين، في المرة الأولى عصير فراولة مع حليب خالي الدسم، وبعدها بساعة يتناول بياض البيض مع فاكهة الأفوكادو، مع خبز خال من الجلوتين.
وأوضح أن وجبة الغداء تتكون من عنصر أساسي وهو الخضار وبجانبه أحد البروتينات سواء دجاج أو أسماك، ويتناول بعدها بساعتين زبادي مع فاكهة.
الطعام وحده لا يبني العضلات ولا يصنع الأبطال، لابد من وضع حمل تدريبي محدد على كل عضلة حتى تتخذ الشكل المناسب وتصل إلى القوة اللازمة.
وبعيدًا عن وجبة الكشري المفضلة لصلاح وعن النظام الغذائي الصارم الخاص به في أيام التدريب والمباريات فالنجم المصري يجد نفسه ملتزمًا ببرنامج تدريبي في غاية الدقة، وتم وضعه بعناية ليناسبه ويلائم طموحاته.
صلاح يتدرب بشكل شبه يومي مع ليفربول بحسب البرنامج الموضوع من قبل الجهازين الفني والبدني، لكنه يضيف إلى تلك التمارين تدريبات خاصة به وحده.
ولمدة ثلاثة أيام في الأسبوع ينفرد صلاح بنفسه في صالة الألعاب الرياضية ليضيف لقدراته البدنية ويدرب عضلاته بشكل خاص. غالبًا ما تكون تلك الأيام هي الإثنين والأربعاء والجمعة، بعيدًا عن مواعيد مباريات الدوري الإنجليزي، ويتم تنسيقها تبعًا لجدول مباريات كل أسبوع.

أول تدريب في الأسبوع لصلاح يكون للجزء العلوي من الجسد والذي يتضمن تدريب عضلات الكتف والذراع والصدر والبطن، مع القليل من تدريبات القدم والتدريبات البدنية "كارديو".
أما ثاني أيام التدريب فيعمل بشكل أساسي على تحسين قدراته البدنية "كارديو"، مع الحد الأدنى من تدريبات البطن والقدم والبطن. وفي ثالث الأيام يمرن صلاح الجزء الأسفل من جسده بشكل أساسي ثم يقوم ببعض تمرينات اللياقة.
برنامج يبدو بسيطًا للغاية يستطيع أي شاب أن ينفذه، لكن في الواقع يحتاج لقدر عالٍ من الالتزام والقدرة على الوصول للأهداف التي يضعها لنفسه، ولو كان هناك شابٌ يمتلك تلك القدرات فهو صلاح بكل تأكيد.
كل ذلك يتم دعمه بممارسة اليوجا بشكل منتظم، وبحسب ما قال صلاح بنفسه فهي تساعده بشكل كبير، وتزيد من وعيه وتحافظ على تركيزه.
وصحيح أن تلك البرامج يضعها أفضل المختصين في العالم في الوقت الحالي، لكن برنامجه الغذائي والبدني الأول كان من وضعه هو محمد رضوان، المدير الفني الأسبق للمقاولون العرب.
رضوان قال في تصريحات خاصة لجول سابقًا: "لفت محمد صلاح نظري في مباراة مع الناشئين وتألق بشدة وقررت فورًا تصعيده للفريق الأول. ولأنه كان يبلغ 15 عامًا لم يكن قوي بدنيًا، فقررنا وضع برنامج غذائي وبدني له".
ولأن بناء النجم لا يتوقف عند بناء الجسد فقط، بل يرتبط بكيفية تكوين الشخصية، وللغوص في ذلك كان علينا العودة لزملائه في مراحل الناشئين بالمقاولون العرب، وعلى رأسهم أحمد سعد الذي روى رواية الهاتريك الذي سجله صلاح في الشوط الثاني عقب توبيخ مدربه بين الشوطين.
وقال سعد في تصريحات خاصة لجول قبل عدة سنوات: "في إحدى المباريات تحت 16 عامًا لم يكن محمد صلاح جيدًا، وبعد نهاية الشوط الأول، وبخه المدرب بشدة حتى أن صلاح بكى.. وفي الشوط الثاني سجل ثلاثة أهداف".
شخصية صلاح كانت مختلفة منذ اليوم الأول وهو ما أكده سعد: "صلاح لعب في البداية كظهير أيسر وكجناح أيسر، وكان دائمًا يحلم بالاحتراف على عكس أغلب اللاعبين الذين كانوا يفضلون اللعب للأهلي أو الزمالك أكبر ناديين في مصر محمد لا يزال يتمتع بالشخصية نفسها، هو على تواصل معنا ومتواضع للغاية".
حسنًا، إذًا تلك هي الوصفة السحرية لأكون لاعبًا عالميًا مثل محمد صلاح؟ برنامج غذائي وتدريبي خاص للغاية، وشخصية متواضعة مع زملائي وحب منقطع النظير للكشري؟

بالتأكيد لا، فما يملكه صلاح من إمكانيات كلاعب بالإضافة إلى التطور الكبير في قدراته الفنية وفي شخصيته ككل خلال السنوات الأخيرة وضعه في مكانة خاصة للغاية كنجم من طراز فريد، لا نراه كثيرًا في الملاعب.
صلاح قبل ست سنوات فقط كان يعاني على مستويات عديدة، عندما كان جوزيه مورينيو لا يرى فيه ما يكفي من الإمكانيات حتى يلعب أساسيًا في تشيلسي.
مشاكل صلاح سافرت معه إلى إيطاليا رغم التوهج في فيورنتينا، فمر بأزمة انتقاله لروما، وتم تهديده بالإيقاف، لكنه مر من تلك المشكلة ككل ورطة تجاوزها من قبل.
وعلى المستوى الفني استمر صلاح في التطور بداية من فيورنتينا عندما أحرز تسعة أهداف في نصف موسم، ثم سجل 15 هدفًا في الموسم التالي لروما ثم 19 في موسمه الأخير مع الذئاب.
ووصل لقمة المجد عندما سجل 44 هدفًا لليفربول في موسمه الأول، ومنذ ذلك التاريخ وهو لا يتوقف عن تحقيق الأرقام القياسية.
تاريخ كتبته شخصية متفردة لصلاح، نجحت بمفردها في قيادة ليفربول إلى دوري أبطال أوروبا في الموسم الماضي رغم كل الصعوبات التي مر بها الفريق سواء فنيًا أو بدنيًا.
الشخصية المختلفة لم تتوقف عن التطور بعد أن احترف وأصبح أحد أفضل نجوم العالم، فنشاطات صلاح الإجتماعية لا تنتهي سواء داخل أو خارج مصر.
في قريته لا ينفك أحدهم عن الحديث عن أعمال الخير التي يقوم بها والمساعدات التي يرسلها بصفة دورية لكل من يحتاج، وخارجها وعلى نطاق أوسع قاد صلاح حملة هي الأنجح في التوعية ضد أخطار تناول المخدرات، وحققت نسب تعافي قياسية.
البعض انتقده مؤخرًا بسبب حديثه عن رفضه لتناول الخمور لأنه لم يشعر برغبة قط في تجربتها، كأنه أجرم مثلًا، في حين أن تأثير مثل ذلك الخطاب على الشباب قد يكون أقوى عند البعض من الخطاب الديني المُهمل من قبل بعضهم بالفعل!
اهتمامات صلاح بالأعمال الخيرية امتدت مؤخرًا لعرض قميص الهاتريك الشهير ضد مانشستر يونايتد في مزاد من أجل مساعدة جمعيات الرفق بالحيوان في مصر.
وما بين البداية الصعبة والظروف التي لم تكن الأفضل، مرورًا بالنظام الغذائي والالتزام الكامل عند الضرورة وترك كل شيء خلف ظهره من أجل طبقه المفضل ووصولًا للنضج الكامل ومعرفة الالتزامات التي تفرضها عليه نجوميته، لا يمكننا أن نعتبر صلاح مجرد نجم كرة قدم آخر يرتص في سماء النجوم بجوار غيره، فالنجم المصري أكثر من ذلك بكثير!

