إنفستكورب وميلان .. لأن الروسونيري لا يقل شأناً عن جوتشي!

AC Milan Gucci Olivier Giroud InvestcorpGoal Ar / Getty

في تسعينات القرن الماضي، شغلت قصة اغتيال ماوريتسيو جوتشي، وريث العلامة الشهيرة للأزياء، على يد قاتل مأجور من طليقته باتريزيا ريجياني العالم، واستمر الحديث مع توالي مشاهد محاكمة المرأة التي لم تصدق أن زوجها تركها من أجل أخرى.

في العام الماضي، أعادت "هوليود" إحياء الحكاية عن طريق فيلم "بيت جوتشي"، فيلم حصد وترشح لعدة جوائز ومن بطولة عديد النجوم اللامعين، ونقل بالتفصيل وقائع كيفية إنقاذ العلامة التجارية الشهيرة من الانهيار في ظل الخلافات العائلية لعائلة جوتشي المتشعبة بين إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية.

يظهر في الفيلم مع اقتراب نهايته كيف يحاول محامي ماوريتسيو دومينيكو دي سولي إقناعه ببيع جزء من أسهم الشركة لمستثمر عربي وهو نمير قيردار، رجل الأعمال العراقي مؤسس شركة "إنفستكورب" التي ارتبطت مؤخراً بشراء العملاق الإيطالي ميلان.

ميلان .. تراجع داخل وخارج الملعب

على مدار الأعوام الأخيرة، عانى الروسونيري على الصعيد الإداري، الأمر الذي انعكست تبعاته على المستوى الفني بالتبعية، وتراجع الفريق وابتعد عن مكانته كأحد كبار إيطاليا وأوروبا.

جاء بيع سيلفيو بيرلسكوني لحصصه في النادي لمستثمر صيني مجهول ليكون بداية النهاية، الرجل الذي أحب ميلان أصبح غير قادراً على مواكبة متطلبات العصر الحديث فيما يخص إدارة فريق كروي، واضطر لبيعه إلى لي يونج هونج وشركته "سينو أوروبا" في 2016 مقابل 740 مليون يورو.

بداية قوية واستعراض للعضلات بسوق انتقالات صُرف فيه قرابة 200 مليون يورو لم تكن كافية، واكتفى الفريق بمركز مؤهل للدوري الأوروبي وفشل معظم اللاعبين الجدد في التألق، ليعود التركيز على الوضع الاقتصادي المشبوه للإدارة الصينية الجديدة بسبب فشلها في تسديد ديونها، والشكوك المثارة حول حقيقة يونج هونج، خصوصاً بعد تقرير نيويورك بوست الشهير.

الوضع استمر بالتدهور، والشكوك تحولت لحقيقة بعد تخطي يونج هونج المهلة لسداد ديونه، وأصبح مجبراً على التخلي عن ميلان لمجموعة "إليوت" الاستثمارية التي استحوذت على ملكية النادي في 2018 رسمياً، لتنتهي حقبة الصينيين وتبدأ حقبة المالك الذي يبحث عن استرداد أمواله، ولا طريقة أفضل غير إعادة تسويقه وبيعه من جديد بقيمة تمكنه من استرداد الأموال، وحتى تحقيق أرباح إضافية.

"إنفستكورب" .. المنقذ المنتظر لميلان و"إليوت" على شاكلة "جوتشي"

في 1982، قرر نمير قيردار تأسيس شركة تربط منطقة الخليج العربي بالعالم الغربي مستغلاً حالة النمو الكبير في الدولة العربية اقتصادياً بذلك التوقيت، ومساعدة رجال الأعمال هناك للاستثمار في أمريكا وأوروبا حيث أسس هو ثروته، ومن هنا جاءت "إنفستكورب".

تعمل الشركة التي تتخذ البحرين مقراً رئيسياً لها وتملك فروعًا في قرابة 40 دولة برأس مال يقارب 40 بليون يورو على توفير فرص استثمارية للشركات والعلامات التجارية للنمو والتطور على حد التعريف بموقعها الرسمي، ولعل حالة شراء "جوتشي" هي الشرح الأفضل لتلك الكلمات.

دخلت "إنفستكورب" في مفاوضات معقدة مع عائلة جوتشي لشراء أسهم الشركة التي رغم شهرتها العالمية، ولكن كانت الخسائر تضربها بسبب الخلافات العائلية، وتفرغ ماوريتسيو لحياة البذخ، ونجحت أولاً في شراء أسهم كل أفراد العائلة حتى تبقت حصة ماوريتسيو نفسه التي تحصلت عليها في النهاية مقابل 170 مليوناً في 1993، سنتان قبل اغتياله.

Maurizio Gucci and Patrizia Reggiani
Social/Goal Ar

بدأت "إنفستكورب" خطة محكمة لإعادة بناء "جوتشي" وإنقاذها، تم تقليص الإنتاج والتركيز على المنتجات الأساسية فقط، تم إغلاق عدة مقرات رئيسية للشركة في ميلان وفلورنسا وتقليل أعداد العمالة، والأهم، تم تعيين مجموعة من الأشخاص في مراكز الإدارة والتصميم يتماشى فكرهم مع العصر الحديث.

رغم البداية الصعبة، خصوصاً بعد اغتيال ماوريتسيو وما صاحبه من صخب إعلامي وتأثير سلبي على عملية إعادة البناء، ولكن عملت خطة "إنفستكورب" في صمت وإتقان، حتى نجحت في طرح أسهم "جوتشي" للبيع في البورصة مقابل بليون يورو، وبيعها فعلياً في 1999 لمجموعة "بينو" مقابل بليوني يورو، وعوائد ربح سنوية تقارب 10 بلايين.

هل تنقذ "إنفستكورب" ميلان؟

إذاً، "إنفستكورب" هي شركة تشتري العلامات التجارية الكبيرة، تعيدها لمكانتها ثم تبيعها بمكسب كبير بعد إعادتها لمكانتها، وهو ما يتماشى مع حالة ميلان الشبيهة كثيراً بجوتشي، شركة كبيرة تراجعت وتخسر، ومالك حالي يريد أمواله والتخلص من الحمل الثقيل الذي لا يخصه.

النقطة المختلفة هنا أن ميلان سيكون الاستثمار الأول من نوعه لإنفستكورب، لم يسبق للشركة خوض المجال الرياضي من قبل، أجادت في العقارات والأزياء مثل "جوتشي" ومن قبله "تيفاني" أولى تجاربها الرائدة والناجحة، ولكن عالم الرياضة لم تقتحمه بعد.

خرجت "لاجازيتا" وقالت إن أولى الخطوات ستكون تأكيد الإدارة الحالية بقيادة باولو مالديني والبقية، وتخصيص ما يقارب 300 مليون يورو لتدعيم الفريق الصيف المقبل بصفقات، ولكنها أقرب لتكهنات أكثر منها معلومات في ظل الغموض والتكتم المحيط بالمفاوضات بين الطرفين.

Paolo Maldini Milan Serie A 2021
Getty

من واقع تجربة "جوتشي" يمكن القول إن الشركة تعترف بأنها لا يمكن أن تدير الأمور بنفسها، ولكن تقوم بتعيين متخصص كما فعلت بوضع توم فورد وأعطته صلاحية تطوير التصاميم، وقد يكون الأمر مشابها في ميلان عبر الإبقاء على مالديني كما فعلت مع دي سولي بصفته يعرف البيت من الداخل، مع تعيين أشخاص إضافيين لحل المشاكل المتراكمة وإخراج النادي من أزماته.

الحديث عن كيف ستدار الأمور في ميلان ومن سيأتي ومن سيرحل والصفقات الآن ولم يحسم أي شيء بصفة رسمية سابق لأوانه، ولكن المؤشرات الأولية مشجعة، وتؤكد لمشجعي الروسونيري أن إذا أتت "إنفستكورب" فعلى الأقل سيكون ناديهم مملوك لمن يعرف ماذا يفعل ويهتم بأمر النادي، وليس صيني مجهول أو مجموعة تطمح فقط لاسترداد أموالها، وقد تكون الخطوة الأولى على طريق العودة للقمة بعد سنوات عجاف طالت كثيراً.