النهاية العادلة.. في رثاء "الساجدين سابقاً"

التعليقات()
انتهت اللعبة.. الآن على من حاول تجاهلكم أن يراكم جيداً.

أحمد أباظة    فيسبوك      تويتر

نعلم أن هذا ليس ما رغب البعض في سماعه، ولكنها الحقيقة. الأمر كان يتطلب معجزة ليفوز المنتخب المصري بهذا اللقب، معجزة فنية في مستواه الحالي، أو معجزة تمنحه مدرباً أفضل، أو ربما هيكلاً إدارياً سليماً بالمعنى المُتعارف عليه عالمياً.

لنتفق أن البعض بل وربما الأغلبية لا يكترث إطلاقاً بكل ما سنذكره طالما يفوز المنتخب، حتى لو كان يدرك الأمر تمام الإدراك، ولا يمكن لأحد أن يلومه، فصوت الاحتفالات دوماً ما يكون أعلى مما حوله، وحاجة الشعوب الغريزية لما يُدخل عليها السرور لن يعكرها شيء..

ولكن ها نحن نتحدث والأمر قد حدث، خسر الفراعنة أمام منتخب عادي تأهل كثالث مجموعته بفضل انكشاف المزيد من العيوب يوم تلو الآخر، لأنه وبكل أسف.. المنتخب المصري وجماهيره خاضا معاً حرباً شرسة ضد جميع معطيات المنطق. بطبيعة الحال المنطق لا يفوز كل يوم في كرة القدم، ولكنه على أقل تقدير يجعلك أقرب للفوز.

  1. Getty Images

    كوبر × أجيري

    من كان هيكتور كوبر مجدداً؟ حسناً، نحن نتحدث عن مدرب قاد فالنسيا لنهائي دوري أبطال أوروبا في 2001، وقاد إنتر ميلان إلى نصف نهائي نسخة 2003، صحيح أن لديه مشكلة عامة مع النهائيات آخرها كانت مع مصر في نهائي الكان 2017 ضد الكاميرون، إلا أن المشكلة معه هنا كانت فنية بحتة، وإن كانت بضاعته هي نفسها تقريباً على مر الزمان.

    الرجل قاد مصر إلى نهائيات كأس العالم 2018 ولأول مرة منذ 28 عاماً، قُل كما شئت عن هذا، فالتاريخ ولا أحد تقريباً يُبالي بكونها واحدة من أسهل فرص الصعود في تاريخ المنتخب، ومدى الاختلافات الشاسعة بين غانا التي وجدناها في المجموعة وغانا التي أذاقتنا مرارة السداسية قبلها بأربعة أعوام، المهم أن المنتخب قد وصل إلى المونديال أخيراً.

    صحيح أنه قدم عرضاً مخزياً في المونديال ولكن لا يهم، لقد وصلنا على الأقل ولا يمكننا الطمع أكثر من ذلك، حتى وإن كانت مجموعة تضم أوروجواي وروسيا والسعودية تستحق الطمع، هذا لا يهم كثيراَ؟ بل، لم يستطع المعظم إخفاء ضجره أكثر من ذلك، المنتخب يكاد يكون لا يحاول اللعب، فقط ينتظر معجزة ما بالأمام ومعجزات أخرى بالخلف، هدف كهربا في شباك المغرب وليلة بوركينا فاسو الكارثية هي أوضح الأمثلة..

    هنا رحل كوبر وأتى خافيير أجيري ويجب هنا إعادة السؤال، من هو أجيري؟ حسناً نعلم بعض المعلومات عن مسيرته التدريبية الحافلة بين أندية مكسيكية مثل أتلانتي وباتشوكا في التسعينات وصولاً إلى منتخب المكسيك نفسه في ولايتين (2001-2002 و2009-2010)، وبطبيعة اللسان اللاتيني قضى الرجل وقتاً طويلاً في الليجا، بين أوساسونا وأتلتيكو مدريد وريال سرقسطة وإسبانيول الذي غادره في مايو 2014، وإلى خريف المسيرة، تجربة بلا معنى مع منتخب اليابان، ثم قرابة عامين مع الوحدة الإماراتي، ليلزم الرجل منزله عاماً حتى أتته المكالمة المصرية.

  2. إرث العدم

    نعرف أيضاً بعض المعلومات الهامشية، مثل اتهامه بالتلاعب في نتيجة مباراة حاسمة أثناء وجوده مع سرقسطة، أو ركله للاعب بنما في 2009 حين كان مدرباً للمكسيك. في النهاية أتى المكسيكي بعد مرحلة جعلت الجماهير في حالة تعطش للأداء والأهداف، وهو ما لم يفُته أبداً، وكأي رجل يعرف أهمية كسب الجماهير في صفه منذ اللحظة الأولى خاصةً بعد مدرب لم يكن محبوباً للغاية، ترك المصريون يرتعون في أرض الملعب بالمعنى الحرفي، أداء هجومي ممتع مصحوباً بنتائج كبيرة ضد منتخبات مجهولة، ولكن حين أتى وقت الجد، هل شعرت للحظة أنك تفتقد كوبر؟

    في لعبة السيرة الذاتية كوبر يفوز بوضوح على صعيد الأندية، فكل ما حققه أجيري هو الدوري المكسيكي قبل 20 عاماً، بالإضافة إلى بطولتين في الإمارات، ولكن على الصعيد الدولي يملك المدرب لقب الكأس الذهبية (بطولة كونكاكاف – أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي)، ولك أن تتخيل طبعاً كم المخاطر التي يواجهها المكسيكيون أمام الولايات المتحدة الأمريكية المختصة في كرة السلة والبيسبول أصلاً، تلك اللعبة الأخيرة التي يفضلها أجيري أكثر من كرة القدم على حد قول مساعده.

    دعنا من السير الذاتية، "نحن لم نسمع بسيرة ذاتية تفوز بلقب"، لنحكم بما أمامنا.. أداء هزيل ضد زيمبابوي، أسوأ ضد الكونغو الديمقراطية، مهزلة كروية كاملة أمام أوغندا، وتماماً كما كانت ليلة بوركينا، نحن لا نلعب سوى على تألق حراسة المرمى وعدم امتلاك الأشقاء الأفارقة لمهاجم يُجهز علينا من طوفان الفرص الذي يتركه خط الدفاع الأحمر، لأنه وبكل صراحة، نحن من يصيبنا التوتر وليس هم.

    للتوضيح، بين 16 منتخباً اجتازوا دور المجموعات، منتخب مصر يحتل المركز الثالث عشر في عدد التسديدات الإجمالي (32)، ولكن هذا الأمر يتحسن بعدد التسديدات على المرمى (16) الذي نقل مصر إلى المركز الثاني، أمر جيد على صعيد الدقة أليس كذلك؟ ولكن مرمى الفراعنة يحتل المركز الثالث من حيث تلقي تسديدات الخصوم، ورغم ذلك لا تزال الشباك صامدة، أخيراً أتى المصريون في المركز الرابع عشر على صعيد الفوز في الصراعات الثنائية، أمر يمنحك فكرة واضحة عن القوة والصلابة الحقيقية للمنظومة الدفاعية هنا.

  3. لماذا نحن هنا؟

    خذ جولة عشوائية بأحد المقاهي وافتح حديثاً بشأن المنتخب، عن تجربة شخصية كانت هذه هي أوضح الإجابات التي حصلنا عليها: وسط الملعب يفتقد للربط، النني لا يقود الفريق للأمام، وإلزام طارق حامد بأدوار فنية أمامية هو أحد ضروب الهرطقة، الرجل يملك وظيفة واحدة وهو بارع للغاية في أدائها، وكونه لا غنى عنه في تلك الوظيفة يجب توفير لاعباً يوفر المزيد من الربط بين الخلف والأمام، كون النني لاعباً في آرسنال هو أمر يُحترم، ولكنه ليس من شروط الاختيار.

    بالتالي يضطر عبد الله السعيد إما للتراجع وإما للتحرك على الطرف، بكلمات أخرى تكفلت المنظومة له بالمزيد من المعوقات وكأن مستواه البدني ليس سيئاً بما فيه الكفاية أصلاً. عادةً ما يملك صانع الألعاب أو "الرقم 10" مربعاً معيناً تتكثف به تحركاته في الملعب، السعيد لم يزُر هذا المربع تقريباً طوال مباراة أوغندا، لديك لاعباً ليس في أفضل أحواله، يعاني من بطء ملحوظ برز كعلامة مميزة لأيام كوبر، إن كنت تعتبره حقاً أملك الوحيد في مركز صناعة اللعب فأضعف الإيمان أن تمد له يد العون تكتيكياً حتى يرد هو لك العون بدوره.

    كيف كان يمكن التغلب على هذا؟ المزيد من التنوع في القائمة ربما؟ ليس بالضرورة لاعباً يحل محل السعيد، لأن الخيار الوحيد في القائمة يمكن اعتبار السعيد أفضل منه بقدم واحدة، لا تجعل أزمته الأخلاقية تخدعك، لقد كان لاعباً متوسطاً طوال الوقت على أفضل التقديرات وهذا أمر مستقل تماماً عما يفعله بهاتفه، أو بأي شي آخر على كل حال.

    هي أزمة اختيارات منذ البداية.. بدلاء الوسط هم علي غزال ونبيل عماد "دونجا" ومن الممكن ضم عمر جابر إليهم، وللأسف اللاعب المنشود لتعويض ما لا يقدمه النني ليس متواجداً بينهم، ولكننا وتماماً كما لا نعلم لماذا لم يتم ضم الحلقة المفقودة أياً كان اسمها، فإننا لا نعلم على الإطلاق ماذا يفعل عمر جابر هنا أصلاً. الأمر يمتد على عدة أصعدة، فإصابة كوكا وجدت أحمد علي معوضاً لها، ولكن إصابة –لا قدر الله- صلاح أو تريزيجيه، تعني أن وليد سليمان هو البديل الوحيد المباشر، حسناً.. لماذا لم يتم ضم وليد سليمان طوال سنوات تألقه فيما وقع الاختيار عليه حين أوشكت مسيرته على النهاية؟

  4. قد لمعت عيناه..

    لم تنفد أبيات الشعر هنا، عبد الله السعيد نفسه كان خارج حسابات أجيري في البداية، قبل أن يطلب تقريراً فنياً عنه في نوفمبر الماضي أثناء تواجده في أهلي جدة، في وقت زعمت به تقارير صحفية أن قرار عودة السعيد أصلاً في يد هاني أبو ريدة رئيس الاتحاد، كونه أحد المستبعدين بعقوبة على الظهور الهزيل في المونديال، كل ذلك بعد "حديث عدد من اللاعبين الكبار" مع الجهاز الفني حول أهمية اللاعب معدوم البديل في مصر، وبالطبع، القائمة تمنحك بالفعل فكرة كافية عن مدى اطلاع أجيري على اللاعبين المصريين..

    ما كان لنا أن نحظى بمشهد أسوأ من قضية عمرو وردة بأكملها لتكشف كماً كبيراً من التناقضات والفوضى في وقت واحد، لأنه وبعيداً عن كون الأزمة لا تخص المنتخب أصلاً منذ البداية، إلا أن التجاوزات الأخلاقية دائماً ما يجب أن تجد عقاباً مناسباً، التحرش لا يجب أن يمر دون عقوبة، ولكن ما هي الصورة التي نقدمها لمتحرشي الشوارع ما دمنا نحمي متحرشي الملاعب؟ هذا اللاعب يرتدي قميص مصر في النهاية، وما نفعله معه هو الصورة التي نريد تركها عن مصر، وتلك الصورة التي تركناها هي قطعاً ليست ما نريد.

    ولكن حتى هذا يمكن التعايش معه بشكل أو بآخر إن كانت الأولوية هي استقرار المنتخب ونجاحه بأي تكاليف، سنحاول التعايش مع تلك المكيافيلية للحظات.. لدينا الكثير من الكيانات الناجحة والتي لا تضع للأخلاق قيمة كبرى لا بأس، ولكنها على الأقل تتسم بأي نوع من الانضباط الإداري، ليست من هذا النوع الذي يقرر عقوبة ما، ثم يلغيها لأن "كبار اللاعبين" لا يعجبهم الأمر.

    "المغرب دفع ثمن سيطرة اللاعبين على المنتخب" – أحمد شوبير نائب رئيس الاتحاد المصري معلقاً على خروج منتخب المغرب أمام بنين.

    المغرب طبعاً، لأن لاعبي المغرب هم من دافعوا عن زميل متحرش وفرضوه على المنتخب والاتحاد، ولأن قائد المغرب هو من أشار برقم المتحرش دفاعاً عنه، ولأنهم هم من أشاروا إلى الجماهير بالصمت والتجاهل، وسدوا آذانهم في وجوهكم، ما الذي كنا ننتظره في النهاية حقاً؟ وبأي حق يتبجَّح هؤلاء في وجوه المصريين بمثل هذا الأداء؟

    يخبركم إعلامي وعضو باتحاد الكرة وابن شقيق أحد أشهر رؤساء الاتحاد على مر التاريخ أن اللاعبين لا يستمعون إليكم ولا يرونكم، وقد حان وقت لا تسمعونهم فيه ولا ترونهم جميعاً، حتى يمنحوكم هذا الكأس الذي تنبأ به مجدي عبد الغني من أعين صلاح، وإلى اللقاء في فرصة ثانية.