ما بعد المباراة | هكذا خنق كونتي خصمه، ولماذا انتهت حقبة الإسبان؟

التعليقات()
Getty Images
التحليل الفني لمُباراة إيطاليا أمام إسبانيا

جرّد المُنتخب الإيطالي نظيره الإسباني من لقب كأس أمم أوروبا وذلك عقب الفوز عليه في ثمن النهائي بهدفين نظيفين في اللقاء الذي لُعب على أرضية ملعب فرنسا في سان دونيه.
 
إيطاليا | درس تكتيكي جديد من كونتي
 
من منا كان يُرشّح إيطاليا للظهور ولو بنصف المستوى الذي ظهرت به في البطولة حتى الآن؟! قليل، حتى لا أقول لا أحد. لكن الأمر يتعلق بمُنتخب عريق يملك روح المُنافسة في دمه كما قال كامورانيزي مؤخرًا. إيطاليا فكرة لعب وروح قتالية على أرضية الميدان قبل أن تكون أسماءً داخل رقعة الميدان، ويكفي أن ترى الطريقة التي يغني بها اللاعبون السلام الوطني لكي تعرف عن أية روح أتحدث، وهو ما انعكس على رقعة الميدان.
 
◄شاهدنا اليوم تقديمًا من أنطونيو كونتي ولاعبيه باسم: كيف توقف فريقًا يريد الاستحواذ على الكرة؟...الحقيقة أنما قامت به إيطاليا في مُباراة اليوم يُظهر حنكة تكتيكية عالية من أنطونيو كونتي الذي بدا دارسًا لجميع تفاصيل خصمه، وبدا لاعبوه حافظين عن ظهر قلب لكيفية إيقاف الماكينة الإسبانية التي تعطلت تمامًا عن العمل.
 
أول نقطة يجب الإشارة لها هي المنظومة الدفاعية للآتزوري والتي بدأت من إيدير وبيليه (اللذين كانا رائعين اليوم) وانتهت عند بوفون...الضغط الرائع الذي كان يقوم به لاعبو المُنتخب الإيطالي جعل المُنتخب الإسباني ببساطة بحلول قليلة جدًا لتطبيق أفكاره المعتادة...متاعب راموس وبيكيه كانت تبدأ منذ لحظة محاولة إخراج الكرة من الخلف، فيما كان بوسكيتس، إنييستا وفابريجاس عاجزين تمامًا عن الوصول لثلاثي المقدمة أمام الضغط المميز لخط وسط كونتي، والسر في ذلك؟ انتشار لاعبي إيطاليا وتفوقهم بدنيًا.

هل تعلم مثلًا أن إسبانيا لم تنجح أبدًا في الفوز بأي اعتراض على الكرة طيلة الشوط الأول؟ وهو أمر يظهر التفوق الكبير للإيطاليين بدنيًا...وهل تعرف أيضًا أن الإسبان لم يخلقوا أية فرصة على المرمى طيلة الشوط الأول؟ وهو أمر يظهر أن خط وسطهم كان مخنوقًا بلا حلول واضحة من أجل تخطي جدار خط الوسط للمُنتخب الإيطالي.

 
إيطاليا بالإضافة إلى ذلك تمكنت من قطع 13 كرة في الشوط الأول فقط، وهو ما يعني أن الفريق تحصل على 13 فرصة من أجل القيام بمرتدات سريعة، وأمام الدفاع الإسباني الهش، يمكن أن تفهموا لماذا كان على دي خيا أن يتدخل أكثر من مرة من أجل إنقاذ مرماه.
 
◄وعلاوة على انتشار المُنتخب الإيطالي الرائع وتحرك الفريق ككتلة واحدة، فإن طريقة خروج الآتزوري من منطاقه بالكرة جعلت أظهرة ديل بوسكي في حيرة من أمرهم: انطلاقات لاعبي إيطاليا عبر الأروقة فور استرجاع الكرة جعلت أظهرة ديل بوسكي تائهين ما بين التقدم لإعطاء الإضافة الهجومية الضرورية من أجل خلخلة شيء من التوازن الدفاعي لإيطاليا، أو التراجع تحسبًا لانطلاقات الآتزوري الخطيرة، وتوهانهم ذاك كان من بين الأسباب التي جعلت إسبانيا هشة دفاعيًا، ولولا التألق الكبير لدي خيا لكانت المُباراة قد انتهت منذ الشوط الأول.
 
◄في نفس الوقت، ما اقترحه المُنتخب الإيطالي اليوم كان مزيجًا ما بين قدراته الدفاعية التاريخية وتطوره في السنوات الأخيرة ليلعب كرة حديثة ظهرت بارزة على طريقة انتقال الفريق السلسة من الحالة الدفاعية للهجومية...إيطاليا لا تحتاج لمهارات فردية خارقة بقدر حاجتها للاعبين يتمتعون بمرونة تكتيكية كبيرة وقوة بدنية تمكنهم من الضغط على حامل الكرة طيلة الـ90 دقيقة. فقد شاهدنا مثلًا كيف كان جياكيريني وبارولو يركضان باستمرار وراء خصومهما في وسط الميدان، لكن ما إن يستعيدوا الكرة حتى تراهم في مناطق متقدمة من ملعب الخصم.
 
◄لكن المُشكلة الحقيقية كانت فعلًا في الصمود لـ90 دقيقة بذلك النسق، فمع مرور أول ساعة من المُباراة، لاحظنا أن نجاعة اللاعبين في إيقاف تحركات الخصم لم تعد كما كانت، وهو أمر حصل أمام بلجيكا أيضًا وتعامل معه الإيطاليون بذكاء كبير، وتكرر اليوم كذلك...الخوف على إيطاليا فيما تبقى من البطولة هو الانهيار البدني، لأن السخاء البدني الذي ظهروا به اليوم سيكون له ضريبة في المقابلات القادمة بلا شك. 
 
إسبانيا | من لا يتطور يتراجع...حان وقت التغيير
ما قدمته إسبانيا في الشوط الأول لا يليق أبدًا بفريق يُدافع عن لقبه، وهنا لن ألوم ديل بوسكي بالضرورة، فهناك من أهم منه وهم اللاعبون الذين خسروا معركتهم بشكل واضح أمام لاعبي المُنتخب الإيطالي، خاصة أثناء الصراعات الثنائية التي آلت كلها لصالح الإيطاليين. فمن أجل التفوق في مباراة مثل هذه، تحتاج أول لمعادلة حدة خصمك على أرضية الميدان قبل أن تبدأ في استغلال ما تملكه من مهارات فردية أو جمل تكتيكية، أما إن خسرت معركة الرغبة في الركض وراء الكرة، فحتمًا ستسخر كل الصراعات الأخرى.
 
◄لكن ذلك لا يُبرئ ديل بوسكي الذي تحمل بدوره جزءً من المسؤولية في الصورة التي ظهرت بها إسبانيا، فخياراته في خط الوسط تبقي غير مقنعة بالنسبة لي، خاصة بتواجد لاعب مثل فابريجاس الذي بدا تائهًا منذ بداية البطولة...لاعب تشيلسي من اللاعبين السيئين في استلام الكرة تحت الضغط، وكذلك كان نوليتو الذي كان أسوأ لاعبي إسبانيا اليوم بالإضافة إلى قلبي الدفاع. نوليتو أظهر سوءً تكتيكيًا فاضحًا في تحركاته، فهو كان دائما التحرك لمكان تواجد موراتا، وهو ما كان يخفف كثيرًا من العبء على دفاع إيطاليا ويتفادى تشتيتهم.
 
◄إسبانيا كانت بحاجة لأمرين اثنين من أجل التغلب على ضغط الإيطاليين: أولًا، تواجد لاعبين قادرين على الاستلام والتسليم بشكل سليم تحت الضغط، ولربما وضع إنييستا وسيلفا (أو ألكانتار) أمام بوسكيتس كان ليفي بالغرض، وكان بحاجة للاعبين قادرين على خلف الفارق في الأروقة، والتي كانت الملاذ الوحيد أمام ديل بوسكي أمام استحالة إيجاد مساحات في العمق وقلة ما قدمه ألبا وخوانفران في هذا الشق.
 
◄التحول لخطة 4-2-3-1 أو 4-4-2 الجوهرة كان من بين الخيارات المتاحة والتي لم يلجأ لها ديل بوسكي لسبب ما، رغم أنه في وقت من الأوقات أشرك موراتا وأدوريز معًا في خط الهجوم...تواجد منظومة حقيقية على الأروقة كانت لتكون ذات وقع إيجابي لا على الجانب الدفاعي ولا على الجانب الهجومي، والتحرك السريع من جهة لأخرى كان من بين المعطيات المتاحة لتذويب الكتلة الدفاعية لكونتي.
 
◄من السلبيات التي أدّت لعدم تمكن إسبانيا من خلق فرص كثيرة على مرمى بوفون (4 فرص طيلة الـ90 دقيقة) كانت بطء التحضير، وهو أمر يُسهل كثيرًا من مهام الفرق التي تدافع ككتلة واحدة كحال إيطاليا وأتلتيكو مدريد مثلًا....إسبانيا لم تتمكن من خلق الخطورة على خصمها سوى عندما تحرك اللاعبون في ظهر المدافعين وتم تسريع نسق الهجمة بتمريرات إيجابية إلى الأمام.
 
◄دفاعيًا، إسبانيا كانت سيئة جدًا، وهو أمر ليس بالجديد...فما كان يغطي على سوء إسبانيا الدفاعي في سنوات مجدها هو الاستحواذ الكامل الذين كانوا يفرضونه على خصومهم، لكن إسبانيا دائمًا ما انهارت في المُباريات التي عجزت فيها عن فرض شخصيتها، ولكم في مباراة تشيلي في مونديال 2014 مثال جيد.
 
◄الآن، هل انتهت الحقبة الذهبية لإسبانيا؟ الإجابة نعم في رأيي. أعتقد أن إسبانيا وقعت في مشكلة تكرار نفسها، لدرجة أن الخصوم أصبحوا يعرفون كيفية التعامل معها بشكل مثالي. هناك مثل يقول «إن لم تتطور، فأنت حتمًا تتراجع»، وإسبانيا تمسكت بفكرة واحدة دون أن تطوّرها، والنتيجة ما حصل في المونديال أو اليورو. التيكي تاكا لم تعد وحيدة كفيلة على قيادتك للمجد، ولك أن تسأل لويس إنريكي الذي منذ وصوله للبرسا وهو يحاول تطعيم برشلونة بأفكار جديدة تمكنه من اكتساب أسلحة إضافية.
 

إغلاق