لنظل نلعب (28) | بطل شعبي؟ أنظر ديل بييرو !

Giochiamo Ancora
لنظل نلعب
الحلقة الثامنة والعشرين
 بطل شعبي؟ أنظر ديل بييرو !


يملك الآخرون نظرةً معينة عنّا، تشبه لحظة خروجنا من فيلم في السينما لنقيم ما أعجبنا وما لم يعجبنا فيه. تلك الصورة نحدد معالمها بواسطة أسلوبنا، والأسلوب يحكي من نكون، ربما الأسلوب هو نحن. لا وجود لأسلوب صحيح وآخر خاطئ، لكن شخصاً ذو شعبية لا يمكنه أبداً أن ينسى أن الكثير من العيون ترقبه، أي أنه من غير الممكن له أن يتبع طبيعته أو غريزته فقط. الأسلوب عبارة عن تصرف، هو مجموع خياراتنا وتنازلاتنا، هو ذلك الشيء الذي قررنا ألا نكونه. لطالما فضلت استعمال خمسة كلمات بدلاً من عشر للتعبير عن أمر ما، وأن أقوله بصوت منخفض دون أن أصرخ، فمن يصيح يظهر ضعفه. الأسلوب هو أيضاً إتقان التحكم بالنفس، فهو سبيل بقائنا في الحياة.

الأسلوب ليس المستوى، ليس الذكاء وبطبيعة الحال ليس الموهبة، فتلك هبات، أما هنا فالحديث عن خيارات. فللأسلوب علاقة كبيرة بالثقافة، جزء منه يأتي بالفطرة، أما البقية فيجب بناؤها يوماً بعد يوم، فالأسلوب يعني كذلك أن تختار الشخص الذي تريد أن تكونه، وبالتالي يجب الإعتناء بالمسألة منذ الصغر، منذ أن يبدأ التفكير بماذا سيصبح الفتى عندما يكبر. ولأن الأطفال يراقبون أبطالهم، الرياضيون الذين يمثلون لهم المثل الأعلى، فمن الأسلوب أيضاً ألا تخذلهم. وإن كان لا بد من ذلك، أفضل أن "أخون" ديل بييرو بأن أصمت عن أمور وأن أقول كلاماً لا أؤمن به بشكل مطلق، ولكن من الضروري قوله حتى تعطي انطباعاً إيجابياً يصب في مصلحة المجموعة.

رفقة اليوفنتوس فزت بكل شيء، ومع الوقت ولدت علاقة خاصة مع الجماهير، ولكنني فخور جداً باحترام من هم ليسوا من جماهير اليوفي، الرياضي الذي يتمكن من إظهار أسلوبه لا ينتمي لمجتمعه فقط، بل يصبح ملكاً عاما ويحمل مسؤوليات ضخمة، لا يمكنه أن يسمح لنفسه بقول "أنا ولدت هكذا" لتصحيح أي تصرف خاطئ، فشخصنا ليس ذريعة نحتمي بها، ولا مجال للأعذار. 

عندما أرى رياضياً يعطي انطباعاً سيئاً أشعر بسوء، لا لنزعة أخلاقية، ولكن لأنه لم يدرك ثقل تصرفاته، لم يدرك كم من الممكن أن يتم تقليده. إفتقاد الأسلوب يتحول فيما بعد إلى سلسلة من المواقف الخاسرة، فأن تمتلك الأسلوب أمر واجب أكثر من كونه حق، ولا يعني أن تمشي بأناقة وخفة، من المؤكد أن الهيئة مهمة، ولكن الأسلوب الحقيقي ليس بالمظهر، إنه أمر ملموس.

الأسلوب هو وجهنا، هو الرسالة التي نبديها بتعابيرنا وإيماءاتنا، بتفاعلنا، بالحرارة البشرية، وقد يكون الأسلوب منقوصاً من هذا كله، ففي البرودة أيضا أسلوب، كما أننا لسنا متشابهين بالمرة. الأسلوب أيضاً يتمثل في إعطاء الإنطباعات الحسنة، ليس بإعطاء الإمضاء أو الماركة التجارية الخاصة، فهذه الأمور تمثل معنى آخر لمفهوم الأسلوب. 


أحب الأسلوب الذي يجسد ما أقوم به من استعداد للتحسن، أعززه وأمضي به قدماً يوماً بعد يوم، هي قاعدة لا يمكن التنازل عنها ولا وجود لحالة استثنائية، فإن لم نقم بهذا لن نكون بعد من نحن عليه في الحقيقة وسنصبح مزيفين. 

مرة أخرى أحب أن أتذكر أيام الطفولة، وكيف تكونت شخصيتي، فالحياء الأولي تحول إلى تواضع، وبالتالي الحذر من عدم المبالغة في الخجل، سكان انجلوس اكسوني يسمون هذا الأمر "حرية مكبوحة"، ما يعني ألا تعيش في الظل، وفي نفس الوقت ألا تخرج عن السطر، كما كان والدي يقول: كلمة واحدة أقل أفضل من كلمة واحدة زائدة. أود أن يتذكرني الناس لما فعلت، لا لما قلت، الشعور بالمسؤولية جزء من الأسلوب، وهنا يتدخل التحكم بالنفس، ومن الأكيد أننا نخطئ هنا أيضا، لسنا كاملين بالمرة.

عندما يستوقفني الناس في الشارع ليهنئونني بما أقوم به، هذا بالنسبة لي إشباع ضخم، وبكل الأحوال لا يمكنني أن أقول بأن أسلوبي لم يكلفني، أنا أيضاً أحتبس بعض الأمور في داخلي أحياناً، وإن لم أقم به فهذا بداعي الخبرة واحترام الذات، أحاول أن أفكر بما هو أفضل للفريق، أود دائماً أن أعطي الرسالة الجيدة للخارج، أحيانا في الملعب أغير جلدي وأكون بليدا لدرجة أنني قد أصبح مجهول الهوية.

الأسلوب هو ثمرة دراسة متواصلة، ويتم تطويره بالحذف، أي بمراقبة التصرفات التي لا تعجبنا ونتجنب بذلك الأمثلة السيئة التي لا نريد محاكاتها. ولهذا فإن الأسلوب يُدرس، لا بد من الإصغاء، لا الإستماع فحسب، لا بد من المراقبة، لا المشاهدة فقط...
 
في الحلقة القادمة: لا أملك مثلاً أعلى، بل مجموعة مبادئ





https://secure.static.goal.com/134800/134843.jpg