في مصر تدور كرة القدم في فلك الأهلي والزمالك، وهو التنافس الأكثر ضراوة على الساحة العربية والأفريقية.

أي ديربي أو كلاسيكو تتشكل فيه التنافسية من عدة عوامل، بعضها قد يكون سياسيًا مثل كلاسيكو برشلونة وريال مدريد، أو دينيًا مثل الأولد فيرم بين سيلتك ورينجرز، أو اجتماعيًا مثل الكلاسيكو الكبير بين ريفر بليت وبوكا جونيورز، لكن في مصر تشكل ديربي القاهرة الكبرى من عدة عوامل مجتمعة.

إذ يقول الكاتب أندي ميتن في كتابه Mad for it «تفتخر القاهرة بتنافس حقيقي في كرة القدم يكاد يضاهي تنافس ريال مدريد وبرشلونة وبوكا جونيورز وريفر بليت. لقاء الأهلي والزمالك يتجاوز حدود التعصب. جزء من كرة القدم، وجزء من صراع سياسي، وجزء من التاريخ، وعمومًا فهو ذريعة جيدة للسكان المحليين لإلقاء الحجارة على بعضهم البعض!»

يضيف الكاتب «على غرار العديد من أشرس المنافسات في عالم كرة القدم، شُكل ديربي القاهرة بواسطة العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية. الناديان يقعان في حيز العاصمة المصرية، كان ينظر للزمالك باعتباره الخاص بالأسر الأكثر ثراءً داخل مصر، فيما دخل الأهلي تحت عباءة نادي الشعب».

أما صحيفة «الجارديان» البريطانية المرموقة فقد سبق وأفردت تحقيقًا مطولاً عن المباراة ووصفتها بـ «صراع القومية والطبقية والهروب من الواقع».

إذا أردت أن تلمس حقيقة الديربي القاهري، فما عليك إلا أن تتجول في شوارع القاهرة، عندها ستدرك أنك حققت ما كنت تصبو إليه، وأنهيت المهمة.

الحياة في مصر تتوقف في هذا الموعد، يتم تقسيم كل جانب من جوانب الحياة هنا إلى معسكرين إما أحمر أو أبيض، في الخارج يلعب الولاء المحلي دوره، لكن في مصر، الانقسام يشمل البلد بأكمله.

انعكس الصراع بين عملاقي القارة الأفريقية على كل شيء في مصر، تجسد في السينما المصرية، الأغاني، الكتب، حتى أنه انعكس على الأحداث السياسية التي تمر بها البلاد.

كرة القدم في العالم العربي بدأت مع تأسيس الناديين منذ أكثر من قرن، وتأثير الناديين لا يقع فقط في حيز أرض الكنانة، بل أطلقت مسميات الأهلي والزمالك على بعض القمم والديربيات العربية، فريق يمثل الأهلي، وفريق يمثل الزمالك، بات ديربي يُضرب به المثل من المحيط إلى الخليج.

ليس هذا فحسب، بل جماهير الأهلي قد تحب الأندية العالمية التي قد ترتدي نفس ألون فريقها، وقد تحب بلدان مدربيها، والأمر نفسه بالنسبة للزمالك، الديربي يطغى على كل شيء.

كيف ولد التنافس؟

عرفت الندية بين الفريقين منذ قديم الأزل حين قرر اللاعب الملقب بـ"أبو الكرة المصرية" حسين حجازي الذي سبق ولعب لنادي فولهام الإنجليزي، كأول عربي وأفريقي يحترف في إنجلترا العودة إلى مصر عام 1914، وتنازع على خدماته الأهلي والزمالك، لكنه فضل في الأخير اللعب لنادي السكة الحديد، الأقدم تأسيسًا.

قضى حجازي مع السكة الحديد موسم واحد فقط، قبل الانتقال إلى الأهلي وهنا بدأ مرحلة جديدة قضى موسمين مع الفريق الأحمر قبل الانتقال إلى المختلط “الاسم القديم للزمالك” وهنا بدأت المنافسة والخصومة بين الناديين بعدما رحل نجم القلعة الحمراء إلى الغريم التقليدي.

ظل حجازي في صفوف الفريق الأبيض قرابة 5 أعوام لكنه رحل عن المختلط وعاد إلى الأهلي؛ بسبب نقل الزمالك مقره إلى مكان آخر لا مكان فيه للعبة البريدج والبلياردو.

عاد حجازي إلى القلعة الحمراء ولعب موسم واحد فقط، وخلال هذا الموسم تراجعت نتائج الزمالك وكاد الفريق أن يهبط إلى الدرجة الثانية فسرعان ما تم التعاقد مع حجازي مجدداً وأنهى مشواره بقميص الأبيض عام 1931

لم تكد تهدأ حالة الشد والجذب في قصة انتقالات حجازي، إلى أن جاء عام 1936 والذي انتقل فيه عبد الكريم صقر الذي لعب للنادي الأهلي أربع سنوات إلى الزمالك، مما زاد الفجوة بين الناديين.


حق مسلوب، أم حق مكتسب؟!

ما أشعل فتيل المنافسة أكثر بين القطبين، هو ما حصل في الماضي القريب في تسمية الاتحاد الأفريقي النادي الأهلي بلقب نادي القرن الأفريقي في وقت كان نادي الزمالك فيه الأكثر حصولاً على بطولات أفريقية، إلا أن الكاف استند في قراره على النقاط التي جمعها الفريقان في الفوز بالبطولات بالإضافة إلى عدد مرات وصولهما إلى الدور ربع النهائي، نصف النهائي، والنهائي.

أسئلة يطرحها أنصار الفريقين على بعضهما البعض، من أحق بهذا اللقب، من النادي الأفضل، من الأكثر وطنية، من يجامله الحكام، من يجامله الإعلام؟ أسئلة زادت أيضًا الفجوة بين الغريمين.

ديربي الشك والمؤامرة

الشك يلعب دورًا كبيرًا ديربي القاهرة، قديمًا أن يرتدي الحكم ملابس تحمل ألوان أي من الفريقين فهذا يدل على تحيزه له.

هذا ما أكده الحكم الإسكتلندي كيني كلارك والذي سبق وأن أدار الديربي في عام 2001، حيث يقول في تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي عن أقوى 5 ديربيات في العالم.

«بعد أن رفضت ستة اتحادات أوروبية أن ترسل حكامًا لإدارة هذه المباراة، وافقت، قبل عام كان حكمًا فرنسيًا قد ألغى المباراة بعد 10 دقائق، لذلك كنا على علم بما نحن مقبلين عليه».

«عادة عندما نذهب إلى أي مباراة خارجية، نرتدي بذلة الاتحاد الاسكتلندي، لكنهم أخبرونا بأن لا نرتديها ونتخفى لأن هناك إمكانية لحدوث متاعب حين نصل للمطار».

«سافرنا بملابس عادية، وقام الاتحاد المصري بتخصيص حارس شخصي لنا، وقبل المباراة بساعة ونصف دخلنا الملعب وجدناه متتلئًا عن بكرة أبيه، قمنا بعمليات الإحماء والتقط أحد المساعدين صورًا مع بعض الجماهير، لكن الحارس الشخصي أخبرنا بأن نلتقط صورًا أيضًا مع الجماهير الأخرى حتى يحدث توازن!».



الوجه الإنساني

ما سبق كان الوجه الأول من "عُملة" ديربي القاهرة الساخن، لكن هناك الوجه الآخر الذي لم تنجح كل تلك الشراسة في المنافسة في طمسه، وهو الجانب الإنساني لصراع الأهلي والزمالك.

هذا الجانب لا يتعلق فقط بالعلاقات الجيدة بين اللاعبين على مدار تاريخ التنافس، أو التلاحم الشديد وقت اللعب بقميص المنتخب المصري، لكنه تخطى الأمر لتعرض الفريقان وتحديدًا جماهيرهما لمعاناة واحدة، شعورهم بألم واحد.

نعم، لم تختلف الدموع التي سالت يوم الأول من فبراير 2012 ويوم الثامن من نفس الشهر لعام 2015، فقد كانت دموع واحدة، صادقة، لم تتلون بالأبيض أو الأحمر، لم تعرف كلمة أهلاوي أو زملكاوي، بل كانت تعرف كلمة واحدة .. شهيد!

مأساة الأهلي في بور سعيد، وشيكابالا في القناة الرسمية للنادي.

كانت مباراة صعبة، ورحلة محفوفة بالمخاطر لجماهير الأهلي إلى بور سعيد، لكن لم يتوقع أحد أن تتجاوز تلك "المخاطر" أحداثًا مثل تبادل الشتائم وقذف الحافلات بالحجارة وفي أقصى الحالات إلى اعتداء على أحد المشجعين، وهو ما قد يحدث في أي رحلة لملعب ومدينة صعبة وعدائية.

لكن ما حدث ذلك اليوم فاق كل التوقعات وتخطى كل خيال مؤلم، ما حدث أن الجميع في نهاية اليوم كان يتحدث عن 72 شهيدًا ومئات المصابين! ما حدث كان مذبحة حقيقية طالت جماهير الفريق الأحمر وتسببت في كل هذا الألم والحسرة والحزن لعائلات ليس لها أي ذنب.

يومها تضامن الجميع مع الأهلي وجماهيره، لكن كان هناك رسالة "عملية" من نوع خاص، كانت من محمود عبد الرازق شيكابالا نجم الزمالك وأحد الضحايا الدائمين لشتائم جمهور الأهلي خلال مباريات القمة، نظرًا لتراجعه في قراره بالتوقيع للعملاق الأخر في اللحظات الأخيرة.

شيكابالا الذي لم يظهر قبل تلك الحادثة في أي برنامج تلفزيوني طوال مسيرته الكروية، رغم نجوميته وجماهيريته الطاغية، ظهر للمرة الأولى بعد مذبحة بورسعيد، وأين؟ في قناة النادي الأهلي الرسمية!

حتى أنه لم يكتف بالتضامن والظهور في قناة الغريم المحلي، بل تبرع بمبلغ ضخم جدًا لأهالي الشهداء، وأيضًا، كان أول من بادر بإلغاء مباراة فريقه ضد الإسماعيلي، لصعوبة استكمالها، ومصر كلها تتحدث عن مجزرة ملعب بورسعيد.

ومن جديد، عاد شيكا بعد غياب طويل كعادته عن الظهور في مختلف وسائل الإعلام، ليختص Goal بحديث آخر نادر، عن هذه الليلة بوجه خاص وأسباب قلة ظهوره في الإعلام، قائلاً "الناس تعتقد أنني أتكبر على الإعلام بسبب عدم ظهوري، لكن هذا غير صحيح، أنا لاعب كرة قدم وأحب الحديث دائمًا في أرض الملعب فقط".

وفي رده على سؤال عما إذا كان ظهوره في قناة الأهلي، كان الأول بالنسبة له عبر الشاشات، فكانت إجابته «بالفعل كان هذا أول ظهور لي في الإعلام، لقد أردت إرسال رسالة إنسانية في المقام الأول، كان هذا أقل شيء يُمكنني تقديمه للضحايا، ولم يكن بوسعي التأخر عن هذا الواجب الإنساني».

وعن المذبحة نفسها، قال الفهد الأسمر «عرفنا ما حدث في بورسعيد في النفق خلال مباراة الإسماعيلي ما حدث، وأقسمنا أننا لن نخوض الشوط الثاني، تحدثت مع الكابتن حسن شحاتة وذهبت لغرفة خلع ملابس الإسماعيلي وقررنا عدم خوض الشوط الثاني»

أضاف في نفس السياق «كنا في البداية نظن أن الأمر بسيط، لكننا لم نكن نعرف أن عدد الضحايا كبير للغاية، الأمر كان صعبًا علينا، لذلك حاولت إرسال رسالة من خلال ظهوري على قناة الأهلي وإنهاء فتنة كبيرة».

وفي ختام حديثه عن ليلة الثاني من فبراير 2012، وصف البالغ من العمر 33 عامًا ما حدث في بورسعيد  بأسوأ صدمة تعرض لها في مسيرته، قائلاً «ما حدث في بورسعيد هو أسوأ صدمة تعرضت لها وأثرت في مشواري الكروي، وصلت لمرحلة كره كرة القدم، كنت أنا واللاعبين ننزل إلى التدريبات لا نرى أي شيء».

مأساة الزمالك في الدفاع الجوي، ووليد سليمان يلغي حفل زفافه

كانت أيام قليلة بعد ذكرى حادثة بورسعيد، مباراة عادية للزمالك ضد إنبي .. الجماهير حاملة التذاكر تتوجه للملعب بأمل متابعة المباراة وتشجيع فريقها والعودة للمنزل ... عاد الجميع للمنزل باستثناء 20 مشجعًا لقوا حتفهم وألحق باسمهم لقب شهيد

خلال تلك المأساة، كان نجم الأهلي "وليد سليمان" يحتفل بزفافه وسط مجموعة من لاعبي الفريق، وبعد دقائق من بدء الحفل وصل الخبر للجميع وبدأ اللاعبون ينصرفون من القاعة دون الحديث لوليد عما حدث.

في النهاية علم وليد بما حدث وقرر فورًا وقف الحفل ووجه كلمة قال بها "لا يُمكن أن نواصل هنا احتفالنا وهناك أشخاص يموتون في الخارج، علينا متابعة ما يحدث ونتمنى ألا يكون هناك الكثير من الضحايا"، ثم دخل في نوبة بكاء شديدة.

الدقيقة 20 والدقيقة 74 .. رمز الوفاء في كرة القدم المصرية

ربما يلحظ البعض رفع الجماهير لهواتفهم المحمولة عند الدقيقتين 20 و74 خلال مباريات الدوري المصري خاصة لقاءات الأهلي والزمالك، تلك هي الطريقة التي وجدها الجمهور ليُعبر عن حزنه الدائم على ضحاياه من الجانبين، اللحظة التي يؤكد بها جمهور الفريقين لشهدائهم أنهم في القلب والعقل دومًا ولن ينساهم أحد.

وما يؤكد المشاعر الإنسانية بين الجمهورين، هتاف كل جمهور لشهداء الآخر بقوة وألم لحظة مرور الدقيقة الخاصة به، إذ نستمع لهتاف "في الجنة يا شهيد" عند الدقيقتين 20 و74 من كلا الجمهورين لشهداء الطرف الآخر.

تلك الظاهرة حدثت في ملاعب أخرى عربية، أبرزها خلال مواجهة الهلال ضد الاتحاد السكندري هذا الموسم في البطولة العربية.

الديربي الأعرق في الشرق الأوسط وأفريقيا، أكبر من مجرد مباراة، كل شيء يقوم على هذه المباراة، مزاج المواطن المصري المحب للأهلي أو للزمالك، يتفاخر بانتصاره لأيام، يصنع يومه، يعاير به صديقه الآخر، تشتعل صفحات التواصل الاجتماع، والجديد في زمن "السوشال ميديا"، موضة "التحفيل" بالتشفي والشماتة في المهزوم بتعليقات وكوميكس، أقل ما يُقال عنها ساخرة لحد البكاء.