لنظل نلعب (13) | سامحني يا أبي !

Giochiamo Ancora
لنظل نلعب
الحلقة الثالثة عشر
سامحني يا أبي

ألمي الأكبر كان فقدان والدي، أعتقد أنّ ذلك الحساب لا زال مفتوحاً، لا يبدو لي بأني أنهيته، لم أبك غيابه يائساً بالمرة، سواء الآن أو لاحقاً، سأكون مجبراً على القيام بذلك. أوقات الألم تمثل غموضاً، كما الإبداع والموهبة. عندما أفكر بهذا الإنسان، أتخيله حياً وأسترجع خلوتنا في مقارنة، الهدوء الذي كان يغيّرنا، رغم أن الأمر فيما بعد كان برمته مسألة تبادل نظرات، وفي ذلك كنّا نتقن التفاهم بشدّة. أحياناً كنا نتعانق بصمت، تفوناعل في أي حوار. هو لم يكن يعرف بأن المرض يعيش فيه، أو ربما كان يعرف ولم يكن يقول، ولم يكن يشعِر من كان يحبهم بذلك، أعتقد أنه لم يكن يتمنى لنا معاناة أكثر. الأطباء نصحونا بمداراة الحقيقة عن والدي خشية مضاعفات نفسية. وهكذا شرحنا لوالدي بأن هنالك أمور جدية وهنالك حاجة لبعض العلاجات. على ما أظن، لقد كان يفهم كل شيء.
 
أشتاق إليه كثيراً، لم يتمكن من التمتع في آخر أعوام حياته، بعد أن كان يكسر ظهره لأجل العائلة، الألم الأعظم هو أنه لم يتعرّف إلى أحفاده، فقد كان يحب الأطفال كثيراً، كان يحب الحيوانات أيضاً. كان رجلاً طيباً، أبسط الكائنات كانت تشعر بهذا. في صغري، كانت تحيط البلدة الكلاب الضالة، وكان يحصل كل فترة أن ألتقي بواحد، أحياناً كانوا خطيرين، كانوا يزأرون، ربما أصابتهم الأمراض. حسناً، ما من كلب أظهر يوماً أسنانه لوالدي، أعتقد أن والدي بصبره وصلاحه، سيتمكن من ترويض دب، لأن الدب سيفهم قلبه. لم أبك بحق على والدي، ولكنني الآن أعتقد أنني استوعبته كشخص، الآن أنا أب وهذا دوري. أشتاق له لأنه لم يعش الحالة المزدوجة بدوري الأب والابن، أعتقد أنني نقلت شيئاً أكثر بقليل لأبنائي. حتى وإن قلت لاحقاً أن تثقيف والدي يجب أن يمضي عبري أنا، أيضا إلى الأحفاد الذين لم يرهم من قبل، كذلك لهؤلاء الأطفال الذين لم ينالوا حظ التعرف عليه، بينما أنا نعم، حصلت على تلك الفرصة لأراه، وأبقيها مغلقة.
أتمنى في كوني والداً أن أملك القليل منه أيضاً. أود أن أتمنى لأبنائي ولي أنا كذلك أن يستطيعوا يوما أن يقولوا عني ما أستمر في تكراره في ذهني عن والدي. كان الشخص الأساسي في الأسرة، كان هو من يقوم بالمهمات دون أن يظهرَ ذلك. كان دائماً يحسن اختيار الكلمة، ربما لذلك كان يستعمل القليل من الكلام، كان يملك ميزة اللمسة الحاسمة سواء في صغائر الأمور أو في الخيارات الحاسمة. الآن أعرف أننا دائما أبناء لأبناء، هي في النهاية سلسلة الوجود، يتوجّب علينا أن نرتقي لعلوّ من أحضرنا إلى العالم. لم أتمكن من إسعاد والدي بكل أموالي ومعارفي، لقد علّمني عجز الحياة، علّمني تذبذبات أحوالها الكثيرة. أحياناً تراودنا أفكار مفادها أننا نستطيع السيطرة بكل شيء، أننا نستطيع التحكم بأي شيء، لكن ليس الأمر كذلك. فهمت هذا قبل بضعة سنين في جنوب أفريقيا، خلال جولة في الغابة. كنا نتجول عند الفجر على متن جيب مكشوف مغطّيين أنفسنا ببطانيّات لأنه في الصباح الباكر هناك يكون البرد قارس. في مرحلة معينة ظهر لنا نمر. كان برفقتنا قنّاص حربي، ولكنني كنت على يقين بأن سلاحه سيكون بلا فائدة إذا ما قرار الحيوان مهاجمتنا، كان يمكن أن أصبح "فريسته"، في بضع لحظات.

الطبيعة أكبر منا بكثير، تمامًا كغموض المرض، تلك الكتلة التي نميل إلى إزاحتها لكي نواصل، رفقة فكرة الموت، حيث يبدو لنا بأنه لا يمكن استيعاب الموت والمرض. إنها أمور قد تحصل للآخرين فقط، لكن ليس الأمر كذلك. في ذلك الصباح في جنوب أفريقيا، إضافة إلى النمر، شاهدنا أيضًا مجموعة من الأشبال، ذلك لأن الطبيعة ليست مهددة فحسب، هي أيضاً مشهد من الجمال والحنان، هي درس أزلي. لم أتصور يوماً أن فرس النهر من أخطر الكائنات الموجودة على الإطلاق، كنت سأبقى في إعلان الحفّاظات! وبالمقابل، بإمكانه أن يحطم لك القارب بضربات أنيابه، لأنه يملك أسناناً طويلة، وهو أكثر هولاً من التمساح بكثير، كما أنّ الفيل لا يتقبل المزاح عندما يغضب. في هذه الأيام الأفريقية فهمت مدى صغر الإنسان وضعفه. هو في أغلب الأحيان حاضر، من أجل الانتظار والمعرفة.

في الحياة كما في الرياضة، المقدرة على الصمود ليست مرتبطة فقط بالسلامة الجسدية والنفسية، يجب الأخذ بالحسبان العوامل الخارجية التي لا يمكن التنبؤ بها، هي مخبأة ولا يمكن تخيلها، ولكن في يوم سيء تصبح واقعية. هكذا تقريباً كانت الأيام تمر في وقت الجدل حول تعاطي المنشطات، عشت تلك الفترة بحياتي بشكل جيد جداً، لأنني كنت هادئ. كنت أعرف أني لم أقم يوماً باستعمال مواد محظورة، أي أنني ما كان عليّ أن أخشى أي شيء، لم أملك شيئاً أخفيه. تلك الحادثة منحتني القليل من الشر وإرادة العدالة، كان يتوجب علي فقط أن أنتقم لنفسي لمن أطلق تلك الشكوك الأكيدة. لا أتكلم عن الألم، بل عن الغضب: الغضب الذي لم يمحوه الزمان.

في الحلقة القادمة: مجد البيرنابيو، هدفان وتصفيق إسباني في ليلة واحدة!
https://secure.static.goal.com/134800/134843.jpg