الأخبار النتائج المباشرة
مقالات الرأي

دوري السوبر الأوروبي وقانون بوسمان .. عن التاريخ الذي يعيد نفسه

11:51 م غرينتش+3 19‏/4‏/2021
و
سور حول الأندية الكبرى؟ أتظن أنها أول مرة!

عزيزي المشجع، أظن أنك استيقظت صباحًا على انفجار قنبلة دوري السوبر الأوروبي، وأشك أنك شعرت بالتضامن مع الأندية الصغيرة التي ستنهار ربما أمام غلق كرة القدم على مجموعة من الأندية الكبرى، لا أعلم هل تفاجأت أم لا، ولكنني متأكد أن إجابة هذا السؤال تتوقف عن مدى معرفتك لما حدث في كرة القدم منذ 1995 وحتى ليلة الأمس.

قانون بوسمان؛ بالطبع سمعت عنه ولو لمرة على الأقل، حتى إن لم تتمعن في تفاصيله حتى تدرك ما هي، ولكننا الآن نحتاج إلى العودة له، فقط لأن عبارة التاريخ يعيد نفسه ربما فقدت معناها من كثرة تكرارها، ولكنها تظل في بعض المواقف الشيء الوحيد الممكن قوله لوصف ما يحدث حولنا.

دعنا نبدأ الحكاية من بدايتها،  في 1990 كان هناك لاعب ليس معروفًا للغالبية يدعى جان مارك بوسمان يبحث عن نادٍ جديد للانتقال له، وذلك بعد أن انتهى عقده مع نادي لييج البلجيكي وصله عرض من نادي دنكيرك الفرنسي إلا أن مطالب نادي لييج بالحصول على مقابل مادي للتخلي عنه رغم انتهاء عقده حالت دون إتمام الصفقة.

النادي البلجيكي تعنت وقرر تجديد عقد اللاعب بالقوة بربع راتبه، وإجلاسه على دكة البدلاء، وقتها لم يكن اللاعب يمتلك مصيره حتى في حال انتهى عقده، الأمر الذي كان كافيًا بتدمير مستقبل بوسمان، وقرر أن يلجأ إلى القضاء من أجل الحصول على حقه من ناديه.

ومع إصرار النادي البلجيكي على عدم السماح لبوسمان بالرحيل، رفع لاعب خط الوسط قضية استمرت في المحكمة لخمس سنوات مستعينًا بخدمات المحامي جان لويس دوبون، وبعد 5 سنوات من الصراع، حُكم بالآتي، والذي عرف بعد ذلك بقانون بوسمان، والذي صدر في 1995. 

أولًا لم يصبح من حق النادي الحصول على أي مقابل مادي من أجل تركه للاعب انتهى عقده، حيث أصبح من حق أي لاعب انتهى عقده أن يقرر مصيره وينتقل بلا مقابل لأي نادٍ آخر، ومن هنا بات اللاعب يمتلك مصيره وليس النادي. 

ثانيًا، أصبح بإمكان الأندية الأوروبية الاعتماد على عدد لا محدود من اللاعبين غير المنتمين لدول الاتحاد الأوروبي، صحيح وأن الأندية باتت تتحايل على ذلك بمنح الجنسية للاعبيها الكبار بعد فترة من ارتدائهم لقميص النادي، ولكن هذه النقطة لا تهمنا كثيرًا فيما نتحدث حوله.

النقطة الأولى، والتي جعلت ما يسمى بمفهوم اللاعب الحر يبدأ في الظهور، جعلت اللاعب يمتلك مصيره، وأثرت على الأندية التي لم تعد قادرة على الاحتفاظ بلاعبيها إن أرادوا الرحيل، وهنا بدأت شروط اللاعبين في الظهور من جهة، وقدرة الأندية صاحبة الأموال على إغرائهم من جهة أخرى.

قبل 1993 يمنكك مراجعة سجل المتوجين بدوري أبطال أوروبا، ستلاحظ أسماء كأستون فيلا والنجم الأحمر الصربي ونوتنجهام فورست وهامبورج وأيندهوفن وستيوا بوخارست، أما في الحقبة الحديثة فلم يكسر أحد الإيقاع سوى بورتو في 2004، عدا ذلك، فهناك حفنة من الأندية تسيطر على المشهد والأدوار النهائية ومنصة التتويج. 

ما علاقة ذلك بقانون بوسمان؟ هنا يمكننا أن نبدأ الحديث حول دوري السوبر الأوروبي، أو حول نواة تكوينه الأولى بالأحرى، حيث أنه بعدما أصبح بإمكان اللاعبين الرحيل، بدأت الأندية التي امتلكت أموال ونفوذ في ذلك الوقت في خطف اللاعبين المميزين في الأندية الصغيرة، تلك التي لم تستطع بالطبع مقاومة رغبة اللاعبين في الانتقال لأندية أكبر ولا في مجاراة العروض المالية الضخمة، وهنا تحديدًا بدأت الفجوة بين ما يسمى اليوم الأندية الكبيرة والأندية الصغيرة على مستوى أوروبا. 

ولهذا السبب، بات ستيوا بوخارست ناديًا صغيرًا حتى لو كان كبيرًا في بلاده، والسبب أن رومانيا ليست كإيطاليا وألمانيا وإسبانيا، ومع تحوّل العالم بأكمله نحو الرأسمالية، باتت الأندية الكبيرة تستطيع التعامل بالمنطق ذاته مع الأندية التي لا تمتلك أموال في نفس البلد، فأصبحت هناك فقاعة في كل دوري بها ما يسمى بالكبار، وفقاعة على مستوى القارة الأوروبية كذلك. 

وكون الكرة الأوروبية هي الأكثر جاذبية، زادت الاستثمارات حتى من خارج القارة، لتزداد الفجوة أكبر بين الكبار والصغار، بل وتصنع الأموال أندية كبيرة من العدم ولك في باريس سان جيرمان وتشيلسي ومانشستر سيتي مثالًا، وكلما تم ضخ الأموال بصورة أكبر، كلما زادت الفجوة بين الكبار والصغار، وزاد النفوذ لدى هؤلاء وقلة الحيلة لدى هؤلاء. 

الأندية التي امتلكت الأموال وقت إصدار قانون بوسمان انهالت على اللاعبين في الأندية الأخرى، والأندية التي امتلكت اسمًا كبيرًا في عالم الكرة استخدمت نفوذها للهدف ذاته، وبدأ عصر الاحتكار بين حفنة من الأندية، التي تنتظر مبارياتها اليوم عزيزي المشاهد دونًا عن الأخرى. 

وكلما وُلد أحد الأثرياء الجدد انضم للأثرياء القدامى، وزاد استسلام الأندية المتوسطة والصغيرة أمام أحكام الرأسمالية، حتى مرّت السنوات، وترسخت الأندية الكبيرة الثرية وتحددت، فقررت أن تقطع شوطًا جديدًا بعد ما حدث فيها بعد قانون بوسمان. 

من الممكن القول إن الأندية الكبرى رسمت لنفسها سورًا وهميًا يحيط بها عن باقي الفقراء، وظلت المسافة تبتعد بينهم حتى أصبحوا في مكانٍ آخر، فجلسوا مع بعضهم البعض وقالوا مهلًا، لماذا نترك هذا السور على الورق فقط؟ ما رأيكم أن نقوم ببنائه بالفعل؟

حسنًا، سنقوم بذلك، سنغلق كرة القدم علينا ونسميها "دوري السوبر الأوروبي" نجتمع سويًا، 15 عضوًا مؤسسًا ونترك 5 أندية تتغير كل عام، حتى نحافظ على كرة القدم من الانهيار، تمامًا كما فعلنا مع الأندية الصغيرة وقت قانون بوسمان، فنحن طيبون للغاية.

كان سورًا على الورق، وشرعوا في جعله سورًا حقيقيًا، يعزلهم تمامًا عن العالم، يتركون فيه كرة القدم باتحاداتها وأنديتها يضربون رأسهم بالحائط، تمامًا كما اعتادوا، منذ متى سمح الكبار لنادٍ صغير بالاحتفاظ بنجم له؟ بحقه في المنافسة؟ بأي شيء سوى أن يكون عبارة عن أكاديمية لتصدير المواهب ليس إلا؟ لماذا أراك متفاجئًا الآن وكأننا استيقظنا صباحًا فوجدنا كارل ماركس الذي كنا نجلس معه بالأمس قد أصبح ميكيافيلي؟ ماركس مات يا صديقي وهم من قتلوه، ونحن نعيش في حضرة ميكيافيلي منذ سنوات، ولكنه توحّش حتى أصبح أكثر ميكيافيلية ليس إلا.

إنجلترا تهاجم مخطط الدوري الأوروبي الممتاز واليويفا يهدد بالحرمان المحلي والدولي وكأس العالم!

كان "ما بعد بوسمان" ثم أصبح "سوبر ليج"، وغدًا "ميجا ليج" وبعد غدٍ "إكسترا ميجا ليج"، ستتعدد الأسماء، بينما نحن ندور في نفس المدار منذ سنوات. ابتسم يا صديقي، فأنت تعيش عصر البقاء للأكثر مالًا، تعيشه منذ وُلدت تقريبًا ولم تبدأه مع دوري السوبر الأوروبي.