ديربي الشمس | نابولي، وقصة العودة للحياة !!

مباراة كبيرة في الجولة الثامنة للدوري الإيطالي تجمع روما مع نابولي، هنا نتحدث عن قصة نابولي والصعود بعد الهبوط ...
يشهد يوم الجمعة القادمة مباراة قمة الجولة الثامنة في الدوري الإيطالي، والتي ستجمع روما مع نابولي في مباراة تُعرب باسم ديربي الجنوب وديربي الشمس، مباراة من النادر أن تجمع الفريقين وأحدهما متصدر البطولة والثاني هو الوصيف، ولذا يُنتظر الكثير منها.

العديد من المشجعين خاصة الجدد أو غير المتعمقين في الكرة الإيطالية فوجئوا بوجود نابولي على الساحة وفي الصف الأول خلال السنوات الأخيرة، رغم أنه لم يكن على الواجهة خلال الـ15 عامًا الأخيرة وتحديدًا بعد فترة الأسطورة دييجو أرماندو مارادونا، ولهذا سنحاول خلال التقرير التالي أن نسرد حكاية عودة نابولي من الموت للحياة وكيف وصل ليكون أحد أقوى الفرق الإيطالية والأوروبية.

1904 ... ولد نابولي في الجنوب

دخلت كرة القدم جنوب إيطاليا وتحديدًا مدينة نابولي في بداية التسعينات بواسطة الإنجليز الذين نشروا اللعبة في جل الأراضي الأوروبية، وأسس نادي "نابولي فوتبول كلوب" في أواخر 1904 بواسطة الموظف الإنجليزي ويليان بوثس بعد نقاشات مع الإيطالي إيرنيستو بروسكيني.

وبعد سنوات وتحديدًا عام 1912 انشقت مجموعة من النادي وأسست ناديًا جديدًا اسمه "إنترناتسيونالي نابولي"، وقد تنافس الناديان لفترة خلال عدد من البطولات المحلية الخاصة بالجنوب وإيطاليا قبل أن يندمجا معًا عام 1922 في نادٍ واحد اسمه "فوتبول كلوب إنترناتسيونالي نابولي" والذي تغير اسمه فيما بعد وتحديدًا في أغسطس 1926 إلى "رابطة نابولي لكرة القدم".

وبعد سنوات من التقدم والتراجع تخللتها سنوات الحرب العالمية وشهدت تتويج الفريق بلقب كأس إيطاليا عام 1962، تغير اسم النادي مجددًا في يونيو 1965 ليصبح "مجتمع نابولي الرياضي الكروي" وهو الاسم الحالي والذي يعرف اختصارًا باسم "نابولي".

1984 .... أهلًا مارادونا

تحسن مردود نابولي خلال فترة السبعينات حتى كاد أن يُلامس المجد ويفوز بلقب الدوري الإيطالي أكثر من مرة لكنه دومًا ما كان يبتعد في المراحل الأخيرة وبالقليل جدًا من النقاط، لكن الأداء الجيد تلك الفترة تُوج بالفوز بكأس إيطاليا عام 1976 للمرة الثانية في تاريخ النادي.

نقطة التحول الهائلة في تاريخ نابولي كانت بالتعاقد مع دييجو أرماندو مارادونا من برشلونة عام 1984، والذي منح النادي ثقلًا هائلًا دُعم بضم عدد من النجوم الآخرين أبرزهم تشيرو فيرارا الصاعد من فريق الشباب في النادي الجنوبي، وبعد تحسن ملحوظ في النتائج جاء الخبر المنتظر من جماهير الجنوب بالكامل وهو الفوز بلقب الدوري الإيطالي موسم 1986-1987 بقيادة المدرب أوتافيو بيانكي خارج الملعب والداهية مارادونا داخله، وقد أضاف الفريق لقب كأس إيطاليا ليحصل على الثنائية الثالثة في تاريخ إيطاليا عقب تورينو واليوفنتوس.

وتوالت سنوات المجد للنادي الجنوبي ولجنوب إيطاليا بالكامل، فقد حصد نابولي لقبًا آخرًا للدوري الإيطالي ولقب السوبر الإيطالي وكأس الاتحاد الأوروبي، وأفلتت منه عدة بطولات في المراحل الأخيرة خاصة الدوري، وكانت نهاية تلك الحقبة التاريخية الفوز بكأس السوبر الإيطالي على حساب اليوفنتوس 5-1.

2004 .... الضياع

بدأت معاناة نابولي وتراجعه مع الكشف عن تعاطي مارادونا للمخدرات وإيقافه ومن ثم رحيله عن إيطاليا عام 1992، ومن ثم بدأ بيع النجوم فرحل جانفرانكو زولا إلى بارما ودانييل فونسيكا إلى روما وكاريكا للدوري الياباني وغيرهم من اللاعبين المؤثرين نتيجة المتاعب الاقتصادية والمالية.

وقد حافظ نابولي على تواجده في السيري آ لكن بعيدًا عن مراكز المقدمة في السنوات التالية، حتى خارت قواه موسم 1997-1998 ليهبط في نهايته للسيري بي ليقضي موسمين ويعود نهاية موسم 1999-2000 للسيري آ لكنه لم يبق سوى لموسم واحد ليهبط من جديد ويقضي 3 مواسم سيئة في السيري بي قبل أن يُواجه الصدمة التي زلزلت جنوب إيطاليا بالكامل.

الصدمة حدثت صيف 2004 حين أعلنت محكمة نابولي المدنية ووفقًا للبند السابع من أحكام الإفلاس وفي الثاني من أغسطس 2004 إفلاس النادي بعدما وصلت الديون لما يقرب 79 مليون يورو، وقد جاء ذلك الإعلان عقب سنوات من تراكم الديون والفشل في إيجاد اتفاق مع السلطات لتسديدها.

وبناءً على ذلك الحُكم ووفقًا للقوانين الرياضية مُنع الفريق من اللعب في السيري بي، وأصبح لزامًا عليه اللعب في السيري تشي أونو لكن بشرط أن تتولاه إدارة جديدة وأن تضخ به مبلغًا كبيرًا من المال، وبهذا ضاع الفريق وضاع تاريخه وأصبح في انتظار اليد التي تنتشله من بحر الديون وتُعيده للوقوف على قدميه من جديد.

2004 .... المنقذ دي لاورينتيس

أصبح نابولي في حاجة لرئيس جديد قادر على ضخ المال وتسديد أو على الأقل جدولة الديون، بل أصبحت المدينة الساحلية في حاجة لرجل يُعيد لها كرة القدم، وقد حاول لوتشيانو جاوتشي رئيس بيروجيا إنقاذ الأمر لكنه لم يتمكن من تجاوز العقبات القانونية والاقتصادية مما أصاب أهل المدينة بالإحباط والقلق على إرث مدينتهم الكروي.

وفي تلك اللحظات الصعبة ظهر أوريليو دي لاورينتيس رجل صناعة السينما المولود في روما عام 1949 ولكن أصوله تعود لمدينة نابولي، والذي حاول شراء النادي قبل سنوات لكنه لم ينجح في مسعاه ليعود مجددًا وينجح في إبريل 2004 في إنشاء نادٍ جديد اسمه "نابولي سوكر" بدأ مسيرته من دوري الدرجة الثالثة الإيطالي أو السيري تشي أونو.

دي لاورينتيس بدأ عمله بالتعاقد مع المدير الرياضي الممتاز في أودينيزي "بيير باولو مارينو" والذي يُعد جزءً من تاريخ النادي، إذ تواجد في موسم الاسكوديتو الأول، وقد اقتنع الرجل سريعًا ووضعت خطة العمل التي ستعيد نابولي للواجهة من جديد وستعيد للمدينة عشقها الأزلي.

ولم تُقصر الجماهير أبدًا مع الرئيس الجديد، إذ قدمت كل الدعم للفريق رغم أنه يلعب في دوري الدرجة الثالثة الإيطالي، ويُمكن مشاهدة ذلك الدعم بالأرقام التي جعلت نابولي يمتلك الرقم القياسي للحضور الجماهير في مباراة واحدة للسيري تشي وبلغ 51 ألف متفرج، بل إن الحضور الجماهير للفريق فاق الحضور الجماهير لفرق تلعب في السيري آ !!.

وكاد النجاح أن يتحقق سريعًا وفي نهاية موسم 2004-2005 بعدما وصل الفريق لمرحلة التصفيات النهائية للصعود للسيري بي ولكنه خسر المباراة الحاسمة أمام عدوه التاريخي "أفيلينو" بهدفين مقابل هدف، ليعود ويُحاول من جديد في موسم 2005-2006 وهنا ينجح بالصعود للسيري بي بقيادة المدرب إيدي رييا والذي عينه الرئيس الجديد قبل عام بدلًا من جيامبييرو فينتورا.

وقبل بدء الموسم الجديد 2006-2007 في السيري بي وتحديدًا في 24 مايون 2006 نجح دي لاورينتيس في استعادة الاسم القديم للنادي ليعود اسمه "مجتمع نابولي الرياضي الكروي"، وهنا لم يكن الأمر مجرد استعادة اسم بل استعادة تاريخ وإرث هائل خاص بالمدينة كلها، واستعد الفريق جيدًا لموسمه في السيري بي بضم عدد من اللاعبين الجيدين وأبرزهم باولو كانافارو من بارما وماوريتسيو دوميتزي من أسكولي.

بدأ الموسم والذي ضم بين أنديته اليوفنتوس بعد قرار هبوطه على خلفية قضية الكالتشيوبولي، وهو ما زاد البطولة صعوبة على جميع الفرق، لكن نابولي كان أحد أهم وأقوى الأندية وحقق أرقامًا رائعة أبرزها عدم الخسارة على ملعبه طوال الموسم وبرصيد 12 انتصارًا و9 تعادلات، فيما خارج ملعبه حقق 9 انتصارات و7 تعادلات ولم يتعرض للخسارة سوى في 5 مباريات كانت أبرزها السقوط 2-0 أمام اليوفنتوس في تورينو.

وانتهى ذلك الموسم في السيري بي بفوز اليوفنتوس باللقب برصيد 85 نقطة فيما حل نابولي ثانيًا برصيد 79 نقطة وجنوى ثالثًا بـ78 نقطة ليصعد الثلاثي معًا للسيري آ، وكان الإعلان الرسمي لصعود نابولي خلال مباراة التعادل مع جنوى في لويجي فيرارس 0-0 والتي أكدت صعود الطرفين بعد تعادل بياتشينزا مع تريستينا 1-1، وأطلقت العنان لجماهير الجنوب لتحتفل بعودة ممثلها الأبرز للسيري آ.

2007 .... عودة بعد غياب

سقط نابولي عام 2001 من السيري آ وعاد بعد 7 سنوات وتحديدًا موسم 2007-2008، وهنا بدأت حقبة جديدة بقيادة دي لاورينتيس الذي حين استلم النادي وضع خطة خماسية الأجل كانت تقضي بصعود الفريق للسيري آ عام 2010 لكن الروح والإصرار والدعم الجماهير جعل الأمور تسير بأفضل مما خطط لها رجل السينما كثيرًا.

استعد الرئيس جيدًا للعودة للسيري آ، فضم عدد من اللاعبين المميزين من أندية السيري بي وأمريكا الجنوبية أبرزهم ماريك هامسيك ودانييلي مانيني وفابيانو سانتاكروتشي من بريشيا وإيزكويل لافيتزي من سان لورينزو وماتيو كونتيني من بارما ووالتر جارجانو من دانوبيو، و حافظ على وجود المدرب إيدي رييا.

خاض نابولي موسمًا جيدًا للغاية أنهاه في المركز الثامن ليتأهل لبطولة إنترتوتو المؤهلة لكأس الاتحاد الأوروبي، وقد حقق خلال الموسم انتصارات لافتة على أندية ميلان وإنتر ويوفنتوس وتعادلًا مثيرًا 4-4 مع روما.

وفي صيف 2008 حافظ النادي على كافة نجومه المؤثرين وتمكن من التفوق على ميلان وخطف الجناح الأيمن الممتاز لسامبدوريا "كريستيان مادجيو"، وتمكن أيضًا من التأهل لبطولة كأس الاتحاد الأوروبي لكنه خرج فيما بعد من الدور الأول أمام بنفيكا، ورغم البداية الرائعة في السيري آ إلا أن النتائج تراجعت بقوة في النصف الثاني من الموسم مما اضطر النادي لإقالة رييا والتعاقد مع روبيرتو دونادوني الذي كان قد أقيل من تدريب منتخب إيطاليا عقب يورو 2008 ورغم تحسن النتائج قليلًا إلا أن الفريق لم ينه الموسم في مركز أفضل من الـ12.

تراجع أداء الفريق لم يُوقف خطة التطور التي وضعها دي لاورينتيس، فقد واصل في صيف 2009 دعم الصفوف وتمكن من التفوق على عديد الأندية الكبيرة في ضم مجموعة من اللاعبين المميزين والمطلوبين في السوق، وأبرزهم مورجان دي سانتيس وخوان كاميلو زونيجا ولوكا تشيجاريني وفابيو كوالياريلا، لكن رغم هذا فقد جاءت البداية مخيبة كثيرًا مما جعل الرئيس يتخذ قرارًا بإقالة دونادوني والتعاقد مع والتر مادزاري صاحب النجاحات الملفتة في ريجينا وسامبدوريا، وهنا تحسن الأمر كثيرًا جدًا وبات نابولي أحد أفضل فرق البطولة حتى تمكن من إنهاء موسم 2009-2010 في المركز السادس المؤهل للدوري الأوروبي.

2010 .... الحصاد

كان من المقرر أن يكون عام 2010 هو عام عودة نابولي للسيري آ بحسب دي لاورينتيس، ولكنه كان عام العودة لدوري أبطال أوروبا وهو الإنجاز الذي أشعل فتيل الاحتفالات في جنوب إيطاليا، وهو الإنجاز الذي مثل بداية حصاد الرئيس وعمله الرائع خلال السنوات الـ6 التي تولى بها إدارة النادي.

كانت أهم خطوات الحفاظ على التقدم الذي أحرزه نابولي مع مادزاري هو الحفاظ على نجوم الفريق، وقد تمكن دي لاورينتيس من فعل هذا رغم الإغراءات من عديد الأندية الكبيرة لشراء لاعبين مثل مادجيو وهامسيك ولافيتزي وكانافارو، والخطوة التالية كانت الدعم بشراء مهاجم باليرمو الواعد "إيدينسون كافاني" ودعم الفريق بعدد من اللاعبين الجيدين، والنتيجة كانت تقديم موسم ذهبي في السيري آ انتهى بفوز الفريق بالمركز الثالث خلف الميلان والإنتر وقبل أودينيزي وروما ولاتسيو واليوفنتوس بعدما جمع 70 نقطة ليتأهل لدوري أبطال أوروبا 2010-2011.

ورغم الحفاظ على النجوم باستثناء لافيتزي وتدعيم الصفوف بلاعبين مثل ميجيل بريتوس وبليرم دزيمايلي وإدواردو فارجاس وجوران بانديف وجوخان إنلير الذي فاز به الفريق بعد منافسة شرسة مع يوفنتوس، إلا أن الانشغال ببطولة دوري الأبطال والسعي لتقديم وجه ممتاز لنابولي فيها أثر سلبًا على مشوار الفريق في السيري آ 2011-2012 وجعله يُنهي الموسم في المركز الخامس، وكان قد خرج من دور الـ16 للبطولة القارية بعد الفوز على تشيلسي في لندن 3-1 والخسارة بعد التمديد في سان باولو 4-1 ليُتوجه الفريق الإنجليزي فيما بعد باللقب الثمين، لكن الإنجاز لم يغب عن هذا الموسم بعدما توج الفريق بلقب كأس إيطاليا على حساب اليوفنتوس في المباراة النهائية.

التحدي الكبير صيف 2012 كان قدرة نابولي على الحفاظ على نجومه الكبار خاصة كافاني وهامسيك وإنلير ومادجيو وزونيجا، وقد فاز دي لاورينتيس بالرهان وحافظ على الجميع ودعم بالقليل من الأسماء، والنتيجة كانت موسم رائع حقق خلاله الفريق المركز الثاني ليعود لدوري الأبطال من جديد، والأهم أنه رسخ اسمه كأحد كبار إيطاليا وأندية الصفوة فيها.

وقد فاجأ دي لاورينتيس الجميع صيف 2013 بإنفاق ما يقرب من 87 مليون يورو لدعم الصفوف بعد التعاقد مع الإسباني رافا بينيتيز ليخلف والتر مادزاري وبيع المهاجم كافاني في عملية تغيير جلد تهدف للمزيد من التطور والتقدم، والنتيجة كانت رائعة حتى الآن بالفوز في 6 مباريات والتعادل في واحدة من الدوري الإيطالي والفوز على وصيف دوري أبطال أوروبا "بوروسيا دورتموند" قبل الخسارة أمام آرسنال.

وستكون مواجهة روما مساء الجمعة المقبل هي فرصة الفريق لاعتلاء الصدارة بعد 8 أسابيع من انطلاق البطولة، وهو إن حدث سيكون الإشارة الأفضل لطموحات نابولي دي لاورينتيس باستعادة الأمجاد والفوز مجددًا بالاسكوديتو.


تواصل مع تامر أبو سيدو