وجهة نظر | هوس "رونالدو × ميسي" .. الفصل الأخير

التعليقات()
Getty

بقلم | محمد العمصي  | تويتر



لا يختلف اثنان على أن المقارنة بين كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي قد أصبحت متتالية مملة منذ سنوات، وهوساً لا زال يسيطر على الجمهور الكروي، ليس فقط في منطقتنا العربية بل في جميع أنحاء العالم.

لـ "البرغوث" الأرجنتيني أنصاره ومريدوه وفاز بما لذ وطاب من البطولات الجماعية مع برشلونة، والفردية كذلك فهو أفضل لاعب في العالم لخمس مرات، ولكن تبقى المرارة بأنه لم يذق طعم الفوز على مستوى منتخب بلاده الأرجنتين. كذلك "الدون" البرتغالي، لديه أنصاره ومريدوه، ولا يشعر بالغيرة من مجد ميسي وألقابه، فهو كذلك أفضل لاعب في العالم لخمس مرات وفاز بكل شيء مع مانشستر يونايتد وريال مدريد، بل يزيد عن ميسي بأن حققاً لقباً مع منتخبه البرتغال في كأس الأمم الأوروبية الماضية.

تقريباً، لم تبقَ مقارنة إلا وقد تم عقدها بين النجمين مدعمة بالأرقام والإحصائيات ووجهات النظر التحليلية، ابتداءً من القدرات البدنية والفنية، مروراً بالعقلية القيادية والانتصارية، واستمراراً دائماً بالإحصائيات الصرفة من حيث عدد الأهداف المسجلة وصناعة الأهداف وإحراز الألقاب، حتى إن هناك موقعاً إلكترونياً يعمل على مدار الساعة هدفه الوحيد هو عقد مقارنة إحصائية مفصلة بين ميسي ورونالدو، ويتم تحديثه فورياً كلما أودع رونالدو الكرة في الشباك وكلما صنع ميسي هدفاً!

إذن، تتعدد فئات المقارنة بين الرجلين، ومع بداية كل بطولة دولية للمنتخبات تتصدر فئة خاصة جدول المقارنة وهي مقارنة قدرة كل من النجمين على حمل منتخب بلاده وقيادته للانتصارات.

خلال أقل من 24 ساعة لعبت البرتغال مباراتها الأولى في كأس العالم في روسيا ضد إسبانيا وأنهت الأرجنتين مباراتها الأولى ضد آيسلندا لتؤجج نتيجة المباراتين وأداء النجمين فوراً النقاش المحتدم وجداول الحساب للمقارنة بينهما في فئة "قيادة المنتخب الوطني"

نجح رونالدو وأبهر وسجل ثلاثية في مرمى إسبانيا القوية، وأخفق ميسي وأضاع ركلة جزاء لتتعادل الأرجنتين مع آيسلندا الضعيفة على الورق والشرسة كل الشراسة على أرضية الملعب. ولكن هل هذا كل شيء؟ وما هو المعيار الفعلي للمقارنة بين رونالدو وميسي في هذه الفئة من المقارنة؟ وهل هناك معايير علمية واضحة لها؟

في مدخل لمحاولة فهم الاختلافات بين الحالتين من دون التقليل من أحد اللاعبين، يمكنني أن أعزو ما يجعل تألق رونالدو ممكناً مع البرتغال وإخفاق ميسي مع الأرجنتين، إلى اختلافين جوهريين أساسين بين المنتخبين البرتغالي والمنتخب الأرجنتيني، وليس بين رونالدو وميسي، فكلاهما لاعبان أسطوريان أثبتا قدرتهما على قيادة أنديتهما إلى الألقاب رغم الاختلاف الجذري بينهما في أسلوب اللعب ونقاط القوى والضعف. فلنستعرض هذه الاختلافات وأثرها على أداء اللاعبين.


 الإرث الكروي الثقيل وهوية المرشح


Lionel Messi Argentina Islandia Iceland World Cup 16062018

يعد المنتخب الأرجنتيني مرشحاً دائماً للفوز في أي بطولة يشارك فيها، الإرث الكروي للأرجنتين غني عن التعريف والفوز مطلب لا مساومة فيه للجماهير الأرجنتينية. وما يزيد الضغط على ميسي وعلى كل نجم صاعد هو غياب الأرجنتين عن منصات التتويج منذ عام 1993 عندما فازت ببطولة كوبا أميركا، بينما تعود آخر بطولة في كأس العالم إلى عام 1986 تحت قيادة أسطورية شبه فردية لدييغو أرماندو مارادونا. تلك القيادة والإلهام التي سُحق تحت وطأتها نجومٌ أرجنتينيون عظام على مدار ثلاثة عقود تلت نجاح أرجنتين مارادونا، ولا يبدو ميسي أفضل حالاً منهم، بل إن الضغوط التي يواجهها أسوء ممن سبقوه، فهو ميسي الذي أصبح قامةً موازيةً لمارادونا، ينقصها إحراز كأس العالم، ويعيش أيامه مع منتخب الأرجنتين على واقع هاجسٍ دائمٍ أن عليه أن يثبت شيئاً ما.

في المقابل، لا يعاني كريستيانو رونالدو من هذه الضغوطات والتوقعات المستحيلة، ولا يعيش في ظل أحد ولا تتم مقارنته بغيره في بلاده، فهو قد تجاوز بالفعل أسطورة البرتغال الأولى إيزيبيو وحطم جميع أرقامه، بل وفاز مع البرتغال ببطولة لم يحققها إيزيبيو، فلا يشعر رونالدو بأنه بحاجة لأن يثبت أي شيء! ولا آتي بجديدٍ عندما أؤكد أن إرث البرتغال الكروي فقير للغاية مقارنة بالأرجنتين.

وكما يقال: "بضدها تعرف الأشياء" فلو كان ميسي برتغالياً فهو بالفعل يتفوق وبسهولة على نقطة القياس المعيارية هناك (إيزيبيو) وإن حقق بطولةً فهو يضفي عظمةً على عظمته كما فعل رونالدو، وإن لم يفعل فلا لوم عليه، أيضاً كحال رونالدو! فالبرتغال منتخبٌ متوسطٌ ومحدود الإمكانيات. أما إن كان رونالدو أرجنتينياً فاتركوا لخيالكم المجال برؤية كريستيانو يعاني النقد اللاذع ويكابد الضغوطات ويصطدم بنار المقارنة المزمنة بتمثال لا يمس اسمه مارادونا!

وبالعودة إلى معادلة ميسي الأساسية وعقدة مارادونا ونهم الأرجنتين للبطولات، فلو لم يكن هناك شبح مارادونا وإرث الأرجنتين، فميسي قدم تاريخاً حافلاً بالفعل، فهو الهداف التاريخي للتانغو وثالث أكثر من مثل الأرجنتين، وكان هو من يحمل المنتخب على أكتافه في السنوات الأخيرة حتى في كأس العالم 2014 حمل ال

أرجنتين حتى الرمق الأخير وخسر من ألمانيا في المباراة النهائية! لا أفضل كثيراً الافتراضات، فلننتقل للنقطة الثانية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأولى، ركّز!


النهج التكتيكي


Cristiano Ronaldo Portugal Spain 2018

ينما يزخر الجيل الحالي للأرجنتين –كعادة الأرجنتين-بمواهب هجومية وفنية لا يشق لها غبار، تعاني البرتغال في آخر خمس عشرة سنة من شح حقيقي بالنجوم، فمن بعد جيل لويس فيجو وروي كوستا ونونو جوميش وديكو وباوليستا وكوتو ومانيش وبايا وغيرهم يكاد الجيل الحالي يخلو من نجم حقيقي عدا رونالدو!

اعتادت البرتغال دائماً على تقديم كرة هجومية جميلة والمنافسة عبر الهجوم وفرض أسلوبها على الخصم، أما الآن تأقلم الجيل الحالي بطريقة واقعية ومفهومة على قبول اللعب والدفاع وانتظار الفرصة الملائمة للهجوم وإيصال الكرة لمن يستطيع وضعها في المرمى: رونالدو بالطبع. أصبحت صبغةً واضحةً في هوية المنتخب البرتغالي الحالي، رافقه انخفاض طبيعي في توقعات الجماهير وبالتالي ضغوط أقل، ورافقه بشكل طبيعي كذلك انخفاض تقييم الخصوم لخطورة البرتغال وبالتالي رقابة أقل ومساحات أكثر، تسمح بشن المرتدات وصناعة الفرص التي قد يستفيد منها رونالدو وزملاؤه.  ورأينا كيف أنجزت هذه المعادلة فوز البرتغال بأمم أوروبا 2016 بشكل غير متوقع وبأداء باهت: تأهلت من دور المجموعات كأفضل ثالث مسجلة أربعة أهداف ومستقبلة مثلها، وكان إسهام رونالدو الأبرز في البطولة تسجيل هاتريك في التعادل ضد آيسلندا وهدف في نصف النهائي ضد ويلز.

فلنلق نظرة على الأرجنتين: تخمة في المواهب ونجوم لا يجد كثيرون مكاناً لهم في المنتخب بسبب هذا الاكتظاظ. تنعكس هذه الثروة الفنية على أداء المنتخب الذي يضطر أي فريق يواجهه إلى الاصطفاف في الخلف للدفاع وتضييق المساحات تماماً لمنع الأرجنتين القوية من التسجيل، والاعتماد الكلي على القوة البدنية للحد من خطورة الأرجنتينيين. لا تبدو هذه مشكلة حقيقية، فمثلاً، جميع الفرق تقريباً تدافع وتغلق المساحات أمام إسبانيا التي تلعب كرة هجومية متطرفة، وتنجح إسبانيا بأفكار واضحة ومنظومة سلسلة من اختراق أعتى الدفاعات والتسجيل وفازت بكأس العالم بكل جدارة في 2010 بهذه الطريقة. في الأرجنتين فشل جميع المدربين في السنوات العشرة الأخيرة من بناء فريق متجانس وبأفكار واضحة حول ميسي أو من دون ميسي رغم وفرة النجوم. منذ ألفيو بازيل الذي قدم كرة قدم جماعية جميلة في كوبا أميركا 2007 قبل أن يخسر المباراة النهائية من البرازيل، تعاقب ستة مدربين على القيادة لم نشاهد الأرجنتين مع أي منهم تلعب كفريق أو على الأقل تحافظ على تشكيلة ومجموعة من اللاعبين وبعض الأفكار الواضحة لسنة واحدة! قناعتي أن الأرجنتين تمتلك رصيداً بشرياً هائلاً يؤهلها للفوز بكأس العالم حتى من دون ميسي، بشرط وجود تكتيك ومنهجية واضحة. فحتى مع وجود ميسي لن يكون بإمكان الأرجنتين تحقيق شيء في ظل هذه العشوائية وغياب الأفكار. من المخجل حقيقة أن ينزوي نجوم كبار لهم وزنهم في منتخب الأرجنتين يصنعون المجد مع أنديتهم الأوروبية، ويقفوا قليلي الحيلة في الملعب مع الأرجنتين ويكتفون بتمرير الكرة لميسي الذي يطلب منه فعل كل شيء في رياضة هي لعبة جماعية في المقام الأول. ولأنها لعبة جماعية فازت اليونان بيورو 2004 بأسلوب دفاعي جماعي، وانتصرت إيطاليا التكتيكية بكأس العالم أربع مرات، وبرتغال رونالدو في يورو 2016، ليس بفضل أدائه الفردي بل بأداء واضح الأفكار لمجموعة لعبت على إمكانياتها المتاحة ودرست الخصوم جيداً وحالفها التوفيق كثيراً.

في المحصلة كرة القدم ليست بالعلم الصحيح، ولا يمكن القطع إلا بالأرقام والحقائق الصلبة، ولكن المقارنات يجب أن تستند دائماً إلى معايير واضحة ومتوازنة، ويسهم التحليل التكتيكي والإلمام بالتاريخ والظروف المصاحبة وعناصر اللعبة المختلفة في الوصول إلى نتائج أكثر واقعية في هذه المقارنات التي لا مفر منها. وبعيداً عن المهاترات التي لا طائل منها، لا يحتاج ميسي ليثبت شيئاً لأحد حتى وإن لم يفز بكأس العالم هذه، فهو أحد عظماء اللعبة على الإطلاق، وربما لا يكون رونالدو اللاعب الأمتع أو الأعظم لكنه آلة مبرمجة على الانتصار والتفوق وهو من عظماء الرياضة عموماً وليس كرة القدم فقط من حيث امتلاك عقلية انتصارية والإصرار في تحقيق الأهداف والنجاحات، فلنستمتع بهما حتى آخر قطرة فهذا غالباً مونديالهما الأخير!

إغلاق