لنظل نلعب (27) | النمر المقنع، والبندقية!

Giochiamo Ancora
لنظل نلعب
الحلقة التاسعة والعشرين
النمر المقنع، والبندقية

التضحيات هي جزء من القدر، ولا نمتلك المقدرة على تحديد إذا ما كنا نحن من نصنع القدر بأيدينا أو أنه هو من يقودنا. أعتقد أن الإجابة الصحيحة تقع في منتصف الطريق. التنازل والتضحية ليست أموراً تلقائية، هي أمور ذات ثمن ندفعه. بعد السنة الأولى في بادوفا كنت أريد العودة إلى المنزل، في داخلي كنت ألعب "دون أن العب"، الأمور كانت تجري بشكل معقد أكثر من الماضي، ولكنني أيقنت واجبي بأن اتبع حلمي حتى النهاية، وأنه من الخطأ الانسحاب. أذكر عندما كانت أمي تخشى أن يفوتني القطار ويتركني في المحطة، وكانت تكرر تنبيهاتها بأن أكون يقظاً لتبديل القطار في ميسرتي، وبالرغم من أني في الثالثة عشر من سني، كنت أتمكن من تدبّر هذه الأمور. عندها أصبحت أنا من ينبهها، وبعد مرور عام أخبرتها بان لا داعي أن ترافقني إلى المحطة بعد اليوم، فالتكلفة كانت مضاعفة، وأنا قد أتمكن من السفر وحدي.

 التضحيات والتنازلات تسرع من نموك،كما أن السفر وحيداً أمر جميل، كنت دائما أجلس قرب النافذة وأشاهد البلدة والريف، كنت اعرف كل المحطات، وكنت افرح عندما اصعد في القطار المدني لأنه كان يتوقف في محطتين فقط، تريفيزو و ميستري. كان القطار في تلك الفترة يمر بإستاد تيني في تريفيزو، وفي تلك الأثناء كنت أبدأ أحلم، كانت بالفعل كان مكاناً رائعا، مختلف عن الريف الاعتيادي، وهكذا كانت تزداد رغبتي بأن أصبح لاعب كرة قدم، كانت دفعةً إضافية لي.

يسألونني أحياناً إذا ما كان من الصواب أن يتنازل أبنائي عن شيءٍ ما، وإذا ما كان هذا يحسّن من نضجهم. أشعر ببعض الحيرة، أعرف أن بعض الرفض أمر ضروري من منطلق تثقيفي، وفي نفس الوقت أتذكر كم كنت أرغب بما لا أملك أيام الطفولة، وإذا ما كسر إبني لعبته سأود أن أشتري له واحدة في الحال. من الصعب إيجاد هذا التوازن، أحياناً الغريزة لا تساعد، ولكنني على يقين بأن كثرة الأشياء تفقدها من قيمتها. كم أود لو أن أبنائي يفهمون معنى "لا" و "نعم"، وأن يوقنوا بأني إذا ما قدمت لهم هديةً فهي ليست لأني أريد إعطاءهم، بس لأني أحبهم. تلك الفروق دقيقة جداً، والبساطة هي دائماً فوز عظيم.

 أحب أن أشاهد ولدي توبياس وهو يلعب بالسيارات، يأخذها ويأتي بها ويحركها ويوقفها ويجعلها تجري. يمضي ساعات بهذا الحال، وأحاول ألا أزعجه في هذه الأوقات الساحرة.  أنا أيضاً كنت أحب أن ألعب وحدي بسيارات أخي. هي صفة ذاتية أعتقد أنني زرعتها في نفسي في حياتي، أحب أن أصطحب نفسي لوقتٍ خاص بي، ربما لمشاهدة فيلم أو قراءة شيءٍ ما، أو لأن أفكر وأتأمل قليلاً. أحب أيضاً أن أعمل في المنزل، مستذكراً والدي الذي كان محترفاً في هذه الأمور. أتقن بعض الأعمال الصغيرة وأستمتع بها. بطبعي "بيتوتي" بعض الشيء، أحب أن أبقى في المنزل، على رغم من حبي للسفر، وهذه الصفة نشأت أيضاً في أبنائي.

البطل لا محالة يتنازل عن بعض خصوصيات الحياة، أنا كنت أرغب بهذا كله، وسيكون من النفاق لو قلت بأني لا يعجبني أن يعرفني الناس في الشارع. ولكن في بعض الأحيان لا بد من الإبتعاد بحثاً عن مكين ناءٍ بعيد هادئ، وهذا أمر صعب. منذ سنين وأنا وزوجتي نشترك في مهرجان فينيتسيا، حيث بالأقنعة على وجوهنا نكف لبعض الوقت عن أن نكون آل ديل بييرو. أن تتجول في الشوارع بقناعٍ يغطي وجهك، أن تجلس في مقهى في منتصف ميدان سان مارينو بين ألفي شخص جميعهم مقنعون هي تجربة ساحرة. ولكن قبل بضع سنين حدث حادث أكثر تميزاً.

أنا شغوف بالمصارعة ولوقتٍ طويل تابعت التلفاز ببرنامج النمر المقنع، أو الرجل النمر، هي شخصية محارب ياباني كما يعرف الجميع. منذ الطفولة كنت أشاهده رفقة والدتي التي كانت توبخني بحجة أن المشاهد فيه تحوي عنف، رغم أنه كان من الواضح جداً أنهم يمثلون. النمر المقنع كان يعجبني لحركاته وشقلباته. بعد سنين طوال، صار هذا الأمر معروفاً في اليابان، وخلال سفر رفقة المنتخب قابلت الرجل المقنع بشخصه، أهديته قميصي ومنحني هو قناعاً أصلياً له، جميل جداً، أسود ومصرع بالذهب. في تلك السنة فكرت أن أستعملها عندما أخرج للمهرجان التنكري في فينيتسيا.

ارتديت ملابس سوداء وتقنعت قناع الرجل النمر، أشبه بخوذة تترك الذقن في الخارج فقط، وبالقرب من ميدان سان ماركو اشتريت عباءة سوداء مرقطة باللون الذهبي، وبها أتممت الطقم. في ذلك الوقت كان بإمكاني أن أستمتع بالمهرجان، ولكنني لم آخذ بالحسبان أن النمر المقنع هو مثل أعلى بالنسبة للملايين من اليابانيين، فينيتسيا كانت مليئةً بهم. الكثيرون أخذوا يطرحون علي السلام، ويشيرون إلي بأصابعهم، كانوا بطبيعة الحال يحتفلون بالنمر المقنع، لا بي أنا، ولكن الأسلوب لم يكن مختلفاً. قد لا نجد أقنعةً نهرب بها من مصيرنا، أو ربما هي لعبة علينا أن نؤدي دورنا فيها فحسب. باختصار، قضيت نهاراً كاملاً رفقة أناسٍ مجهولين، وعدسات كاميراتهم تصورني، الكثير من اليابانيين اصطفوا لأخذ الصور. لم أكن ديل بييرو، ولكن النمر المقنع. حصلت بالضبط على عكس ما خططت له، والأمر قد أعجبني كثيرا، كنت سعيداً.




https://secure.static.goal.com/134800/134843.jpg