بالإسباني | شيخ الليجا يرفض ميسي ويُعانق خصمه اللدود!

التعليقات()
Basque Derby
أسرار مباراة مختلفة عمّا يتصوره الجميع!

على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وفي ذلك الدوري الإسباني ما يستحق الاهتمام غير ريال مدريد وبرشلونة! نعم، هناك حكايات تحدث هناك، في أعماق إسبانيا، حيث لا يجرأ البعض على الوصول، خوفًا من إهدار وقته في أشياءٍ قد لا تخدم عدد النقرات الذي يبحث عنه في موقعه أو عدد من يقتنون صحيفته، أو ربما جهلًا بها، لأن الأضواء اليوم يُسلّط جلها على القطبين دون غيرهما.

ومن منطلق "يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر"، حزمت حقائبي وعقدت العزم على التوجه إلى أقصى شمال إسبانيا، إلى بلاد الباسك التي سمعت عنها الكثير، وذلك قبيل أيام قليلة من أهم مباراة في المنطقة، تلك التي تجمع شيخ الليجا أتلتيك بلباو بخصمه وجاره اللدود ريال سوسيداد، بحثًا عن الغوص في أعماقه، وربما الخروج ببعض الأسرار التي تميز تلك المنطقة عن غيرها في إسبانيا.

وفور حط الرحال في مطار بلباو، تعرف أنك مقبل على شيء مختلف تمامًا عن كل ما شاهدته في بقية المناطق الإسبانية، وتفهم لماذا يوصف الباسك بألمان إسبانيا، فهم فعلًا ملتزمون بالمواقيت بشكل يُثير الدهشة، يعشقون النظام واحترام القوانين، ويهتمون بأدق التفاصيل، وهي أشياءٌ لم يتطبع بها جل أشقائهم في بقية المناطق الإسبانية، ليس ذمًا لهم، بل لأنهم يفضلون نمط عيش أقل نظامًا وأكثر صخبًا.

لم أتأخر كثيرًا في التوجه نحو المدينة الرياضية لأتلتيك بلباو المتواجدة على بعد كيلومترات قليلة من المدينة، وبالضبط في منطقة ليزاما، حيث صادفت يومًا مُشمسًا نادرًا من شهر أكتوبر، وما إن أخذت أتوغل في منشئات النادي حتى وجدت نفسي أمام حُفنة من المسنين الذين جاؤوا من أجل متابعة مران الفريق وإعطائه دُفعة معنوية قبل الديربي! الحفنة بها رجال ونساء نال منهم الدهر، لكنهم يتنفسون جميعًا حُبّ الأتلتيك وسيبقون كذلك حتى بعد رحيلهم إلى دار البقاء.

أحدهم صرخ وقال عندما سألته عن مدة تشجيعه للأتلتيك "منذ الأبد وإلى الأبد، عندما سأرحل، سأًشجعهم من السماء"، أما سيدة مسنة أخرى فحبها تخطى النادي ليتحول للاعبين "اللاعبون هنا مثل أصدقائي المقربين، لكن أنت تعرف، الرجل هنا يغارون كثيرًا، وزوجي لا يسمح لي حتى بتقبيل اللاعبين. ماذا أفعل؟ علي أن أتمالك نفسي قليلًا".

Basque Derby 4

جلست إلى جانب أحدهم، وقد كان شخصًا مقعدًا يرفع لوحة كُتب عليها "دي ماركوس، امنحني قميصك من فضلك"، وبعد بضعة ثوانٍ، علمت أنني أجلس إلى جانب خبير كرة قدم، فقد كان يحلل وضع الأتلتيك بحرفية كبيرة ويتحدث عن كيفية تطور كرة القدم وسياسة التعاقد مع الأجانب التي استفاد منها كبار إسبانيا ولم تخدم مصالح فريقه، لكنه قال جملة رددها بعد ذلك جل مسيري النادي "نحن هنا لا نعتمد سوى على أبناء منطقة الباسك، ولن نتخلى ذلك حتى وإن كلّفنا النزول للدرجة الثانية"...لكنهم يقولون ذلك ليُخبروك بعدها بأنهم واحد من بين 5 فرق فقط في أوروبا لم يهبطوا للدرجة الثانية قط!

بعد حديث من هنا وآخر من هناك، ثم زيارة لمرافق النادي التي تُظهر عناية فائقة بتكوين اللاعبين الناشئين، كان لي حديث مع المدير الرياضي "خوسيه ماريا آموروتو"، الذي شرح لي ولمجموعة من الصحفيين  الذين قدموا من مختلف أقطاب العالم سياسة النادي التي تعتمد على تكوين اللاعبين ثم التنقيب على أميز المواهب في مطنقة بيسكايا وبقية مناطق الباسك، قبل أن يسأله صحفي نيجيري "لو جاءت للأتلتيك فرصة التعاقد مع موهبة كبيرة جدًا، مع لاعب يملك موهبة ميسي أو حتى ميسي نفسه، لكنه ليس لاعبًا من الباسك، ماذا ستفعل؟"، آمورتو لم يتردد وأجاب "سأقول له شكرًا، أنت موهوب، لكن لا يُمكنك اللعب في الأتلتيك".

Basque Derby 6

قد يظهر للبعض أن في ذلك تحجرًا وانغلاقًا وربما حتى تقهقرًا في زمن ينفتح فيها العالم على بعضه، لكن الأتلتيك يرى في ذلك تقديرًا لمنطقته ومواهبها، وإيمانًا منه بأن منطقة الباسك تملك ما يكفي من المواهب لتلبية حاجياته كفريق في الدرجة الأولى الإسبانية. ربما لن نشاهد ميسي في الأتلتيك، لكن أغلى حارس في تاريخ كرة القدم باسكي كوّن في الأتلتيك، ولاعبون كبار في أندية كبيرة كُوّنوا ولعبوا في أتلتيك بلباو، ما يجعلهم أكثر إيمانًا بفلسفتهم.

بعد أخذ جرعة من قيم الانتماء والعمل الجاد، توجهت في اليوم الموالي لسان سيباستيان، حيث يتواجد الطرف الآخر من الديربي على بعد 90 كيلومترًا من بلباو، لأُفاجئ بأن قيم الناديين تكاد تكون متطابقة. نعم، ريال سوسيداد يتعاقد مع لاعبين من خارج منطقة الباسك، لكن الحقيقة اليوم تقول أن 16 من أصل 23 لاعبًا في فريقه الأول كوّنوا في مدرسته التي تعمل بفلسفة مُشابهة كثيرًا لفلسفة الأتلتيك المتمثلة في الاعتماد أولًا وأخيرًا على مواهب المنطقة.

قد لا يملك ريال سوسيداد نفس موارد أتلتيك بلباو المادية ولا نفس تاريخه، لكن منتوج مدرسته لا يقل جودة ولا باعًا، فـ30% من لاعبي بلباو اليوم كُوّنوا في مدرسة غريمه، وأسماء كثيرة يعرفها الجميع تخرجت من هناك، ولعل أقرب أمثله يفخرون بها هناك كثيرًا تبقى تشابي ألونسو، أنطوان جريزمان ومؤخرًا ميكيل أويارزبال.

المدير الرياضي لريال سوسيداد "روبيرتو أولابي" تحدث بنبرة غير مختلفة عن تلك التي تحدث بها زميله في بلباو، بل وبدا فخورًا بازدهار الكرة في منطقة الباسك التي تملك أربعة فرق في الدرجة الأولى الإسبانية، لكنه اعترف بالمقابل أن الأمر يعقد أكثر من مهمة فريقه في اصطياد المواهب وجلبها لمدرسته.

Basque Derby 2

أولابي لم ينتقد ولو بكلمة واحدة غريمه التقليدي بلباو، بل بدا فخورًا بالأجواء التي تسود في الديربي الباسكي "ستشاهد الديربي الوحيد في العالم الذي يجلس فيه جماهير الفريقين جنبًا إلى جنب دون أن تحدث أية مشاكل، وهو أيضًا الديربي الأول الذي لا يحتاج فيه رجال الأمن لتسخير أية قوى إضافية مقارنة بالمباريات الأخرى العادية"، وهو أمر يعود في رأيي الشخصي لطبيعة سكان إقليم الباسكيين أكثر من أي شيء آخر، ثم لثقافة الناديين.

الديربي الباسكي قد يكون الديربي الأكثر أخوة وتسامحًا في عالم كرة القدم، خاصة بين فريقين بحجم أتلتيك بلباو وريال سوسيداد اللذين سبق لهما وأن جربا طعم الألقاب أكثر من مرة، والأكيد أن المباراة ستحمل معها قصصًا كثيرة غير مألوفة.

 

 

إغلاق