عنصرية وانهيار القيم الأخلاقية .. لماذا يجب أن نكره كرة القدم؟

Polish football fans

في كل مناسبة نسمع عن قصة جميلة تكشف مدى عظمة رياضة كرة القدم، مواقف إنسانية وتصرفات كريمة وأفعال تُظهر معدن الرياضي الحقيقي.

هذا اللاعب جاء من عائلة فقيرة وتسلق السلم خطوة بخطوة حتى أصبح الهداف التاريخي لهذا الفريق أو أفضل مدافعين العالم أو ساحر في خط الوسط، وذلك اللاعب تخطى الصعاب وكسر الحواجز ليُتوّج بالكرة الذهبية في النهاية، وآخر عانى الأمرّين في صغره وتجنب ويلات الحروب والتشرد ليصبح نجمًا في اللعبة.

القصص الجميلة لا تتوقف، وكرة القدم تبرز لنا بين الحين والآخر جوانب رومانسية حالمة تجعلنا نبتسم، لكن هذه ليست القاعدة بل الاستثناء، القاعدة مختلفة تمامًا عن ذلك!

يقولون إن هذا هو الوجه الحقيقي للرياضة واللعبة، لكن ما نراه هو فقط الوجه الناعم لكرة القدم، أمّا وجهها الحقيقي قد يمنح كل الباحثين عن المشاهد الرومانسية والمواقف الإنسانية للبعد عنها وتجنب متابعتها.

لماذا يجب أن نكره كرة القدم؟ لماذا لا تستحق هذه اللعبة كل هذا الاهتمام والمديح؟

التأييد التام أو الموت الزؤام

England Russia violence in Marseille
Getty Images

كرة القدم تختلف عن أي نوع من أنواع الترفيه، فمثلًا متابعة السينما أو الاستماع للموسيقى لا يتطلب الانتماء لشخص أو لمنظومة ما، لكن كرة القدم – والرياضة عمومًا – تجبرك على الانتماء لكيان ما.

الانتماء هنا أمر ضروري في كرة القدم، فهل سمعت عن شخص يشجع برشلونة وريال مدريد؟ أو الهلال والنصر؟ أو الأهلي والزمالك؟ بالطبع لا، إن كان مدريدي فالنادي الكتالوني خصمك اللدود وإن كنت هلاليًا فلن تشجع العالمي، ولا يمكن أن يجتمع حب قطبي القاهرة في قلب شخص واحد.

الانتماء لهذا الفريق يعني التسليم بضرورة مساندته حتى لو لم يكن الأحق أو الأفضل، لا مانع من فعل أي شيء لدعم فريقك وتأييد مواقفه وقرارته. الحكم مثلًا دائمًا يظلم فريقك واتحاد الكرة دائمًا يدّعم المنافس، والمؤامرة والعالم كله يسعى لإفشال فريقك.

وما العيب في الانتماء؟

حينما يقرر شخص ما الانتماء إلى كيان ما فإنّه يتجرد من كل معاييره الأخيرة لتأييد هذا الكيان حتى لو دفعه ذلك لتأييد الشيء ونقيضه.

الأمر يبدأ بالهجوم على الحكم حال الخسارة ورفع شعار "صياحك طرب" حال الفوز، ولا مانع من اعتبار الأرقام معيارًا للحكم على نجاح فريقك ثم الكفر بالأرقام ذاتها لاحقًا حينما لا تنصف النادي الذي تشجعه.

الانتماء المطلق لفريق كرة القدم يؤدي بالتبعية إلى قتل المعايير الأخلاقية واعتبار المعيار الوحيد فقط هو ما يحققه فريقك؛ إن حقق الألقاب بأسلوب لعب سيئ فلا يهم لأن كرة القدم تُكسب ولا تُلعب، وإن لعب بشكل جيد وخسر فتصبح اللعبة ملعونة ولا تنصف الأفضل أبدًا.

الانتماء المطلق يُمحي العقل ويجعل الجميع جزءًا من قطيع كبير يصفق وقتما يصفقون ويهتف وقتما يهتفون ويصرخ وقتما يصرخون ويلعن وقتما يلعنون!

خطورة البحث عن الفوز

Salah Ramos Liverpool Real Madrid UCL final 2018
GettyImage

الكرة أيضًا لعبة تنافسية قائمة بشكل كامل على البحث عن الفوزومع الوقت يصبح الفوز هو الهدف الأسمى والذي يتفوق على كل شيء ويظهر الروح الميكافيلية التي بداخل كل إنسان.

في مقال أعدته جينفر روبنسون كشف عن أن الإنسان بداخله يسعى بصورة متواصلة لتحقيق الفوز في أي شيء، بل حتى تحويل أبسط الأمور إلى منافسة حتى يفوز بها ولذلك يقوم الأطفال عادة بخلق هذه المنافسة أثناء اللعب مع أقرانهم فقط للشعور بنشوة الانتصار.

المقال يؤكد أنّ الإنسان منذ البدائية يشعر بالضياع في حال الخسارة، فمنذ بدء الخلق والإنسان يحارب لأجل البقاء والخاسر يموت، وبالتالي أصبح الانتصار مرادفًا للحياة، كما أنّ رغبة الإنسان الدائمة في الشعور بالسعادة والكمال تظهر بقوة حينما ينتصر ويحقق شيئًا ما سعى طويلًا لأجله.

مقال آخر كتبه لؤي فوزي في موقع "ميدان" يتحدث عن فوبيا الفوز عند الأمريكان والتي انتشرت في العالم أجمع وكيف أنّ الرغبة الدائمة في تحقيق الانتصار أيًا كانت التكلفة قد يؤدي إلى خلل واضح في المنظومة الأخلاقية، فالمنتصر دائمًا على حق والخاسر لا يحق له الحديث لأنّ ببساطة "صياحه طرب".

مثال بسيط على ذلك هو احتفال الجمهور بهدف دييجو مارادونا - غير الشرعي - بيده أمام إنجلترا والذي حتى يحظى بضجة أكبر من هدفه الأجمل في المباراة ذاتها، أو إشادة كيليني بتدخل سيرخيو راموس القوي على محمد صلاح والذي حرمه من خوض أول نهائي له في دوري أبطال أوروبا. طالما انتصرت فلا قيمة للمعايير الأخلاقية ولا قيمة للصواب والخطأ.

جمهور كرة القدم يتعامل مع فريقه المفضل وكأنّه امتداد شخصي له وبالتالي أي إنجاز منسوب له وأي إخفاق منسوب له أيضًا، وبالتالي لابد لفريقه أن يفوز ليشعر وكأنّه مكتمل، لا يهم كيف يفوز ولا يهم إن كان الأمر عن استحقاق من عدمه ولا يهم أي شيء آخر طالما تحقق الانتصار في الأخير.

من التحفيل إلى العنصرية

التحفيل جزء أساسي من كرة القدم، بل حتى بعض الجمهور يعتبره جزء أساسي من متعة اللعبة وسبب رئيسي من أسباب متابعتها.

لكن التحفيل الذي يبدأ بسخرية بين الرفاق أو بـ"كوميك" عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى ما هو أكبر من ذلك فالتحفيل هو أساس فكرة العنصرية.

الهدف من التحفيل هو السخرية من المنافس والتقليل منه بكل الطرق، لا يهم حتى لو كان الكذب سلاح الجمهور للتحفيل، لا يهم لو تم كتابة إحصائيات غير دقيقة أو نقل تصريحات وأخبار كاذبة، المهم التحفيل.

ولأن السعي للتحفيل متواصل حتى أصبح وكأنّه هدف بحد ذاته، فلا غرابة أن نجد شخصًا يواصل في عملية التحفيل حتى يسخر من لون أو شكل أو ديانة لاعب معين في فريق منافس، بل حتى لا مانع من السخرية من وفاة لاعب في حادث فقط للتقليل من المنافس تمامًا كما فعل مشجع من ساوثامبتون أمام كارديف بتقليد الطائرة للسخرية من وفاة إيميليانو سالا!

التحفيل هو بداية العنصرية، كما أنّ شرب الخمر هو بداية السكر. والعنصرية هي أقذر ما يعبر عن الذات البشرية.

لماذا يجب أن نكره كرة القدم؟

اللعبة ليست مثالية، ربما لأن أي شيء يتضمن تدخل بشريًا ليس مثاليًا، ولكنّ الهالة الموضوعة على جمال كرة القدم يخفي قبحها.

أزمات العنصرية وخطورة التعصب لجانب على حساب آخر تحدث في السياسة والدين والعرق واللون وغيره من الأمور، لكن مع انتهاء العنصرية ضد أصحاب البشرة السمراء في العالم ومع وضع قوانين لضمان حرية العقيدة وغيرها من الأمور، أصبحت كرة القدم ملاذًا حقيقيًا للجميع لإيجاد فرصة للتعبير عن أفكارهم المدمرة.

بل حتى كرة القدم هي المكان الوحيد الذي يتم فيه التبرير للعنصرية، تمامًا كما حدث مع جمهور إنتر حينما سخر من استياء لوكاكو من العنصرية أو حتى هجوم بونوتشي وأليجري على مويس كين بعد تعرضه للعنصرية واعتباره الطرف الخطأ.

هذه ليست فقط الأسباب لكراهية كرة القدم، فكم من لاعب تعرض لضغوط نفسية أنهت مسيرته بل وأثرت على علاقاته الإنسانية بعد ذلك، وكم من نجم تحدث عن رغبته في الذهاب لطبيب نفسي لمعالجة الآثار التي خلفها تعامل الجمهور معه بل حتى ليونيل ميسي نفسه لم ينجو من ذلك.

كم من لاعب اعتزل قبل حتى الوصول لعامه الـ20 والسبب هو فضائح التعامل مع الأكاديميات وغيرها وآليات التصعيد للفريق الأول، وغيرها من الأمور التي كشف عنها "لاعب الكرة السري" في سلسلة "The secret footballer"

لم نتحدث عن كل الأسباب التي تدفع الجميع لكره كرة القدم واعتبار اللعبة سببًا من أسباب العديد من الأزمات الاجتماعية، ولكن هذه فقط غيض من فيض.

كرة القدم تفتح المجال للكراهية وتفتح الأبواب للعنصرية وتكشف عن وجهها القبيح في كل مناسبة، لكن لا يزال هناك جمهور كبير يرغب في رؤية الجمال فقط ويستغل أي مناسبة لنسيان كل السواد والتركيز فقط على لونها الوردي!

اقرأ أيضًا:- انهيار نيمار .. كيف قتل والده والجمهور إنسانية ابن البرازيل