ديربي القاهرة | عندما تتحول العاصمة المصرية إلى مدينة أشباح!

بين طيات المباراة، الكثير من التفاصيل..النسخة العربية تحكي قصة أقوى تنافس عربي في كرة القدم

 GOAL  بقلم | محمود عبد الرحمن     تابعه عبر تويتر  
يشتركان في ألوان العلم المصري، الأحمر والأبيض، ومعهما الأسود الذي يتشح به الناديان مع حلول شهر فبراير، حين نزف جمورهما الدماء، وهو نفس الشهر الذي يلتقيان فيه.

أي ديربي أو كلاسيكو تتشكل فيه التنافسية من عدة عوامل، بعضها قد يكون سياسيًا مثل كلاسيكو برشلونة وريال مدريد، أو دينيًا مثل الأولد فيرم بين سيلتك ورينجرز، أو اجتماعيًا مثل الكلاسيكو الكبير بين ريفر بليت وبوكا جونيورز، لكن في مصر تشكل ديربي القاهرة الكبرى من عدة عوامل مجتمعة.

إذ يقول الكاتب أندي ميتن في كتابه Mad for it «تفتخر القاهرة بتنافس حقيقي في كرة القدم يكاد يضاهي تنافس ريال مدريد وبرشلونة وبوكا جونيورز وريفر بليت. لقاء الأهلي والزمالك يتجاوز حدود التعصب. جزء من كرة القدم، وجزء من صراع سياسي، وجزء من التاريخ، وعمومًا فهو ذريعة جيدة للسكان المحليين لإلقاء الحجارة على بعضهم البعض!»

يضيف الكاتب «على غرار العديد من أشرس المنافسات في عالم كرة القدم، شُكل ديربي القاهرة بواسطة العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية. الناديان يقعان في حيز العاصمة المصرية، كان ينظر للزمالك باعتباره الخاص بالأسر الأكثر ثراءً داخل مصر، فيما دخل الأهلي تحت عباءة نادي الشعب».

أما صحيفة «الجارديان» البريطانية المرموقة فقد سبق وأفردت تحقيقًا مطولاً عن المباراة ووصفتها بـ «صراع القومية والطبقية والهروب من الواقع».



إذا أردت أن تلمس حقيقة الديربي القاهري، فما عليك إلا أن تتجول في شوارع القاهرة، عندها ستدرك أنك حققت ما كنت تصبو إليه، وأنهيت المهمة.

الحياة في مصر تتوقف في هذا الموعد، يتم تقسيم كل جانب من جوانب الحياة هنا إلى معسكرين إما أحمر أو أبيض، في الخارج يلعب الولاء المحلي دوره، لكن في مصر، الانقسام يشمل البلد بأكمله.

انعكس الصراع بين عملاقي القارة الأفريقية على كل شيء في مصر، تجسد في السينما المصرية، الأغاني، الكتب، حتى أنه انعكس على الأحداث السياسية التي تمر بها البلاد.

كرة القدم في العالم العربي بدأت مع تأسيس الناديين منذ أكثر من قرن، وتأثير الناديين لا يقع فقط في حيز أرض الكنانة، بل أطلقت مسميات الأهلي والزمالك على بعض القمم والديربيات العربية، فريق يمثل الأهلي، وفريق يمثل الزمالك، بات ديربي يُضرب به المثل من المحيط إلى الخليج.

ليس هذا فحسب، بل جماهير الأهلي قد تحب الأندية العالمية التي قد ترتدي نفس ألون فريقها، وقد تحب بلدان مدربيها، والأمر نفسه بالنسبة للزمالك، الديربي يطغى على كل شيء.

عرفت الندية بين الفريقين منذ قديم الأزل حين قرر لاعب موهوب يدعى حسين حجازي الذي سبق ولعب لنادي فولهام الإنجليزي العودة إلى مصر عام 1914، وتنازع على خدماته الأهلي والزمالك، لكنه قرر تشكيل فريق سمي «حجازي الفن»، في النهاية نجح الأهلي الحصول على خدماته عام 1917، وبينما ذهب برفقته بعض أعضاء فريقه الخاص، فضل آخرون الانضمام للزمالك، ومن هنا بدأ التنافس.

حجازي لعب عامين فقط للنادي الأهلي قبل أن ينتقل للغريم الزمالك عام 1919، ليصب الزيت على النار. ما جعل الأمور تشتعل أكثر فأكثر أنه بعد خمس سنوات عاد للأهلي، ليس هذا فحسب بل عاد مرة أخرى للزمالك في عام 1928، ومع كل تنقل كان يرجح حجازي كفة الآخر!

لم تكد تهدأ حالة الشد والجذب في قصة انتقالات حجازي، إلى أن جاء عام 1936 والذي انتقل فيه عبدالكريم صقر الذي لعب للنادي الأهلي أربع سنوات إلى الزمالك، مما زاد الفجوة بين الناديين.



أضف على كل هذه الأمور التي شيدت المنافسة بين الفريقين ما حصل في الماضي القريب في تسمية الاتحاد الأفريقي النادي الأهلي بلقب نادي القرن الأفريقي في وقت كان نادي الزمالك فيه الأكثر حصولاً على بطولات أفريقية، إلا أن الكاف استند في قراره على النقاط التي جمعها الفريقان في الفوز بالبطولات بالإضافة إلى عدد مرات وصولهما إلى الدور ربع النهائي، نصف النهائي، والنهائي.

أسئلة يطرحها أنصار الفريقين على بعضهما البعض، من أحق بهذا اللقب، من النادي الافضل، من الأكثر وطنية، من يجامله الحكام، من يجامله الإعلام؟ أسئلة زادت أيضًا الفجوة بين الغريمين.

الشك يلعب دورًا كبيرًا ديربي القاهرة، قديمًا أن يرتدي الحكم ملابس تحمل ألوان أي من الفريقين فهذا يدل على تحيزه له.

هذا ما أكده الحكم الإسكتلندي كيني كلارك والذي سبق وأن أدار الديربي في عام 2001، حيث يقول في تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي عن أقوى 5 ديربيات في العالم.

«بعد أن رفضت ستة اتحادات أوروبية أن ترسل حكامًا لإدارة هذه المباراة، وافقت، قبل عام كان حكمًا فرنسيًا قد ألغى المباراة بعد 10 دقائق، لذلك كنا على علم بما نحن مقبلين عليه».

«عادة عندما نذهب إلى أي مباراة خارجية، نرتدي بذلة الاتحاد الاسكتلندي، لكنهم أخبرونا بأن لا نرتديها ونتخفى لأن هناك إمكانية لحدوث متاعب حين نصل للمطار».

«سافرنا بملابس عادية، وقام الاتحاد المصري بتخصيص حارس شخصي لنا، وقبل المباراة بساعة ونصف دخلنا الملعب وجدناه متتلئًا عن بكرة أبيه، قمنا بعمليات الإحماء والتقط أحد المساعدين صورًا مع بعض الجماهير، لكن الحارس الشخصي أخبرنا بأن نلتقط صورًا أيضًا مع الجماهير الأخرى حتى يحدث توازن!».



أكثر من مجرد مباراة، كل شيء يقوم عليها، مزاج المواطن المصري المحب للأهلي أو للزمالك، يتفاخر بانتصاره لأيام، يصنع يومه، يعاير به صديقه الآخر، تشتعل صفحات التواصل الاجتماعي بالسخرية وبالنكات.

البهجة تصنع في طرف، والحزن يخيم على الآخر، فالهزيمة من أي أحد مهضومة، إلا من المنافس الأهم، الهزيمة تعني فقدان نقاط المباراة أو البطولة، وخسارة بطولة المباراة نفسها.

عندما تأتي إلى العاصمة المصرية الصاخبة التي تعج بالملايين وتجد الشوارع خاوية، والهدوء يعم أزقتها، فاعلم أنه وقت الديربي.


تواصل مع محمود عبد الرحمن
رئيس القسم الإنجليزي
على فيسبوك
على تويتر