حكايات أفريقيا | عندما غاب نجوم نيجيريا بسبب مانديلا

التعليقات()
Photo by Lutz Bongarts/Bongarts/Getty Images
السياسة والرياضة يتصادمان في 1996

هيثم محمد    فيسبوك      تويتر

لنعد بعجلة الزمن إلى تسعينيات القرن الماضي، وقتها سياسياً كان الحديث كله يتمحور حول نيلسون مانديلا، الجنوب أفريقي الشجاع الذي تصدى للتفرقة العنصرية وأعاد المساواة في البلاد بعد سنوات من المقاومة حتى تبوء الرئاسة، أما على الصعيد الرياضي فكانت نيجيريا في غرب القارة تتخطى كل الحدود وتبهر العالم بعد تتويجها بكأس الأمم ثم التألق في الأراضي الأمريكية في المونديال بقيادة جيل من النجوم.

العام 1996 كان شاهداً على تصادم عالما السياسة والكرة عبر مانديلا والمنتخب النيجيري، مواجهة غريبة وغير متوازنة تسببت في غياب بطل أفريقيا عن النسخة التي سيدافع بها عن لقبه في جنوب أفريقيا، فما هي القصة؟

مع وصول مانديلا لرئاسة البلاد، أراد إعادة بلاده للواجهة القارية والدولية كبلد يبحث عن اللحاق بركب التطوروالتحرر بعد عثرات الماضي، ورؤيته كانت تمتد لتشمل كل دول القارة السمراء وليس فقط جنوب أفريقيا.

وكان مانديلا يرى أن الرياضة رسالة مهمة لتوحيد الشعوب، فسعى لاستضافة البلاد للفعاليات الرياضية الكبرى، فاستضاف كأس العالم للرجبي 1995 والتي تُوج بها أصحاب الأرض، ثم جاء الدور على كرة القدم وأمم أفريقيا في العام التالي.

البطولة كانت تحدي كبير، إذ ستكون المناسبة الأولى التي ستتوسع ويشارك بها 16 فريقاً، كما أنها تقام في بلاد تفضل ألعاب أخرى مثل الرجبي والكريكيت، ولكن مانديلا راهن على شعبية كرة القدم في أوساط المواطنين الأصليين لبلاده المتمثلة في مساندة الأندية الكبرى مثل كايزر تشيفز وأورلاندو بايرتس.

Orlando Pirates fans with Nelson Mandela poster

عدة فرق كبرى كان منتظر تواجدها في الأراضي الجنوب أفريقيا، وعلى رأسها نجوم نيجيريا أبطال القارة، ولكن توتر العلاقات بين البلدين في الأشهر القليلة قبل البطولة أدى لانسحاب مفاجيء للنسور الخضراء.

في نوفمبر 1995 أعدم الرئيس النيجيري الجنرال ساني أباشا ثمانية من المعارضين له بسبب احتجاجات على سياساته المتعلقة ببيع ثروات البلاد من البترول، قرار أثار غضب زعماء القارة والعالم، وخصيصاً مانديلا، الذي طالب بمقاطعة شراء الذهب النفط من نيجيريا احتجاجاً على عملية الإعدام.

احتجاجات مانديلا أعتبرها أباشا تدخلاً في شؤون بلاده، ورد على التهديدات بمقاطعة صادرته النفطية بأمر منتخب بلاده بالانسحاب من أمم أفريقيا في جنوب أفريقيا، قرار فاجيء حتى لاعبي ومسؤولي الفريق، وأدى لثورة كبيرة من جماهير البلاد التي تريد رؤيتهم يحققون إنجازاً كروياً جديداً.

Sani Abacha Nigeria

                                                                                                                                                            الجنرال ساني أباشا، رئيس نيجيريا

أصر أباشا على موقفه وفسره بأنه يخشى على نجومه من التواجد في بلاد مانديلا، وأقنع لاعبيه برفض المشاركة ومساندة قراره بعد رفضهم في البداية الانصياع لأوامره وانتقاده علناً في وسائل الإعلام، وانسحتب نيجيرياً فعلاً قبل أيام فقط من انطلاق المسابقة رغم تهديدات الاتحاد الأفريقي بالإيقاف لست سنوات، وتوسل المسؤولين والرعاة لأباشا ليتراجع عن قراره، ولكن دون جدوى.

بدأت البطولة بمشاركة 15 فريقاً فقط بعدما رفضت غينيا أن تحل محل نيجيريا بحجة عدم وجود وقت كافي للاستعداد، ولكن وسائل الإعلام ذكرت أن السبب الحقيقي هو ضغط أباشا عليها للرفض وتهديدها بعقوبات سياسية واقتصادية، مما زاد من الانتقادات بحق الرئيس النيجيري.

تأثرت المجموعة الثالثة للبطولة بانسحاب نيجيريا، ولُعبت بثلاثة فرق فقط هي الجابون، زائير، وليبيريا، وتأهل الثنائي الأول رغم تساوي الجميع بثلاث نقاط لفارق الأهداف، وخسرت البطولة النجم الليبيري جورج وياه، أفضل لاعبي العالم في 1995، والذي كان انتقد قرار أبطال القارة من مقاطعة البطولة وتأثيره السلبي على صورتها.

غياب نيجيريا رغم أنه جذب الأنظار في البدايات، ولكن تألق أصحاب الأرض وتتويجهم باللقب للمرة الأولى تاريخياً، وذلك بعد فوزهم ببطولة الرجبي أيضاً قبلها بعام، جذب الأنظار وأصبح هو حديث العالم، لينتصر لمانديلا ونظرته بأن الرياضة هي الرسالة الأقوى عالمياً لتوحيد الشعوب والنهوض بالأمم.

South African President Nelson Mandela (R) celebrates with the national squad captain Neil Tovey

نيلسون مانديلا مع نيل توفي، مدرب جنوب أفريقيا عقب التتويج باللقب

المنتخب النيجيري عاد بعدها بشهور ليتصدر المشهد كروياً بعدما أبهر العالم مجدداً وحصد الميدالية الذهبية بكرة القدم في أوليمبياد أتلانتا، فائزاً على البرازيل والأرجنتين في طريقه، ليرد لنفسه الاعتبار، ولو رياضياً، وينصف جيل ذهبي للبلاد هو من أفضل ما قدمته القارة السمراء طوال السنين.

إغلاق