دوري السوبر الأوروبي .. وماتت كرة القدم التي نعرفها!

آخر تحديث

 

"المدينة تختفي، الروتين ينسى، ولا يبقى شيء سوى المعبد. وفي هذا الحيّز المقدس، تعرض ألوهيتها الديانة الوحيدة التي لا وجود لملحدين بين معتنقيها.

ومع أنّ المشجع يستطيع مشاهدة المعجزة براحة أكبر على شاشة التلفزيون، إلا، أنّه يفضّل أن يحجّ إلى هذا المكان؛ حيث يمكنه أن يرى ملائكته بلحمهم وعظمهم، وهم يتبادلون الركل ضد شياطين هذه النوبة.

المشجّع هنا يلوّح بالمناديل، يبتلع لعاباً، غلوب، يبتلع سماً، يأكل قبعته، يهمس بصلوات ولعنات، ثم يمزّق حنجرته فجأة بهاتف مدوّ، ويقفز مثل برغوث، معانقاً المجهول الذي يصرخ معلناً الهدف بجانبه، وعلى امتداد الصلاة الوثنية، يكون المشجع كثيرين، فهو يشاطر آلاف الورعين من أمثاله القناعة بأنّنا الأفضل، وبأنّ جميع الحكام مرتشون، وجميع الخصوم مخادعون".

هكذا وصف إدواردو جاليانو مشجع كرة القدم الذي يلاحق كرة مصنوعة من الجلد يركض خلفها اللاعبون يركضونها هنا وهناك بهدف المتعة قبل أي شيء، ثم تحولت الكرة لاحتراف فأصبحت مهنة براتب ظل يرتفع ويرتفع حتى عانق السماء، ومع الوقت تغيرت المعايير خطوة بخطوة حتى قتل المال الشغف، وأصبحت الجماهير مجرد رقم يدخل خزانة النادي!

دوري السوبر الأوروبي، البطولة التي أعلن عنها 12 ناديًا قرروا الثورة على الحكم المؤسسي لكرة القدم وإسقاط الاتحادات والتفرد بإنشاء بطولة خاصة بيهم ولا أحد آخر له السلطة أو الحكم على عوائدها.

هل ترى الفكرة جيدة وتنتظر حدوثها على أمل مشاهدة مباريات بين الكبار فقط؟ انتظر لحظة فطالما تحول الأمر لاستثمار فلا أحد يهتم بشغفك!

ما هي بطولة دوري السوبر الأوروبي؟ وما هي الأندية المشاركة فيها؟

نهاية كرة القدم التي نعرفها

Kroenke Woodward Super League 2021

في أول تصريح للسير أليكس فيرجسون حول دوري السوبر الأوروبي قال إنّها ستنهي 70 عامًا من اللعبة التي نعرفها. المدرب الأسطوري لمانشستر يونايتد رفض حتى موقف ناديه من تأييد مثل هذه الأطروحة.

ما يحدث في دوري السوبر الأوروبي سيكون انقسامًا كبيرًا بين الأندية، فواحدة ستصبح "أندية الصفوة" والأخرى "أندية فقيرة" وكحال الرأسمالية، تتفحش ثروة الأغنياء ويسقط الفقراء في فخ عميق!

فكرة السوبر الأوروبي وحدها ليست السبب ولكن أيضًا انطلاق البطولة في ظل صراع بين الاتحادات وصل إلى تهديد يويفا بحرمان الأندية واللاعبين من المشاركة في البطولات القارية والمحلية وكذلك كأس العالم وأمم أوروبا، وأندية قررت السير وراء مصالحها الاقتصادية حتى لو انتهى المطاف بالمنافسة فقط على البطولة الجديد.

الحرب التي تواجدت على حفنة الدولارات تجعل من قوانين وأعراف وأنماط كرة القدم المعتادة أمور من الماضي، والمستقبل لا ينتظر سوى شيء واحد فقط، من يدفع أكثر.

من الضحية؟

Liverpool fans Barcelona 2019

لا يمكن اعتبار الأندية أو الاتحادات ضحايا في هذا الموقف.

النادي يبحث عن أفضل وضع اقتصادي له، برشلونة يحاول الخروج من أزمة الديون، مانشستر سيتي يبحث عن تعويض المبالغ الضخمة التي صرفها السنوات الماضية على بناء فريق قوي، وريال مدريد لا يريد من يملي عليه طلباته المالية.

الاتحادات هي الأخرى لا ترفض السوبر الأوروبي لأجل راحة الجماهير، ولكن بهدف حكم السيطرة على كرة القدم والاستمرار في سدة السلطة والاستفادة المالية الضخمة من عوائد البطولات المختلفة.

إذًا هو صراع بين من يقود العربة، من يضع الخطة وينفذها، من يربح أكثر من الآخر، من يمتلك السلطة الحقيقية في اللعبة، الأندية التي يتابع الجمهور المباريات بسببها أم الاتحادات التي تسن القوانين وتضع المعايير؟

الضحية هنا هو المشجع، المتابع الذي سيجد فريقه يلعب عدد مباريات أقل في الموسم الواحد وربما يحتاج لصرف مبالغ ضخمة فقط لمشاهدة اللقاء، المشجع الذي ينتظر فريقه يقاتل لأن سقوطه قد يحرمه من المشاركة الأوروبية فيجد فريقه لا يبالي لأنه يضمن اللعب في البطولة ويضمن الحصول على أرباح قد تتجاوز 300 مليون يورو حتى لو فشل في الفوز بأي مباراة!

المتابع المحايد حتى هو الضحية، فتاريخ كرة القدم حافل بالقصص الرومانسية التي طالما أحبها الجمهور؛ فوز ليستر سيتي بالدوري الإنجليزي 2016، تحقيق اليونان للقب أمم أوروبا في 2004، فوز بورتو بدوري الأبطال في 2004 بالتغلب على موناكو.

المتابع يحتفل بوصول روما إلى نصف نهائي الأبطال أو إقصاء أياكس لفرق ريال مدريد ويوفنتوس أو تفوق ليون على يوفنتوس ومانشستر سيتي أو فوز بوروسيا دورتموند على ريال مدريد بالأربعة، أو إبداعات فالنسيا الأوروبية مطلع القرن الحالي أو تفوق ديبورتيفو لاكورونيا على ميلان، كلها سيناريوهات تفوقت فيها فرق الـ underdog على الفرق التي تعتبر نفسها من الصفوة.

ولا تميلوا كل الميل

Florentino Perez Andre Agnelli Glazer

أعرف أنّ البعض قد يخرج ويقول إن كرة القدم أصبحت بالفعل لعبة استثمارية والمال هو الحاكم منذ سنوات ولذلك ليس من الغريب أن نجد كل الأندية المشاركة في السوبر ليج مملوكة (عدا برشلونة وريال مدريد) ولكن القاعدة تقول ولا تميلوا كل الميل.

نحن هنا بصدد خلق فجوة بين أندية كرة القدم، 12 فريق ينضم لهم 3 أعضاء دائمين و5 يتغيرون مع الوقت في صراع مع كل أندية كرة القدم الأخرى بلا استثناء، والأمر أصبح كما قال فرانك أندروود أن تكون داخل اللعبة أو خارجها ولا طريق وسط.

الوضع الآن يتطور بشكل أكبر وأسرع والهدف واحد، الكرة للجماهير أمر من الماضي، الأموال فقط هي من تحكم، لا تنتظر القتال في كل الجبهات والمشاركة في 60 مباراة يتابعها المشاهد بشغف ورغبة في الفوز، ولكن تابع فقط ما تتابع وحتى لو خرج فريقك دون أي انتصار فلا يزال يحصد الأموال.

جمهور آرسنال على سبيل المثال مستاء من وضع الفريق الرياضي لكن الإدارة سعيد بالوضع المالي. حسنٌ، الوضع الآن سيصبح أسوأ لأن الخزانة ستفيض بالأموال بينما شكل الفريق في الملعب لن يتغير بل بالعكس قد يتعرض للمزيد والمزيد من الهزائم.

من الوارد أن نتقبل حدوث بطولة دوري السوبر الأوروبي ونضطر للتعايش معها كما نفعل مع باقي الأمور الأخرى، ولكن لا يوجد ما يدفعنا لتأييد فكرة أقيمت بهدف تجاهل عوامل الشغف والحب والرغبة في المتابعة والانفعال لأجل النادي، بل بهدف تحصيل الأموال والأموال فقط!

دعونا نحلم بعالم مثالي حتى لو فشلنا في العيش فيه!