تقرير خاص: الـكـاتِـنـاتـشـيـــو

ما هو هذا الأسلوب و من الذي ابتدعه، و كيف تطور و منح الإنتر سيطرة كاملة على عالم كرة القدم في ستينات القرن الماضي؟ كيف قضت الكرة الشاملة عليه و كيف عاد للحياة من جديد، و هل لا زال له وجود في كرة القدم الحديثة؟؟ هذا ما سنُحاول الإجابة عنه في طرحنا المتواضع لكم..
كن معنا على الفيس بوك...اضغط هنا


هز وصول الإنتر إلى نهائي دوري أبطال أوروبا قبل ثلاثة أيام على حساب برشلونة العالم الكروي بأسره، خصوصًا بعد ما شاهده الجميع من كرة دفاعية بحتة قدمها الأفاعي أمام البلاوجرانا في مباراة الإياب مساء الأربعاء في الكامب نو و استحواذ وصل إلى 76% لصالح الكاتالونيين و عدد من التمريرات الصحيحة وصل إلى ما يُقارب الـ 900 تمريرة، مُقابل عدد من التمريرات الصحيحة لم يتعدَ الـ 75 تمريرة للأفاعي.

ما شهده العالم سواء عبر شاشات التلفاز أو من مدرجات ملعب الكامب نو خلال الأسبوع الماضي كان بمثابة تداخل الماضي بالحاضر و أعاد إلى الأذهان "الإنتر العظيم" في ستينات القرن الماضي و الذي هيمن على الكرة الإيطالية و العالمية. لكن الأمر ليس مجرد مقارنة إنجازات الإنتر الحالي بالإنتر العظيم، لكن أيضًا أسلوب لعبهما الدفاعي و الذي ينطبق تمامًا على خطة قديمة اعتمد عليها إنتر الستينات في بناء أمجاده .. خطة خرَّجت مدافعين عظماء في عالم كرة القدم أمثال جياشينتو فاكيتِّي، تارشيسيو بورنييتش، كلاوديو جنتيلي، جايتانو شيريا، جوزيبِّي بيرجومي، فرانكو باريزي، بييترو فييركوود، باولو مالديني، أليساندرو كوستاكورتا و غيرهم الكثير..

و يسرنا هنا في جول.كوم النسخة العربية أن نبحث في الدفاتر القديمة لهذا الأسلوب و نرصد نشأته و مراحل تطوره و وجوده في عالم كرة قدمنا الحديثة..




نشأة الكاتِناتشيو |
السويسري كارل رابِّان يضع حجر الأساس (نظام السلسلة أو القفل)


بعد عام من تولي مهمة تدريب فريق سيرفيت السويسري (الذي دربه بين عامي 1931 و 1935 في فترة أولى)، و إيقانًا منه بعدم قدرة لاعبيه على تطوير إمكانياتهم البدنية و الفنية لتصبح مثل اللاعبين المحترفين في منتخبات و فرق البلدان المجاورة مثل إيطاليا، فرنسا و ألمانيا، و ردًا على أساليب اللعب الهجومية التي كانت متفشية في ذلك الوقت، قام المدرب النمساوي كارل رابَّان في عام 1932 ابتداع خطة جديدة دفاعية تمامًا يعجز المنافسين عن مواجهتها، و هي خطة السلسلة.

تلك الخطة كان توزيعها على أرض الملعب 1-4-2-2-1 (3-2-2-3 أو 1-4-4-1 أو ببساطة 5-4-1)، و في حالات الهجوم كانت 4-1-2-2-1 (4-1-2-3 أو 4-5-1). أسلوب اللعب في تلك الخطة كان يعتمد على خط دفاعي مكون من أربعة لاعبين يلعبون بأسلوب الرقابة اللصيقة مع لاعبي الفريق الخصم، إضافة إلى لاعب خامس ذي نزعة دفاعية كبيرة خلف خط الدفاع الرباعي و أمام حارس المرمى مباشرة أسماه رجل القفل (الليبرو أو القشاش فيما بعد). أمام خط الدفاع خط وسط مكون من لاعبين في القلب مع جناحين يتقدمان للأمام، و أمام خط الوسط كان المهاجم الوحيد للفريق.

بالعودة للدفاع، فقد كان رجل القفل - بالرغم من وقوفه خلف لاعبي الدفاع - صاحب مهام هجومية مماثلة لمهام صناع اللعب الكلاسيكيين أمثال أنوةدريا بيرلو، حيث كانت تُعاد له الكرة عند استخلاصها من أحد لاعبي الدفاع الأربعة للبدء بالهجمة لفريقه - فكونه آخر لاعب متأخر بين زملائه (بعد حارس المرمى) كان يمنحه رؤية مناسبة للملعب - و تمرير الكرة للَّاعب الغير مراقب في خط الوسط لقيادة الهجمة، و غالبًا كان يُمرر الكرة لأحد جناحي خط الوسط المتقدمين و اللذان كانا يجدان المساحات في الهجمات المرتدة مستغلين تقدم لاعبي الفريق المنافس في هجمتهم المقطوعة.

ذلك الأسلوب لاقى نجاحًا كبيرًا، مما جعله يعتمد عليه بشكل دائم مع الفرق التي لعبها و أهله لتدريب المنتخب السويسري في فترتين: الأولى بين عامي 1937 و 1938 و الثانية بين عامي 1942 و 1949، و قد تمكن المنتخب السويسري باستخدام هذه الخطة من الفوز على منتخبات قوية مثل امنتخب الإنجليزي في مباراة ودية و الانتصار الأشهر و الذي كان على حساب المنتخب الألماني و إقصاؤه من كأس العالم 1938.


"البارون" الإيطالي نيريو روكُّو و الكاتِناتشيو الحقيقي


الكثير من اللاعبين ذوي النزعة الدفاعية مثل لاعب خط الوسط الدفاعيين، المدافعين و حراس المرمى نجحوا كمدربين، و في المقابل يعتبر الكثير من النقاد أن اللاعبين الهجومين قلما يكون النجاح حليفهم في عالم التدريب. إلا أن من هؤلاء القلائل كان الجناح الهجومي الإيطالي نيريو روكُّو.

فبعد اعتزاله عالم كرة القدم كلاعب بخمس سنوات، و تحديدًا في عام 1947، أصبح روكُّو مدربًا لأول مرة مع فريق متواضع قلما شارك في دوري الدرجة الأولى الإيطالي "السيريا آ"، و ذلك مع فريق ترييستينا الذي حل في المركز الأخير في موسم 1946-1947 و كان من المفترض أن هبط للدرجة الثانية "السيريا بي"، إلا أن بقاءه في السيريا آ جاء لأسباب سياسية في ظل الوضع المزري التي عانت منه مدينة ترييستي بعد الحرب العالمية الثانية و الذي أثر على مسيرة الفريق.

المفاجئ أن المدرب المُلقب بـ "البارون" أوصل ترييستينا إلى نجاح لا مثيل له، حيث حقق ترييستينا معه في موسم 1947-1948 المركز الثاني في السيريا آ خلف فريق تورينو العظيم، و هو أفضل مراكز فريق مدينة ترييستي في السيريا آ طوال تاريخه. في ذلك الموسم لم يُهزم ترييستينا سوى في ثمانِ مباريات فقط، و هو  أقل عدد من الهزائم لفريق في ذلك الموسم بعد تورينو الذي لم يُهزم سوى في أربع مباريات.

ترييستينا احتل المركز الثامن في الموسمين التاليين مع ذلك المدرب الذي تولى في الستينيات تدريب الميلان و حقق معهم نجاحات كبرى عبر الفوز بالعديد من الألقاب منها لقبين للدري الإيطالي، أول لقبين للميلان في دوري الأبطال و الذي كان أولهما في موسم 1963 ليصبح الميلان أول من يفوز بهذه البطولة بين الأندية الإيطالية، إضافة إلى لقبين لكأس الكوؤس الأوروبية، لقب لكأس الإنتركونتيننتال و لقب لكأس إيطاليا.

ملعب مدينة ترييستي الذي افتُتِح في عام 1992 تم تسميته "نيريو روكو" .. مسيرة كبيرة و تكريم كبير، و كل ذلك لسبب وحيد، هو الكاتِناتشيو. روكُّو في عام 1947 اعتمد مع فريقه ترييستينا على خطة 1-3-3-3 (1-3-3-2-1)، و في الحالات الدفاعية بنظام 1-4-4-1 أو 1-4-3-2، بحيث يتكون الدفاع من ثلاث لاعبين خلفهم لاعب رابع، ذلك اللاعب كان الليبرو الحقيقي أو القشاش و كانت مهامه دفاعية بحتة (على عكس رجل القفل في خطة رابَّان)، و في حالات الدفاع كان أحد لاعبي خط الوسط يعود للدفاع ليُصبح الدفاع مكونَّا من أربعة مدافعين و قشاش.

كانت مهمة ذلك القشاش هي التغطية على أخطاء زملاءه و استخلاص الكرات التي تمر خلف الخط الدفاعي في حال لعب الخصم على الكرات الطولية، إضافة إلى رقابة ثنائية لصيقة مع أحد زملاءه في خط الدفاع الرباعي في حال اقتضى الأمر الحد بشكل قوي من خطر لاعب مهم في الفريق الخصم، كما كان ذلك القشاش يرسل التمريرات الطويلة الأمامية للاعبي الهجوم.

خطأ شائع: الكثير من متابعي كرة القدم يعتقدون أن أسطورة كرة القدم الألمانية فرانتز بيكينباور هو مخترع مركز الليبرو، لكن ما طرحناه سابقًا عن أسلوبي رابَّان و روكُّو يُفند هذا الإدعاء. إلا أن بيكنباور يُعتبر أفضل من لعب و أبهر في مركز الليبرو على مدار التاريخ، فقد تمكن من الدمج بين أسلوبي رجل القفل و القشاش حيث كان يقوم بأدوار هجومية كبيرة طبقًا لأسلوب رابَّان و كذلك القيام بالأدوار الدفاعية على طريقة روكُّو باقتدار


انفجار الكاتِناتشيو مع الأرجنتيني هيلينيو هيرِّيرا

بعد تركه لبرشلونة في صيف عام 1960 و توليه تدريب الإنتر، حقق المدرب الأرجنتيني هيلينيو هيرِّيرا مع الأفاعي بسبعة ألقاب، منها اللقبين التاريخيين في دوري الأبطال عامي 1965 و 1966 و لقبي كأس الإنتركونيننتال في نفس العامين، إضافة إلى لقبي الدوري الإيطالي في مواسم 1962-1963، 1964-1965 و 1965-1966. الغريب في الأمر أن أغلب انتصارات الأفاعي مع هيرِّيرا كانت بنتيجة 1-0 !

ذلك الأمر كان سببه الأساسي الاعتماد على خطة الكاتِناتشيو بأسلوب مختلف تمامًا، و ذلك عبر ابتداع اشتقاق لخطة 5-3-2، حيث كان الرسم الخططي لفريق هيرَّيرا 1-3-4-2 في الحالات الهجومية و 1-4-3(1-2)-2 في خالات الدفاع عبر تراجع الجناح الأيمن في خط الوسط لمركز الظهير الأيمن. و بالرغم من القوة الدفاعية لهذه الخطة، إلا أن قوتها الهجومية تكمن في جناحي خط الوسط و مهاجم متأخر و مهاجم كلاسيكي أمامهما.

هيرِّيرا كان يعتمد علىى الدفاع طوال الوقت و استغلال الفرصة المثالية (سواء من هجمة مرتدة، كرة ثابتة أو اقتناص أخطاء الخصم) لتسجيل هدف الفوز ثم العودة بكامل اللاعبين لاستخدام أسلوب دفاع المنطقة عدا ثنائي الهجوم، و هو ما جعل هجمات المنافسين مجرد تمرير عرضي للكرة بين لاعبي الفريق المنافس دون أي فاعلية في ظل عدم تواجد أي ثغرة لاختراق دفاعات النيرادزوري.


خطة 4-2-4 | نهائيا دوري الأبطال 1967 وكأس العالم 1970
حينما انتصرت الكرة الهجومية على الدفاع المطلق ..

في عز توهج الإنتر و خطة الكاتِناتشيو و تربع الأفاعي على عرش الكرة العالمية، و ي ظل تطبيق الخطة ذاتها على المُنتخب الإيطالي الذي اعتقد الكثيرون أنه قادر على إنهاء السيطرة البرازيلية على كأس العالم، تمكن فريقين من القيام بالمهمة المستحيلة في أكبر المحافل و حطموا التفوق الدائم للكرة الدفاعية، و ذلك عبر الاعتماد على خطة هجومية من الطراز الأول.

- الفريق الأول كان نادي سيلتيك الإسكتلندي في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 1967 و الذي اعتمد على خطة 4-2-4 الهجومية البحتة (و التي اندثرت مع مرور الوقت و لم يعد هناك من يستخدمها في وقتنا الحاضر، عدا الميلان هذا الموسم بعدما كانت تتحول خطة المدرب البرازيلي ليوناردو من 4-2-1-3 إلى 4-2-4 في الحالات الهجومية في ظل تقدم سيدورف للأمام و التواجد مباشرة أمام منطقة الجزاء).

تلك الخطة تمكنت من مقارعة خطة 5-3-2 التي كان يُطبقها هيرِّيرا مع الإنتر و قادت سيلتيك للفوز على الأفاعي و تحقيق اللقب الوحيد للفريق الاسكتلندي في دوري الأبطال، و هو اللقب الأول لفريق بريطاني أو غير لاتيني في دوري الأبطال. تظل هذه المباراة محفورة في تاريخ كرة القدم العالمية، و على الأخص في أذهان مشجعي كلا الفريقين، فالبطل فاز بلاعبين مساقط رؤوسهم لا تبعد أكثر من 50 كيلومترًا عن مركز العاصمة الإسكتلندية جلاسكو.

في المقابل، كانت هذه المباراة إيذانًا ببداية النهاية لخطة الكاتِناتشيو التي منحت الإنتر هيمنة على الكرة الإيطالية و العالمية في عقد الستينات، خاصة بعد تصريحات جوك شتاين مدرب سيلتيك بأن هذه المباراة هي "انتصار للكرة الهجومية و بداية لعصر جديد في عالم الكرة" في ظل اعتبار الكثيرين أن أسلوب الكاتِناتشيو الخاص بهيرِّيرا قدم كرة قدم غاية في الملل، كما خسر الإنتر في الموسم ذاته لقب الدوري الإيطالي في آخر جولاته إضافة إلى الإقصاء من نصف نهائي كأس إيطاليا.

المزيد من تفاصيل المباراة تجدونها في طرح سابق عن أفضل 10 نهائيات في تاريخ دوري الأبطال.

- الفريق الثاني كان المنتخب البرازيلي نفسه في نهائي كأس العالم 1970 و الذي اعتمد على الخطة ذاتها. السيليساو التقوا بالمنتخب الإيطالي في نهائي أفضل كؤوس العالم على الإطلاق كما يرى الكثير من المحللين، خاصة بعد مباراة نصف النهائي النارية بين الأدزوري و امنتخب الألماني و التي انتهت بفوز المنتخب الإيطالي بنتيجة 4-3 في الوقت الإضافي و صُنفت هذه المباراة الأفضل في القرن الماضي.

و قد لقن راقصو السامبا الأدزوري درسًا لا ينساه في استراتيجية الخداع الكُروي، فاستغلالًا للإرهاق الذي أصاب لاعبو المنتخب الإيطالي، و بعد التقدم في النتيجة مبكرًا عبر هدف أسطورة كرة القدم إيديسون أرانتيس دو ناشيمينتو "بيليه"، قام المنتخب البرازيلي بقيادة المدرب ماريو زاجالو بخداع استرتايجي عبر ترك الاستحواذ للمنتخب الإيطالي و الذي تمكن من تسجيل هدف التقدم في الدقيقة 37 عبر نجم الإنتر المهاجم روبيرتو بونينسينيا.

و ما إن تمكن الإرهاق من الطليان حتى قام البرازيليين بشن هجماتهم المكثفة و المدمرة بقيادة لاعبين مثل جيرسون، ريفيلينو، جيرزينيو، توستاو و بيليه. لم يُفلح التكتل الدفاعي من الوقوف أمام حاجز الإرهاق و سرعة لاعبي المنتخب البرازيلي بالكرة و بدونها، إضافة إلى مباغتة الظهيرين الأيمن و الأيسر كارلوس ألبيرتو تورِّيس و إيفيرالدو، ليدك أصحاب الرداء الأصفر و الأزرق شباك إنريكو ألبيرتودزي أحد أفضل الحراس على مدار تاريخ كرة القدم الإيطالي بثلاثة أهداف سجلها جيرسون في الدقيقة 66، جيرزينيو في الدقيقة 71 و كارلوس ألبيرتو في الدقيقة 86، ليُتوجوا أنفسهم أبطالًا للعالم للمرة الثالثة بعد عامي 1958 و 1962 و يحتفظوا بكأس جول ريميه (الكأس القديمة للبطولة) للأبد.

فــيــديــــو الــمــبــــاراة

* التعريف بخطة 4-2-4

كانت أندية و منتخب البرازيل الرائدة في هذه مجال الخطط الهجومية، و تحديدًا هذه الخطة التي ابتدعها المدرب البرازيلي فلافيو كوستا (الذي درَّب أندية برازيلية كبرى مثل فلامينجو، ساو باولو، فاسكو دا جاما إضافة إلى المنتخب البرازيلي و نادي بورتو البرتغالي) و أيضًا المدرب المجري بيلَّا جوتمان (الذي درب أندية كبرى مثل ساو باولو، ناسيونال الأوروجواياني، الميلان و بورتو).

و تُعتبر هذه الخطة مُشتقة من خطة 3-2-2-3 (أو 3-2-5 التي اعتمد عليها المنتخب البرازيلي بجوار 4-2-4 في كأس العالم 1958 بقيادة المدرب البرازيلي فيسينتي فيولا) أو الخطة المسماة بخطة الـ WM و التي ابتدعها الإنجليزي هيربيرت شابمان مع الآرسنال في أواخر العشرينيات و طورها مارتون بوكوفي مع منتخب بلاده - منتخب الأحلام المجري بقيادة فيرينك بوشكاش، ساندور كوكسيتش، ناندور هيديجوتي، جوزيف بوزيك و زولتان تشيبور - بحيث أصبح نقطة انطلاق لخطة 4-2-4 التي تم اشتقاق خطة 4-3-3 منها فيما بعد و التي اعتمد عليها المنتخب البرازيلي بقيادة المدرب البرازيلي أيموري فيرِّيرا في كأس العالم 1962.

خطة 4-2-4 كانت حينها تُعتبر خطة متزنة بالرغم من قوتها الهجومية، حيث كانت تعتمد على اللعب في حالات الدفاع بست مدافعين (رباعي الدفاع مع ثنائي خط الوسط) و في حالات الهجوم بست مهاجمين (رباعي الهجوم و ثنائي خط الوسط)، عبر الاعتماد على لاعبين ذوي مهارة و لياقة بدنية عالية و مرونة تكتيكية، إضافة إلى مدافعين ذوي نزعة هجومية قوية يتقدمون للأمام لبدء الهجمات و دعم صناعة اللعب في ظل الفراغ النسبي في خط الوسط، و هو الأمر الذي يُناسب عقلية اللاعب البرازيلي.


الكرة الشاملة قضت على الكاتِناتشيو، لكنها أدت لاختراع "الزونا ميستا"

اعتُبِرت كرة القدم الشاملة التي ابتدعها المدرب الهولندي الشهير رينوس ميتشيلس و طبقها مع أياكس أمستردام على خطة 4-3-3 بين عامي 1969 و 1971 و اعتمد عليها أيضًا مع برشلونة بعد ذلك و أيضًا مع المنتخب الهولندي في كأس العالم 1974. كرة القدم الشاملة كان أسلوبًا مرنًا للغاية لا يلتزم فيه أي لاعب بمركزه الأصلي، حيث كان بمقدور كل لاعب أن يُصبح مهاجمًا، لاعب خط وسط أو مدافعًا، في ظل المرونة الفنية العالية للاعبيه و اللياقة البدنية الكبيرة و السرعة العالية لنجوم منتخب الطواحين. ففي حالات الهجوم، كانت الخطة تتحول لتُصبح 1-1-8، و في حالات الدفاع تتحول إلى 1-6-2-1. قد تسببت هذه الخطة باندثار العديد من أساليب اللعب المُعتمدة دفاعيًا على الرقابة اللصيقة، لذا بدأ الكثير من المدربين في محاولة اختراع أساليب تجمع دفاع المنطقة مع الرقابة اللصيقة.

أسلوب اللعب بدفاع المنطقة يعني أن كل لاعب خط وسط و مدافع يكون لديه تمركز محدد بحيث يخطي منطقة محددة، و عندما يخرج لاعب من منطقته الخاصة، يقوم أقرب زميل له بإعادة تعديل تمركزه ليغطي منطقته و منطقة زميله. و عبر تطبيق أسلوب دفاع المنطقة على التوزيع الخططي لخطة الكاتِناتشيو و التي تعتمد على الرقابة اللصيقة بشكل رئيسي و تكون فيها مهام القشاش تطبيق الرقابة الثنائية مع أحد زملائه في خط الدفاع، تكونت خطة الزونا ميستا "كلمة إيطالية تعني المنطقة المختلطة".

في خطة الزونا ميستا، يكون هناك أربعة مدافعين متكون من قشاش حر التحرك لدعم زملاءه في خط الدفاع و فرض الرقابة الثنائية على أحد اللاعبين الخطرين للفريق المنافس حينما يستوجب الأمر ذلك، إضافة إلى خط دفاعي مكون من ثلاثة مدافعين: قلبي دفاع يُطبقان أسلوب دفاع المنطقة، و ظهير أيسر تكون لديه مهام هجومية و دفاعية حسب ظروف المباراة.

خط الوسط يتكون من لاعبي خط وسط دفاعيين و آخر محوري، إضافة إلى صانع ألعاب يميل للجهة اليمنى رفقة الجناح الأيمن الذي كان مكلفًا بالتراجع للخلف في هجمات الفريق الخصم بشكل أكبر عن بقية زملائه في خط الوسط و التقدم للأمام ليُصبح جناحًا أيمن في حالات الهجوم رفقة المهاجم المتأخر الذي كان يميل للجهة اليُسرى (و هو تطوير لمركز الجناح الأيسر في خطة الكاتِناتشيو) و المهاجم المتمركز في منطقة الجزاء.

* إيطاليا في كأس العالم 1982 .. خير مثال على الزونا ميستا

كان أسلوب الزونا ميستا الذي طبقه المدرب التاريخي لإيطاليا إينزو بيرزوت على الأدزوري في كأس العالم 1982 هو من أوصل الفريق للتويج بالذهب، حيث كان يعتمد على المدافع العبقري جايتانو شيريا في مركز الليبرو، و بينما كان الثنائي فولفيو كولُّوفاتي و الجزار كلاوديو جنتيلي يشغلان مركزي قلب الدفاع، كان جوزيبِّي بيرجومي الذي كان بعمر الـ 18 عامًا حينها يشغل مركز الظهير الأيسر.

و طبقًا لاحتياجات الفريق، فقد كان جنتيلي يغير تمركزه قليلًا لليمين ليُغطي مركز الظهير الأيمن الغير موجود في تشكيل المنتخب الإيطالي، خاصة في حال تواجد أنتونيو كابريني كجناح أيسر في خط الوسط و تأخره أحيانًا للدفاع، حيث كان جميع لاعبي الدفاع (عدا الليبرو) يتحركون بشكل قطري يمينًا لكي يُعدلوا من توزيع الدفاع الثلاثي و أمامه جناحًا أيسر ليصبح دفاعًا رباعيًا منتظمًا.

في خط الوسط كان الثنائي جابرييلِّي أوريالي يشغل مركز لاعب خط الوسط الدفاعي، و كان ماركو تارديلِّي هو لاعب خط الوسط المحوري و أمامه الجناح الطائر برونو كونتي و الذي كان أحد أسباب فوز الإيطاليين بمونديال إسبانيا. كونتي كان يلعب كجناح أيمن في حال عدم وجود كابريني على الجهة اليسرى و في الوقت ذاته تواجد صانع الألعاب البارع جيانكارلو أنتونيوني، حيث كان يقوم بواجبات دفاعية و هجومية على الرواق الأيمن كاملًا. أما في حال تواجد كابريني و غياب أنتونيوني كان كونتي يتولى دور صانع الألعاب المُتقدم. في الهجوم كان فرانشيسكو جراتسياني يلعب كمهاجم ثانٍ و يميل للطرف الأيسر في بعض الأحيان خاصة مع غياب كابريني، و أمامه كان رأس الحربة الصريح باولو روسِّي و الذي كان هداف البطولة.

هذا التشكيل الخططي المُعقد و الذي يتغير شكله على أرض الملعب بشكل دائم كان مناسبًا للغاية للأدزوري لتوفير نزعة دفاعية قوية و قوة هجومية ممتازة. و قد اعتمد أيضًا المدرب الإيطالي المخضرم جيوفاني ترابَّاتوني على هذه الخطة مع الإنتر في موسم 1988-1989 و الذي حصل فيه الأفاعي على آخر اسكوديتُّو في القرن الماضي.


الكاتِناتشيو في كرة القدم الحديثة

مع مرور السنوات اختفى أسلوب الكاتِناتشيو و أصبح من الماضي، في ظل الشعبية الكبيرة التي حققتها الأساليب الهجومية و على رأسها أسلوب الكرة الشاملة. و قد ساهمت الخطط الجديدة التي اخترعت في كرتنا الحديثة في زوال الكاتِناتشيو في ظل عدم استخدام العاملين الرئيسيين لأسلوب رابَّان، روكُّو، هيرِّيرا و بيرزوت:، و هما مركز الليبرو و أسلوب الرقابة اللصيقة.

ربما لا زالت بعض الفرق الضعيفة تستخدم ذلك الأسلوب في كرة القدم الحديثة لتقليل الفارق الفني بينها و بين منافسيها و تحويل مبارياتها إلى مبارزات بدنية، إلا أن الانتقادات اللاذعة للكاتيناتشيو - كونه أسلوب دفاعي بحت يقتل جمال كرة القدم - أنهى تمامًا أي وجود لذلك الأسلوب عدا في حالات استثنائية.

و بالرغم من ذلك، قامت بعض الفرق و مدربيها بإعادة إحياء الكاتِناتشيو بشكل غير مباشر أمام المنافسين الأقوياء حسب أوضاع اللاعبين و حاجة الفريق، خاصة في حال تعرض أحد اللاعبين للطرد أو الحفاظ على النتيجة المطلوبة حتى نهاية المباراة.

* المنتخب الإيطالي لم يتخلى يومًا عن هذا الفكر


- في كأس العالم 1998، اتبع تشيزاري مالديني مدرب المنتخب الإيطالي أسلوب الكاتِناتشيو بشكل مباشر في بعض المباريات، مثل مباراة إيطاليا ضد تشيلي في افتتاح مباريات الأدزوري في دور المجموعات حيث اعتمد على خطة 4-3-3 لكن بنفس أسلوب روكُّو 1-3-3-3 (1-3-3-2-1)، حيث كان يلعب بأليساندرو كوستاكورتا كليبرو أمام الثلاثي باولو مالديني ، أليساندرو نيستا و فابيو كانَّافارو، و أمامهم في خط الوسط أنجيلو دي ليفيو حيث كان يشغل مركز الجناح الأيمن الذي يعود ليُصبح ظهيرًا أيمن في حالات الدفاع لتنقلب الخطة إلى 1-4-4(2-2)-1.

مباراة أخرى ظهر فيها فريق تشيزاري مالديني بأسلوب كاتيناتشيو صريح، حيث اعتمد على خطة 5-3-2 الخاصة بهيرَّيرا ضد المنتخب النمساوي في دور المجموعات أيضًا، حيث كان خط الدفاع الخُماسي مكونَّا من كوستاكورتا كليبرو، مالديني، كانَّافارو، نيستا و جيانلوكا بيسوتو الظهير الأيمن الذي كان يتقدم أحيانًا ليلعب كجناح أيمن في خط الوسط.

- في يورو 2000، اعتمد مدرب المنتخب الإيطالي دينو زوف على ذات الأسلوب الذي اعتمد عليه الأدزوري في مباراة النمسا في كأس العالم 1998، لكن الأمر كان مغايرًا قليلًا في أن الأولوية لبيسوتُّو هي مركز الجناح الأيمن، حيث لعب المنتخب الإيطالي بخطة 4-4-2 (4-2-2-2(1-1))الكلاسيكية مع تراجع بيسوتُّو لمركز الظهير الأيمن لتتحول الخطة إلى 5-3-2 في الحالات الدفاعية، و لا يُمكن للجميع نسيان النهائي الشهير ضد المنتخب الفرنسي.

- في كأس العالم 2002، طبَّق المدرب جيوفاني ترابَّاتوني أسلوب الكاتِناتشيو في مباراة المكسيك و إيطاليا الشهيرة بهدف أليساندرو دل ببيرو قبل خمس دقائق من نهاية المباراة و الذي صعَّد الأدزوري إلى ثمن النهائي.

خلال تلك المباراة، اعتمد ترابَّاتوني على خطة 4-4-2 (4-3-1-2 أو 4-3-2-1)، لكنها كانت تتحور حسب مجريات المباراة لتُصبح 5-2-3 أو 5-3-2. فمع خط دفاع مكونًا من باولو مالديني، أليساندرو نيستا، فابيو كانَّافارو و كريستيان بانوتشي، كان الجناح الأيمن جيانلوكا زامبروتَّا يتراجع للوراء ليصبح ظهيرًا أيمن في مكان بانوتشي، ليقوم الخط الدفاعي بإعادة تمركزه ليصبح مكونًا من الليبرو فابيو كانَّافارو و أمامه خط دفاع رباعي.

- في يورو 2004، استخدم ترابَّاتوني خطة 4-4-2 (4-3-1-2) في مواجهة المنتخب السويدي في الجولة الثانية من دور المجموعات. و قد غطت الصبغة الدفاعية أداء المنتخب الإيطالي الذي كان يُدافع بسبعة لاعبين أمام منتخب السويد الهجومي الذي اعتمد على خطة 4-1-3-2، فيما كان المنتخب الإيطالي يُهاجم بأربعة لاعبين فقط.

- في كأس العالم 2006، و التي قال مارتشيلُّو ليبِّي مدرب إيطاليا بعد الفوز بكأس العالم فيها "الكرة الهجومية تجلب الانتصارات أما الدفاعية فتجلب البطولات"، أدخل المدرب السابق لليوفنتوس أسلوب الكاتِناتشيو بمفهوم جديد و على خطة جديدة، و هي 4-2-3-1 المُشتقة من 4-5-1.

حيث كان يعتمد ليبِّي على منح السيطرة بشكل أكبر على الخصم عبر فصل الدفاع عن الهجوم، و ذلك عبر القيام بهجمات مرتدة سريعة يقودها ثلاثي خط الوسط الأمامي فقط ماورو كامورانيزي، سيموني بيروتَّا (أو أليساندرو دل بييرو) و فرانشيسكو توتِّي، رفقة المهاجم لوكا توني، ألبيرتو جيلاردينو أو فيليبُّو إنزاجي. بينما كان بقية لاعبي خط الوسط الخلفيين أندريا بيرلو و جينَّارو جاتوزو شحيحي التقدم للأمام، و في حال تقدم بيرلو كان بيروتَّا (أو كامورانيزي) يمتنعان من المشاركة في الهجمة و يغطيان مايسترو خط الوسط الذي كان يعتمد أيضًا على إرسال التمريرات الطولية المليمترية في بعض الأحيان عوضًأ عن التقدم و المشاركة في الهجمات.

في المُقابل، و مع ثبات القسم الخلفي في خط الوسط، كان الدفاع ثابتًا على الدوام، و في الحالات الدفاعية كان الفريق الخصم يجد صعوبة في التعامل مع 6 لاعبين متمركزين في الخطوط الخلفية إضافة إلى دعم ماورو كامورانيزي أو سيموني بيروتَّا الدفاعي، و قد ظهر هذا الأمر جليًا في المباراة النهائية ضد فرنسا.

أيضًا، لا يُمكن نسيان مباراة الأدزوري في الدور الثاني ضد أستراليا حينما طُرد ماركو ماتيرادزي في الدقيقة 50، حيث تحولت خطة الفريق من 4-3-3 (1-2) إلى 4-3-0-2 و أصبج المنتخب الإيطالي لا يتحرك من مناطقه الدفاعية عدا في عدد قليل من الهجمات عبر المهاجمين فينتشينزو ياكوينتا و فرانشيسكو توتِّي، إضافة إلى تقدم طفيف من لاعب خط الوسط سيموني بيروتَّا و الظهير الأيسر فابيو جروسُّو. ذلك الأسلوب الذي مكن إيطاليا من الفوز عبر ركلة جزاء سجلها توتِّي جعل صحيفة ذا جارديان الإنجليزية تقول أن أسلوب المنتخب الإيطالي في التعامل مع المباراة جعل الأمر يبدو كأن روح هيلينيو هيرِّيرا تمكنت من مارتشيلُّو ليبِّي.

* أوتو ريهاجل و الإعجاز اليوناني في يورو 2004

أحفاد الإغريقيين اعتادوا من مدربهم الألماني في تلك البطولة على شيء اختفى منذ عصر هيرِّيرا، و هو تسجيل هدفًا واحدًا فقط في كل مباراة. اليونان - أضعف المرشحين للفوز بلقب البطولة - حققت الانتصار في أربع مباريات منها 3 مباريات بنتيجة 1-0 جميعها في أدوار ربع النهائي، نصف النهائي و النهائي.

أما في دور المجموعات، فكان فوزهم الرابع في المباراة الافتتاحية للبطولة بنتيجة 2-1 ضد المنتخب البرتغالي، و كانت هي أول و آخر مباراة يُسجل فيها اليوانيين أكثر من هدف خلال الحدث الأوروبي الكبير. المنتخب اليوناني تعادل في المباراة التالية مع المنتخب الإسباني بهدف في كل شبكة، قبل أن يُهزم من الدب الروسي بنتيجة 1-2.

أوتو ريهاجل كان يعتمد على خطتي 4-3-2-1 و 4-4-2 الكلاسيكية، و قد كان يلعب فقط بفكر الكاتِناتشيو عبر الهجمات المرتدة و الكرات الثابتة على فترات، و في المُقابل استنزاف قوى المنافس عبر منجه السيطرة على الكرة بشكل أكبر و الانتشار داخل مناطق الدفاع 8 لاعبين و ترك المهاجمين في الأمام، بحيث يجد المنافس حائطًا منيعًا لا يمكن اختراقه.

* السير أليكس فيرجسون يتقمص دور هيرَّيرا في دوري الأبطال 2007-08


بدءًا من مواجهة روما في الدور ربع النهائي من دوري أبطال أوروبا موس 2007-2008، مرورًا بنصف النهائي أمام برشلونة و النهائي أمام تشيلسي، اتبع السير أليكس فيرجسون أسلوب الكاتِناتشيو بشكل ضمني غير ملحوظ بدا للعالم على أنه دفاع منظم على مدى 90 دقيقة لا أكثر.

مدرب روما لوتشيانو سباليتِّي قال بعد الهزيمة في مباراة الذهاب بنتيجة 2-0 في ملعب الأولمبيكو "ربما فازوا بهدفين نظيفين، لكن مانشستر يونايتد كان فريقًا إيطاليا أكثر منَّا"، مشيرًا إلى اعتماد الشياطين الحمر على التكتل الدفاعي البحت مع الانظلاف في هجمات مرتدة سريعة، و هو الأمر الذي لم يكن واضحًا للكثيرين في بادئ الأمر.


الأمر بسيط للغاية، فمع خط دفاع رباعي، كان الجناح الأيمن أوين هارجريفز يتراجع للخلف ليًصبح ظهيرًا أيمن ضمن خط دفاع خماسي في الحالات الدفاعية.

ذلك الخط الدفاعي كان يزداد ليُصبح سباعيًا مع عودة مايكل كاريك للخطوط الخلفية رفقة بول سكولز، و يحل محلهما كارلوس تيفيز و واين روني في القسم الدفاعي من خط الوسط و يُترك كريستيانو رونالدو وحيدًا في الهجوم، في تطبيق كامل لعقلية الكاتِناتشيو الممزوجة بالوضع الدفاعي للكرة الشاملة (1-6-2-1).

هذا النمط الخططي كان سمة مانشستر يونايتد في أغلب فترات مبارياته في البطولة، و قد ساعد السير على القيام بهذا الأمر سرعة الثنائي روني و تيفيز في التقدم للأمام في الحالات الهجومية. و بالرغم من أسلوب اللعب الهجومي البحت للمان يو في الدوري الإنجليزي، كان ذلك الأسلوب الدفاعي مطلوبًا أمام فرقًا قوية و هجومية مثل برشلونة، روما و تشيلسي.

صحيفتي إل موندو ديبورتيفو و سبورت الكاتالونيتين، و بعد إقصاء مانشستر يونايتد لبرشلونة، ركزت في حديثها على قوة برشلونة على صعيد الاستحواذ على الكرة و التنظيم الدفاعي الجيد للمان، و هو ما جعل صحيفة لا جازيتَّا ديلُّو سبورت تسخر مما ذكرتاه كلتا الصحيفتين قائلة "لو كان مانشستر فريقًا إيطاليًا لقيل أنهم لا يجيدون سوى الدفاع القاتل لجمال كرة القدم !"

و قد استفاضت صحيفة لا جازيتَّا ديلُّو سبورت في الحديث قائلة "مستوى الفرق الإيطالية ربما هبط عن دونها من الأندية الإسبانية و الإنجليزية، و لذا تلجأ للأساليب الدفاعية مع الهجوم المرتد. لكن ماذا نقول عن فريق مذهل مثل مانشستر يونايتد و هو يقوم بالأمر ذاته؟!"

* المنتخب المصري يُبهر العالم في كأس القارات 2009 و يحقق اللقب السابع في كأس الأمم الأفريقية 2010

- أمام منتخبات عملاقة كالمنتخبين البرازيلي و الإيطالي، قام حسن شحاتة مدرب المنتخب المصري بالاعتماد على أسلوب جديد في اللعب مستغلًا خطة منتخبنا العربي المفضلة 3-5-2.

فبالاعتماد على سرعة الظهيرين الأيمن و الأيسر أحمد فتحي و سيد معوض و قدراتهما الدفاعية و الهجومية الجيدة للغاية، وظف شحاتة الفريق بشكل دفاعي للغاية أمام السيليساو و الأدزوري بخطة 5-4-1 (3-2-3-1-1) - حيث كان محمد أبو تريكة يتمكز بعيدًا عن مركز المهاجم الثاني ليُصبح لاعب خط وسط مهاجم - في الحالات الدفاعية تتحول إلى 3-6-1 (3-3-2-1-1) أو 3-5-2 (3-3-2-2) في الحالات الهجومية.

خط الدفاع، المكون من هاني سعيد كليبرو و أمامه وائل جمعة و أحمد السيد كقلب دفاع، كان ثابتًا بشكل دائم في المناطق الخلفية، بينما كان فتحي و معوض ينطلقان للأمام في الهجمات المرتدة. أيضًا، كان حسني عبد ربه لاعب خط الوسط المحوري محدود التحركات، بينما كان محمد شوقي و أحمد حسن يقومان بأدوار دفاعية كبيرة مع خط الدفاع و يتقدمان في الهجمات المرتدة.

بشكل عام، كان المنتخب المصري يُدافع بثمانية لاعبين مع بقاء الثنائي تريكة و محمد زيدان في المناطق الأمامية لدعم الهجمة المرتدة مع أحد الظهيرين و خط الوسط. و قد نجح هذا الأسلوب في مباراة ماراثونية أمام راقصي السامبا و رأينا العديد من الهجمات المرتدة من المنتخب المصري أمام منتخب يُخلف خلفه الكثير من المساحات بسبب كرته الهجومية الكاسحة، و بالرغم من الهزيمة إلا أن الفريق العربي نال استحسان الجميع.

في مباراة الأدزوري وجد المنتخب المصري صعوبة في مباغتة المنتخب الإيطالي عبر المرتدات، في ظل الوعي الدفاعي الممتاز للأدزوري، لكن أحفاد الفراعنة نجحوا في تحقيق الفوز عبر سلاح آخر من سلاح الكاتِناتشيو عبر ركلة ركنية سجل على إثرها محمد حمص هدف الفوز الذي تكتل من بعده المنتخب المصري بمدافعيه و لاعبي خط وسطه في المناطق الخلفية لمقاومة هجمات المنتخب الإيطالي.

- أمام في كأس الأمم الأفريقية التي أقيمت هذا العام، فقد اتبع شحاتة الأسلوب ذاته أمام مننتخبات قوية هجوميًا مثل المنتخب النيجيري، المنتخب الكاميروني، المنتخب الجزائري و المنتخب الغاني، إلا أن الغزارة التهديفية للمنتخب المصري لا تنفي اعتماده على فكر الكاتِناتشيو، بل يشير إلى ضعف الوعي الدفاعي للمنافسين و سهولة مباغتهم عبر المرتدات و بشكل أكبر براعة لاعبي هجوم المنتخب المصري في استغلال الثغرات و السرعة في ضرب المنافس. و يُمثل تلقي المنتخب المصري ثلاثة أهداف فقط طوال البطولة أمام منتخبات قوية هجوميًا و عدم تعرضه لأي هزيمة دليلين دامغين على اتباع شحاتة لأسلوب هيرِّيرا الشهير.

* كوريا الشمالية و الوسيلة الوحيدة للوصول إلى كأس العالم 2010

حتى آسيا وجدت من يعتمد فيها على الكاتِناتشيو، و قد كان ذلك الفريق محظوظًا للغاية حيث تمكن من الوصول بشكل مباشر إلى كأس العالم 2010 من خلال التصفيات الآسيوية. ذلك المنتخب هو المنتخب الكوري الشمالي الذي استطاع الفوز على منتخبات عريقة مثل المنتخب الإماراتي، المنتخب الإيراني، المنتخب السعودي و كوريا الجنوبية.

و في المُقابل لم يُهزم سوى في مباراتين فقط من أصل 16 مباراة خاضها سواء في المرحلة الأولى، المرحلة الثالثة و المرحلة الرابعة التي كانت شاهدةً بشكل خاص على الأسلوب الدفاعي البحت لأشقاق الكوريين الجنوبيين، حيث لم يُسجل المنتخب الكوري الشمالي سوى سبعة أهداف في ثمانِ مباريات، لكنها كانت كفيلة لتجلب له 12 نقطة من تلك المباريات عبر ثلاث انتصارات و ثلاث تعادلات.

* الإنتر 2009-10 يقترب من الوصول إلى عرش الكرة الأوروبية مع الرجل الخاص !

يوم الأربعاء الماضي، تمكن الإنتر من الوصول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا بعد "أجمل هزيمة في تاريخ المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو" - على حد قوله - في الكامب نو بنتيجة 1-0 على يد برشلونة، و هي الهزيمة التي لم توقف زحف الأفاعي إلى النهائي بعد الفوز في الذهاب قبل أسبوعين بنتيجة 3-1. بعد انتهاء معركة الكامب نو، وصفت الصحافة الإسبانية أسلوب الإنتر خلال اللقاء بأسلوب "كاتيناتشيو هيرِّيرا"، و هو الأمر الذي ارتكز عليه طرح زميلي العزيز أحمد عطا "تحليل خاص : روح "هيريــرا" قضت على أسطورة البرســا" و الذي ألهمني لكتابة هذا التقرير المُطول عن الخطة التي قد لا يعرفها الكثيرون.

الأهم، هو أن الأمر بدا جليًا لبعض متابعي كرة القدم فقط في ملحمة كاتالونيا، لكن الحقيقة هي أن مورينيو اتبع هذا الأسلوب في عدة مناسبات سابقة، منها مباراة إياب ثمن نهائي دوري الأبطال أمام تشيلسي في الستامفورد بريدج، حيث أغلق الأفاعي كل المساحات و دافع عن مرماه باقتدار، مع الاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة سواء باستغلال سرعة صامويل إيتو و جوران بانديف في قيادة المرتدات أو الاعتماد على الكرات الأمامية المتقنة من صانع ألعاب الفريق فيسلي شنايدر إلى دييجو ميليتُّو و الثنائي السابق ذكره و الذي قاد لهدف الفوز في لندن عبر تمريرة أمامية إيتو المُنفرد بحارس تشيلسي روس تيربول ليضع الكرة في الشباك.

أيضًا، كان ذلك الأسلوب هو المُتَّبع في مباراة الذهاب، حيث كان تفوق البلوز في الاستحواذ على الكرة بلا فائدة كبيرة أمام التكتل الدفاعي القوي للنيرادزوري، في المقابل لم يجد أصحاب الأرض أي صعوبة في مباغتة الضيوف عبر الهجمات المرتدة من حين إلى آخر. مباراة إياب ربع النهائي أمام سسكا موسكو كانت مباراة أخرى شهدت مباغتة مبكرة من الإنتر عبر هدف من ركلة حرة لفيسلي شنايدر، مع تكتلات دفاعية قوية للأفاعي عجزت الفريق الروسي.

هذا الأسلوب الذي طبقه المدرب البرتغالي على خطتي 4-3-1-2 و 4-2-3-1 (و أحيانًا 4-3-2-1 كما حدث أمام البلاوجرانا) لم يقتصر على مباريات دوري الأبطال، فمن شاهد مباراة ديربي ميلانو في مرحلة الإياب في الدوري الإيطالي ضد الميلان سيدرك جيدًا ما أقوله، فحتى قبل طرد فيسلي شنايدر، قام الأفاعي بترك الملعب و السيطرة لصالح الروسُّونيري، لكنها كانت سيطرة سلبية على مجريات اللعب بينما كان الإنتر هو المُتحكم الحقيقي في اللعب عبر التكتل الدفاعي القاتل و الهجمات المرتدة الخطيرة و التي منحت الفوز للبينياماتا.

مفارقة بين الحاضر و الماضي |
معركة الكامب نو 2010، ومعركة أمستردام أرينا 2000 !

الفعل الماضي و الحاضر في كل شيء يتداخلان .. بين 2010 و 2000 ،، الظروف متشابهة، أحداث المباراتين متشابهتان، الفائزان اعتمدا على الكاتشيناتشيو و الخاسران تلميذان نجيبان لمدرسة الكرة الجميلة و اللعب الهجومي، و كلاهما كانا يواجهان شعبًا بأسره ...

إنجاز الإنتر يوم الأربعاء ذكرني بإنجاز مشابه تمامًا حققه المنتخب الإيطالي على حساب المنتخب الهولندي في نصف نهائي يورو 2000 الذي أقيم في هولندا و بلجيكا. الكثيرون حينها ظنوا أن مسيرة الأدزوري وصلت إلى نهايتها مبكرًا باصطدامه بهولندا صاحبة الأرض و الجمهور و التي كانت متألقة للغاية بسرعتها و قوتها الهجومية و مُرشحة للتتويج بالذهب الأوروبي للمرة الثانية بعد إنجاز يورو 1988.

المباراة التي أُقيمت في ملعب الأمستردام أرينا بالعاصمة الهولندية أياكس شهدت حشدًا جماهيريًا غفيرًا يؤازر منتخب الطواحين، في المقابل كان المنتخب الإيطالي غريبًا أمام شعب بأكمله. إلا أن الأمر لم يكن مُعضلة كبيرة أمام المدرب دينو زوف الذي طبَّق روح أسلوب الكاتِناتشيو على خطته التي خاض بها المباراة.

فبالاعتماد على خطة 5-3-2 و التي كانت تتحول إلى 3-5-2 في الحالات الهجومية، وجد المنتخب الهولندي أمامه سدًا منيعًا و تكتلًا دفاعيًا رهيبًا لمنتخب لم تكن تنقصه الخطورة الهجومية عبر ستيفانو فيوري، أليساندرو دل بييرو و فيليبُّو إنزاجي اللذان استغلا اندفاع الهولنديين و شنوا هجمات خطيرة على مختلف فترات المباراة.

حتى وصلت الدقيقة 34 حينما تلقى زامبروتَّا بطاقة صفراء ثانية أدت إلى طرده. ظن الجميع أن الفريق البرتقالي في طريقه للفوز لا محالة، حتى أنصار الأدزوري شعروا بالخوف بعدما أصبح منتخبهم منقوصًا من لاعب في مواجهة 11 فنانًا هولنديًا و جمهورًا عريضًا صبغ الملعب باللون البرتقالي. و بالفعل، سارت المباراة في اتجاه واحد، هو اتجاه مرمى الحارس فرانشيسكو تولدو.

إلا أن لاعبي الأدزوري ذادوا بكل ما أوتوا من قوة عن مرماهم مستخدمين سلاح الكاتِناتشيو، و لم يفلح أصحاب الأرض من هز شباك المنافس طوال الوقتين الأصلي و الإضافي، ليحتكم كلا الفريقين إلى ركلات الجزاء الترجيحية التي رد فيها تولدو صنيع ما قام به زملاءه من استبسال أمام مرماه، ليتألق و يتصدى لركلتي فرانك دي بور و بول بوسفيلت - و يضيع ياب ستام ركلة أخرى - مانحًا الفوز للمنتخب الإيطالي بنتيجة 3-1.



فــيــديــــو الــمــبــــاراة





* كلمة أخيرة: في نهاية موضوعي أعتبر نفسي مدينًا بالاعتذار لجميع زوارنا الأعزاء عن الإطالة الكبيرة في طرحي الذي حاولت من خلاله تقديم الفائدة قدر المستطاع لكم عن إحدى أهم أساليب كرة القدم على مدار تاريخها..




كن معنا على الفيس بوك...اضغط هنا